آخر الأخبار

مجلس السلام برئاسة ترمب: طرح السلام الدولي في المزاد

شارك

واشنطن – سعيد عريقات

كشفت تقارير إعلامية أميركية أن إدارة الرئيس دونالد ترمب وجّهت دعوات إلى نحو 60 دولة حول العالم للانضمام إلى كيان دولي جديد تحت مسمى "مجلس السلام"، في خطوة غير مسبوقة تربط بين النفوذ السياسي والقدرة المالية، عبر اشتراط مساهمة تصل إلى مليار دولار مقابل الحصول على عضوية دائمة. المبادرة، التي يُفترض أنها وُلدت من رحم وقف إطلاق النار في غزة، تتجاوز هذا الإطار لتطرح نموذجًا جديدًا لإدارة النزاعات الدولية، يقوم على منطق الاستثمار والشراء، لا على قواعد الشرعية الدولية المتعارف عليها.

وكان قد أُقرّ مجلس السلام في مجلس الأمن في تشرين الثاني 2025 للإشراف على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس. غير أن الصيغة التي دفعت بها إدارة ترمب حوّلت هذا التفويض المحدود إلى منصة واسعة الصلاحيات، يتولاها الرئيس الأميركي شخصيًا في دورتها الأولى، مع منحه حق اختيار الدول الأعضاء، ومنح نفسه سلطة المصادقة النهائية على قرارات المجلس، حتى تلك التي تُتخذ بأغلبية الأصوات.

وتنص المسودة بوضوح على خيارين أمام الدول المدعوة: عضوية لثلاث سنوات من دون مقابل مالي، أو مقعد دائم مقابل دفع مليار دولار نقدًا خلال السنة الأولى من سريان الميثاق. ووفق دبلوماسيين غربيين، فإن هذا الشرط طُرح صراحة في الدعوات التي أُرسلت إلى قرابة 60 دولة وبدأت تصل إلى العواصم الأوروبية والآسيوية خلال عطلة نهاية الأسبوع، الأمر الذي أحدث صدمة دبلوماسية وفتح نقاشًا واسعًا حول سابقة "شراء العضوية" في هيئة دولية معنية بالسلم والأمن.

وأكدت دول عدة، بينها الهند والأردن واليونان وقبرص وباكستان، تلقيها دعوات رسمية، فيما أعلنت المجر وفيتنام قبول الانضمام. وقال وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو إن رئيس الوزراء فيكتور أوربان وافق على المشاركة، في خطوة عكست الانسجام السياسي مع ترمب. في المقابل، امتنعت غالبية الدول المدعوة عن إعلان موقف نهائي، وسط مخاوف من أن الانخراط في المجلس يعني القبول الضمني بمنطق جديد يُقاس فيه النفوذ الدولي بحجم الشيك المالي لا بالالتزام بالقانون الدولي.

وصرح مسؤول أميركي لشبكة CNBC بأن إدارة ترمب لا تفرض "رسوم عضوية"، بل تتيح للدول "فرصة" لضمان مقعد دائم عبر مساهمة مالية تُستخدم لإعادة إعمار غزة. وأكد أن "كل دولار تقريبًا" سيُصرف لهذا الغرض، وأن المجلس سيعمل بهيكل إداري خفيف من دون بيروقراطية أو رواتب مرتفعة. غير أن الإدارة لم توضّح الجهة التي ستدير هذه الأموال أو الآليات الرقابية التي ستخضع لها، ما عزز الانطباع بأن المشروع يفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية المؤسسية.

بالتوازي، أعلن البيت الأبيض عن إنشاء "مجلس تنفيذي مؤسس" للإشراف على ما وصفه بمحفظة استثمارية حاسمة لاستقرار غزة، يضم شخصيات سياسية واقتصادية نافذة، بينها وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأميركي ومستشاره، جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إلى جانب رئيس البنك الدولي أجاي بانغا ورئيس شركة "أبولو" مارك روان. هذا المزيج بين السياسيين ورجال المال أعاد إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا: هل يُدار السلام كعملية سياسية أم كمشروع استثماري؟

وتأتي هذه الترتيبات ضمن إطار أوسع يشمل تشكيل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، التي ستتولى تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام الأميركية بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في تشرين الأول 2025. ورغم الحديث عن "حوكمة فعالة" وإعادة بناء البنية التحتية، يرى منتقدون أن كثرة المجالس واللجان، جميعها بقيادة أميركية مركزية، تُهمّش الأطراف الفلسطينية وتحصر القرار في دائرة ضيقة من العواصم المانحة.

وحذر دبلوماسيون أوروبيون من أن مجلس السلام، بصيغته الحالية، لا يُكمّل عمل الأمم المتحدة بل ينافسها ويقوّضها، عبر إنشاء مسار موازٍ تُدار فيه قضايا الحرب والسلم خارج الأطر الأممية. ويرى هؤلاء أن أخطر ما في المبادرة ليس حجم الأموال المطلوبة، بل الفلسفة الكامنة خلفها: تحويل السلام من مسؤولية جماعية إلى سلعة قابلة للبيع والشراء.

ويمثل "مجلس السلام" ذروة مسار متصاعد نحو خصخصة النظام الدولي، حيث يجري استبدال مبدأ المساواة السيادية بين الدول بمنطق السوق. فحين يصبح المقعد الدائم مشروطًا بمليار دولار، تتحول الشرعية إلى امتياز مالي، ويُعاد تعريف السلام بوصفه منتجًا استثماريًا. هذا التحول لا يهدد فقط دور الأمم المتحدة، بل ينذر بتكريس عالم تُدار فيه النزاعات وفق ميزان الثروة لا العدالة.

وفي حالة غزة، تتخذ خصخصة السلام بعدًا أكثر خطورة، إذ يُختزل الصراع في أرقام ومشاريع إعمار، بينما تُهمَّش جذوره السياسية والحقوقية. فإعادة البناء دون سيادة، وتمويل دون تمثيل، يعنيان إعادة إنتاج هشاشة دائمة. ومع قيادة أميركية أحادية ومجالس مغلقة على الممولين، يخشى أن يتحول مستقبل غزة إلى ملف استثماري تُدار أولوياته وفق مصالح المانحين لا احتياجات السكان.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا