حدث الساعة
تبدأ اليوم الخميس مرحلة مفصلية في تاريخ قطاع غزة، حيث من المقرر بدء عملية تسليم إدارة كافة المؤسسات الحكومية والمهام الرسمية دفعة واحدة من حركة "حماس" إلى " لجنة إدارة غزة" (التكنوقراط) . وتأتي هذه الخطوة المتسارعة لتنهي حقبة إدارية استمرت ثمانية عشر عاماً، واضعةً القطاع المثقل بجراح الحرب أمام اختبار تاريخي لانتشاله من الركام والانهيار الشامل، وتحويله من مدينة دمرتها الحرب إلى مركز حيوي يسعى للنهوض تكنولوجياً وإدارياً في سباق مع الزمن.
ومع انطلاق ساعة الصفر لعملية التسليم الشاملة، تتجه الأنظار إلى العاصمة المصرية التي شهدت اللمسات الأخيرة للاتفاق الفني بين قيادة "حماس" ورئيس الاستخبارات المصرية حسن رشاد، حيث أبدت الحركة جهوزية كاملة لإخلاء مواقعها الحكومية فوراً لضمان انتقال سلس ومُنظم يجنب القطاع أي فراغ إداري، مؤكدة إخلاء مسؤوليتها أمام المجتمع الدولي لضمان مسار إنهاء الحرب ووضع غزة رسمياً تحت ولاية اللجنة الجديدة.
معضلة المعابر وتحديات الوصول إلى الميدان
ورغم الجهوزية التي أبدتها المؤسسات القائمة في غزة لعملية التسليم والاستلام التي بدأت فعلياً، إلا أن العقبة الجغرافية لا تزال قائمة، حيث ينتظر أعضاء اللجنة في القاهرة الضوء الأخضر لفتح معبر رفح أو التوصل إلى تفاهمات تسمح بمرورهم عبر المنافذ التي تسيطر عليها إسرائيل. هذا الانتظار يضع المشهد الإداري في حالة ترقب، وسط تساؤلات حول البدائل المتاحة في حال تأخر الوصول الميداني، وعما إذا كانت هناك شخصيات داخل القطاع مفوضة باستلام المهام وبدء تنفيذ برامج حكومة التكنوقراط فوراً بالتنسيق مع الفريق في القاهرة.
وفي الوقت الذي يترقب فيه الشارع الغزي وصول الفريق الجديد، تؤكد الجهات الإعلامية في غزة أن الترتيبات الإدارية قد اكتملت لضمان عدم حدوث ارتباك في تقديم الخدمات، معتبرة أن اللجنة تملك القدرة على معالجة الواقع الميداني المتدهور. وتأتي هذه الخطوات في ظل تأكيدات رسمية مصرية بأن الدفع باللجنة إلى داخل القطاع بات مسألة أيام فقط لمباشرة إدارة الشؤون الحياتية واليومية للسكان من أرض الميدان.
ميزانية الطوارئ وخطة المائة يوم الأولى
يدخل الفريق الإداري الجديد غزة متسلحاً بموازنة مالية مخصصة لعام كامل ، تم إيداعها في صندوق خاص تحت إشراف البنك الدولي لضمان الشفافية وتدفق الدعم الدولي. ويؤكد رئيس اللجنة علي شعث أن التركيز الفوري سينصب على "خطة الـ 100 يوم" التي تستهدف معالجة الملفات الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها توفير الإيواء العاجل لنحو مئتي ألف عائلة من خلال توفير وحدات سكنية مؤقتة "كرفانات" تحمي النازحين من قسوة الشتاء وتغنيهم عن الخيام المتهالكة التي باتت تميز مشهد النزوح المرير.
هذه الميزانية المدعومة بوعود من دول إقليمية ودولية وازنة تهدف إلى إعادة بث الروح في الخدمات الأساسية، حيث تضع اللجنة في مقدمة أولوياتها إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي المدمرة، وفتح الطرقات المغلقة بالركام، واستعادة الحد الأدنى من خدمات الكهرباء والإنترنت. ويرى المراقبون أن نجاح هذه المرحلة الإغاثية سيمهد الطريق لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي المان ح، الذي لطالما ربط تمويل الإعمار بوجود إدارة مدنية تخصصية.
إرث الانهيار ومهمة الحفر في الصخر
المهمة التي تنتظر اللجنة لا تبدو أقل من مستحيلة، فهي ترث اقتصاداً مشلولاً بالكامل وفقاً لبيانات الإحصاء الفلسطيني، حيث قفزت معدلات البطالة لتتجاوز سبعة وسبعين بالمئة من القوى العاملة، وانمحت معالم قطاع الإنشاءات بنسبة تقارب المئة بالمئة. هذا الواقع المأساوي يمتد ليشمل توقف معظم المصانع وتراجع حاد في قطاع الخدمات، مما يجعل من استعادة الحياة الاقتصادية عملية أشبه بـ "الحفر في الصخر" كما وصفها رئيس اللجنة، الذي تعهد بالعمل بلا كلل لترميم الرعاية الصحية والتعليم وإرساء منظومة الأمن والعدالة.
وتبرز عقبة أخرى تتمثل في ضرورة فتح المعابر بشكل دائم ليس فقط لإدخال المعونات، بل لتحفيز النشاط التجاري الذي يعد الشريان الوحيد للتعافي المستدام. ويحذر خبراء من أن أي مماطلة في الانتقال إلى مراحل متقدمة قد تعصف بآمال التعافي المبكر، مشيرين إلى أن الأشهر الستة الأولى ستكون الحاسمة في تقرير مصير غزة؛ فإما النجاح في كسر جمود ملف الإعمار الذي تعثر طويلاً، أو الغرق مجدداً في دوامة الأزمات المركبة التي خلفتها سنوات الصراع والدمار.
المصدر: الحدث/ وكالات
المصدر:
الحدث