آخر الأخبار

إسرائيل تخطط لاستئناف عدوان واسع على غزة في آذار

شارك

واشنطن – سعيد عريقات


تشير تقارير إعلامية غربية وإسرائيلية متطابقة إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يضع اللمسات الأخيرة على خطط عسكرية جديدة لاستئناف هجوم واسع النطاق على قطاع غزة خلال شهر آذار المقبل، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار. ووفق معطيات ميدانية موثقة، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلية أكثر من 400 فلسطيني منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، في ما يعكس هشاشة الاتفاق وغياب أي التزام فعلي ببنوده، خصوصًا من الجانب الإسرائيلي.

ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال نقلت عن مصادر مطلعة في تل أبيب أن الجيش الإسرائيلي أعاد صياغة خطط معارك برية تتضمن عمليات اقتحام واسعة داخل القطاع، مع تركيز خاص على مدينة غزة. وتشير هذه المصادر إلى أن أي اجتياح بري جديد سيؤدي عمليًا إلى انهيار وقف إطلاق النار، وإلى نسف التفاهمات السياسية التي جرى التوصل إليها بوساطة أميركية مباشرة، في سياق سعي إدارة الرئيس دونالد ترمب لتحقيق تهدئة مرحلية في المنطقة.

وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، انتهكت إسرائيل الهدنة أكثر من ألف مرة، وفق تقديرات حقوقية فلسطينية ودولية، شملت عمليات قصف محدودة، وعمليات اغتيال، وإطلاق نار على المدنيين، فضلًا عن استمرار منع دخول المساعدات الإنسانية والوقود والمواد الطبية إلى القطاع. وعلى الرغم من تراجع وتيرة القتل مقارنة بفترة ما قبل وقف إطلاق النار، فإن عدد القتلى خلال الهدنة تجاوز 425 فلسطينيًا، معظمهم من النساء والأطفال، ما يكشف أن الهدنة كانت أقرب إلى إعادة تموضع عسكري إسرائيلي منها إلى وقف فعلي للأعمال القتالية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التصعيد الميداني، حيث قُتل ثلاثة فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية يوم الأحد، في مؤشر إضافي على أن الجيش الإسرائيلي يتعامل مع الهدنة كترتيب مؤقت قابل للإلغاء في أي لحظة. وحول هذه النقطة ، نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن مسؤول أمني إسرائيلي تأكيده أن العمليات الجديدة ستنطلق في مارس/آذار، وستبدأ باجتياح مدينة غزة باعتبارها "مركز الثقل السياسي والعسكري" لحركة حماس.

في المقابل، أشار دبلوماسي عربي للصحيفة ذاتها إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمتلك القدرة السياسية للضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لمنع العودة إلى الحرب، لكنه قد يختار عدم استخدام هذا النفوذ، في ظل التقاطع العميق بين الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية فيما يتعلق بمستقبل غزة وحركة حماس.

يشترط كل من نتنياهو وترمب على حركة حماس التخلي عن السلطة في غزة ونزع سلاحها بالكامل مقابل استمرار وقف إطلاق النار، وهو ما ترفضه الحركة بصيغته الحالية. غير أن حماس أعلنت استعدادها لتسليم إدارة القطاع لحكومة فلسطينية مستقلة أو توافقية، وأبدت انفتاحًا مشروطًا على ملف السلاح في سياق شامل يقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو طرح ترفضه إسرائيل بشكل قاطع.

ورغم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع والبنية التحتية المدنية، تُدرك تل أبيب أن أي اجتياح جديد لن يكون نزهة عسكرية. فوفق تقديرات إسرائيلية رسمية، لا تزال حماس تمتلك ما لا يقل عن 20 ألف مقاتل ونحو 60 ألف قطعة سلاح فردي، فضلًا عن شبكة أنفاق وخبرة قتالية متراكمة، ما يعني أن الجيش الإسرائيلي قد يواجه مقاومة شرسة وخسائر بشرية متزايدة.

وتعكس الخطط الإسرائيلية لاستئناف الحرب فشلًا سياسيًا ذريعًا في ترجمة التفوق العسكري إلى إنجاز استراتيجي مستدام. فبعد أشهر من القصف والتدمير، لم تنجح إسرائيل في القضاء على حماس أو فرض بديل سياسي مقبول في غزة. هذا الإخفاق يدفع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى تكرار الخيار العسكري، رغم إدراكها أن النتائج ستكون محدودة، وأن الكلفة الإنسانية والسياسية ستتضاعف، ما يضع إسرائيل في مواجهة متجددة مع الرأي العام الدولي.

الموقف الأميركي، وخصوصًا موقف الرئيس ترمب، يبدو محكومًا بمعادلة مزدوجة: دعم غير مشروط لإسرائيل من جهة، والرغبة في تجنب انفجار إقليمي واسع من جهة أخرى. غير أن الامتناع عن ممارسة ضغط حقيقي على نتنياهو يعني عمليًا إعطاء الضوء الأخضر لاستمرار الحرب. هذا التردد الأميركي يضعف أي مسار تفاوضي، ويعزز قناعة إسرائيل بأن الحلول العسكرية لا تزال مقبولة دوليًا، مهما بلغ حجم الانتهاكات.

ويعتقد الخبراء أن جوهر الصراع في غزة ليس أمنيًا بل سياسي بالدرجة الأولى، وأن تجاهل إسرائيل لمطالب الفلسطينيين الوطنية، ورفضها لأي أفق حقيقي لإقامة دولة فلسطينية، يجعل من كل هدنة مجرد استراحة مؤقتة بين جولات الحرب. وما لم يُعالج أصل الأزمة المتمثل في الاحتلال والحصار، فإن استئناف القتال سيظل حتميًا، وستبقى غزة ساحة مفتوحة لدورات متكررة من العنف دون أفق للحل.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا