د. رائد أبو بدوية: الحديث عن الإصلاحات والانتخابات قفز اضطراري أكثر منه قفزًا واثقًا في لحظة تهديد وجودي لدور السلطة نفسها..
جهاد حرب: إجراء إصلاحات جوهرية وعميقة ببنية النظام السياسي الفلسطيني أمر صعب لغياب قدرة السلطة على دفع الأثمان..
د. دلال عريقات: الإصرار على مسار الانتخابات والإصلاحات يعكس سعي القيادة إلى بناء نظام سياسي أكثر انفتاحًا وشرعية رغم المعيقات..
د. رائد الدبعي: عقد المؤتمر الثامن في أيار غير واقعي لاستحالة عقد مؤتمرات الأقاليم في الضفة وغزة واستثناؤهما يكرس الأزمة...
نبهان خريشة: إعلان 2026 عام الانتخابات والإصلاحات أقرب لموقف محسوب سياسياً بعناية منه لخارطة طريق قابلة للتنفيذ فعلياً..
د. سعد نمر: إصرار السلطة على اعتبار المرحلة الحالية مرحلة "انتخابات وإصلاحات" يرتبط بشكل وثيق بالضغوط الأوروبية والأميركية...
رام الله - خاص ب"القدس"- مع إعلان الرئيس محمود عباس عام 2026 عاماً للانتخابات والإصلاحات، يعود الخطاب السياسي الفلسطيني إلى واجهة البحث عن تجديد الشرعية ومسارات إصلاح يثير الجدل حول إمكانية جعل ذلك واقعاً ملحوظاً أم لا؟
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن هذا التوجّه لدى الرئيس والقيادة الفلسطينية يُطرح في لحظة سياسية حرجة، تتقاطع فيها أزمات داخلية متراكمة مع تحولات إقليمية وضغوط دولية، ما يمنحه بعدًا سياسيًا يتجاوز كونه استحقاقًا ديمقراطيًا تقليديًا.
ويشيرون إلى أنه رغم التأكيد الرسمي على أولوية الانتخابات والإصلاح المؤسسي، إلا أن الواقع قد يكشف فجوة واضحة بين الطموحات المعلنة والقدرة الفعلية على التنفيذ.
وبينما يُقدَّم عام 2026 كفرصة لإعادة البناء السياسي، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان سيشكّل مدخلًا لتجديد الشرعيات أم محطة جديدة لإدارة الأزمة القائمة.
حراك سياسي معلن دون تقدم مكتمل..
يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، د. رائد أبو بدوية، أن إعلان الرئيس محمود عباس اعتبار عام 2026 "عام الانتخابات والإصلاحات" يعكس حراكًا سياسيًا مُعلنًا أكثر مما يعكس تقدّمًا فعليًا مكتمل الشروط على الأرض، في ظل استمرار معيقات بنيوية عميقة تحول دون ترجمة هذا الخطاب إلى مسار ديمقراطي شامل وفاعل.
ويشير أبو بدوية إلى أن الخطاب الرسمي يتضمن مؤشرات لا يمكن تجاهلها، أبرزها إعادة ملف الانتخابات إلى صدارة الأجندة السياسية، والحديث عن إصلاحات مؤسسية وقانونية تشمل الدستور وقانون الأحزاب، إضافة إلى جدولة أولية لبعض الاستحقاقات مثل الانتخابات المحلية.
ويرى أبو بدوية أن هذه المؤشرات تعبّر عن إدراك رسمي متزايد لخطورة استمرار حالة الجمود السياسي والدستوري، سواء على الصعيد الداخلي أو في علاقة السلطة الفلسطينية مع المجتمع الدولي.
اصطدام بعوائق بنيوية ثقيلة..
لكن في المقابل، يؤكد أبو بدوية أن هذه المؤشرات لا تزال تصطدم بجملة من العوائق البنيوية الثقيلة، على رأسها الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وغياب اتفاق وطني جامع على قواعد العملية الانتخابية.
كما يشكّل الاحتلال الإسرائيلي، بحسب أبو بدوية، عائقًا سياسيًا مباشرًا لا تقنيًا فقط، في ظل التحكم بالقدس وحرية الحركة، ومحاولات تعطيل أي مسار ديمقراطي يحمل بعدًا سياديًا فلسطينيًا، ويضاف إلى ذلك ضعف الثقة الشعبية بإمكانية أن تشكّل الانتخابات مدخلًا حقيقيًا للتغيير، لا مجرد إعادة إنتاج للنظام السياسي القائم، فضلًا عن غياب ضمانات تنفيذية واضحة أو إطار زمني مُلزم يضمن الانتقال من الخطاب إلى الفعل.
ويشير أبو بدوية إلى أن ما يجري حتى الآن هو تقدّم في مستوى الخطاب والنية السياسية المعلنة، لكنه لم يتحول بعد إلى تقدّم فعلي في البنية السياسية والمؤسساتية القادرة على إنجاز انتخابات شاملة ذات معنى.
محاولة لإعادة شرعنة النظام السياسي..
ويرى أبو بدوية أن الإصرار الرئاسي على توصيف 2026 كعام للانتخابات يحمل دلالات سياسية متعددة المستويات.
فعلى الصعيد الداخلي، يقرأ أبو بدوية هذا الخطاب كمحاولة لإعادة شرعنة النظام السياسي الفلسطيني بعد سنوات طويلة من التعطيل والفراغ الديمقراطي، وتوجيه رسالة بأن القيادة تدرك عمق الأزمة وأن استمرار الوضع القائم لم يعد ممكنًا.
فصائليًا، وبحسب أبو بدوية، يشكّل الخطاب أداة ضغط على القوى الرافضة أو المتحفظة على المسار الانتخابي، خصوصًا في قطاع غزة، عبر وضع الجميع أمام استحقاق معلن: إما الانخراط في العملية أو تحمّل كلفة تعطيلها.
أما دوليًا، فيحمل الحديث عن الانتخابات والإصلاحات وفقاً لأبو بدوية، رسالة موجهة إلى الدول الغربية مفادها بأن السلطة الفلسطينية لا تزال الشريك "القابل للإصلاح"، والقادر – نظريًا – على إدارة مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار، في مواجهة مشاريع بديلة قد تتجاوزها أو تهمشها.
قفز سياسي اضطراري..
ويعتبر أبو بدوية أن هذه التصريحات يمكن قراءتها بوصفها "قفزًا سياسيًا إلى الأمام"، لكنه قفز اضطراري أكثر منه قفزًا واثقًا على أرض صلبة، في لحظة تهديد وجودي لدور السلطة نفسها.
ويشير أبو بدوية إلى أنه في ظل تجاوز السلطة في مقاربات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لـ"اليوم التالي لغزة"، والرفض الإسرائيلي الصريح لأي دور سياسي أو سيادي للسلطة في قطاع غزة، إلى جانب تهميشها المتدرّج في الضفة الغربية، يصبح الحديث عن الانتخابات محاولة لاستباق الإقصاء وإعادة التموضع.
ويؤكد أبو بدوية أن الانتخابات تُستخدم هنا ليس فقط كاستحقاق ديمقراطي، بل كأداة سياسية لاستعادة المكانة والشرعية التمثيلية في مواجهة مشاريع تتعامل مع الفلسطينيين كـ"سكان" لا كـ"شعب سياسي".
غير أن المفارقة، بحسب أبو بدوية، تكمن في أن هذا القفز السيادي يتم بأدوات منزوعة السيادة، في ظل غياب السيطرة على الأرض واستمرار الانقسام الداخلي.
ويؤكد أبو بدوية أن حديث الرئيس عن 2026 ليس إعلان إنجاز، بل إعلان معركة سياسية مفتوحة على الشرعية والتمثيل ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، محذرًا من أن عدم استكمال هذا المسار بمصالحة وطنية حقيقية وإصلاح داخلي عميق قد يحوّل "القفز إلى الأمام" من فرصة إنقاذ إلى قفز في الفراغ.
إمكانية تنفيذ الانتخابات المحلية فقط..
يرى الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن الحديث المتجدد عن إجراء انتخابات فلسطينية عامة خلال عام 2026 يصطدم بجملة معوقات بنيوية وسياسية ما زالت قائمة، وستظل حاضرة أمام أي خطوات عملية في هذا الاتجاه، سواء تعلق الأمر بانتخابات المجلس الوطني أو الانتخابات التشريعية.
ويوضح حرب أن غياب الولاية القانونية والمؤسسية للسلطة الفلسطينية على قطاع غزة بعد الحرب يشكل عائقًا جوهريًا أمام تنظيم انتخابات شاملة، إذ لا تستطيع أي مؤسسة رسمية فلسطينية، بما في ذلك لجنة الانتخابات المركزية، العمل أو تنفيذ مهامها في القطاع في ظل الواقع السياسي والأمني القائم.
ويؤكد حرب أن مدينة القدس تمثل عقدة إضافية أمام أي استحقاق انتخابي، في ظل وجود حكومة إسرائيلية يمينية ترفض السماح بإجراء الانتخابات الفلسطينية في المدينة، ولا سيما وفق بروتوكول الانتخابات الموقع عام 1995، ما يجعل تنظيم انتخابات عامة تشمل القدس أمرًا غير متاح في الأفق المنظور.
وبناءً على ذلك، يرجّح حرب أن يقتصر المشهد الانتخابي في عام 2026 على انتخابات مجالس الهيئات المحلية فقط، والتي جرى الإعلان عن إجرائها في نهاية شهر نيسان/أبريل المقبل.
إصلاحات في واقع بالغ الصعوبة..
وفيما يتعلق بملف الإصلاحات، يشير حرب إلى أن السلطة الفلسطينية تمضي سياسيًا في مسار الإصلاحات التي سبق أن طرحتها أمام أطراف دولية وإقليمية، من بينها ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي خلال شهر يونيو / حزيران الماضي، والتي أعاد الرئيس محمود عباس التأكيد عليها في أكثر من خطاب أمام المجتمع الدولي.
وتشمل هذه الإصلاحات، وفق حرب، إعادة النظر في رواتب الأسرى الفلسطينيين، إضافة إلى مراجعة المناهج التعليمية الفلسطينية بما ينسجم مع مبادئ ومعايير منظمة اليونسكو، وهي خطوات أعلن عنها الرئيس محمود عباس بشكل رسمي.
غير أن حرب يشدد على أن إجراء إصلاحات سياسية جوهرية وعميقة في بنية النظام السياسي الفلسطيني يظل أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل غياب الإمكانيات المالية وعدم قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الأثمان السياسية والاجتماعية التي قد تترتب على هذه الإصلاحات.
غياب خارطة طريق لإجراء الانتخابات..
ويشير حرب إلى غياب خارطة طريق واضحة ومعلنة لإجراء الانتخابات ومحددة المسارات والتوقيتات.
ويؤكد حرب أن الحديث عن هذه الإصلاحات، في ظل الظروف الراهنة، مرشحة لأن تعاني من ارتدادات وتراجعات متكررة، وحالات غضب واعتراض في أكثر من ساحة، ما يجعل الحديث عن تحول إصلاحي سياسي شامل أو انتخابات عامة في عام 2026 أقرب إلى الطرح النظري منه إلى إمكانية التنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
إرادة سياسية لترتيب البيت الفلسطيني..
ترى أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د. دلال عريقات أن إعلان الرئيس محمود عباس اعتبار عام 2026 عامًا للانتخابات والإصلاحات يُعبّر عن إرادة سياسية معلنة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتجديد الشرعيات عبر مسار ديمقراطي جامع. وتوضح عريقات أن هذا التوجّه، إذا تُرجم عمليًا، يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل في النظام السياسي الفلسطيني، خاصة في ظل حالة الإنهاك الشعبي الناتجة عن الانقسام والجمود المستمر منذ سنوات.
وتشير عريقات إلى أن التحديات التي تواجه هذا المسار كبيرة، إذ لا يمكن اختزال الانتخابات في ترتيبات حزبية داخلية أو توافقات فصائلية محدودة، ولا يجوز أن يكون مسارًا إقصائيًا يستبعد أي مكوّن وطني.
وتؤكد عريقات أن الديمقراطية الحقيقية عملية شاملة ودامجة تقوم على المشاركة الواسعة، واحترام التعددية، وتكافؤ الفرص، وتوحيد النظام السياسي بدل تعميق الانقسام.
وتشدد عريقات على أن معيقات الاحتلال، والانقسام الجغرافي، وواقع القدس وحتى قطاع غزة تمثل تحديات بنيوية تتطلب إرادة سياسية موحّدة وآليات واضحة للتعامل معها، مشيرة إلى أن التقدم ممكن لكنه مرهون بخطوات عملية وجداول زمنية شفافة، وإصلاحات بنيوية تعيد ثقة المواطن الفلسطيني بالعملية الديمقراطية.
أهمية وضوح الرؤية وشمولية الخطوات..
وتوضح عريقات أن الإصرار على اعتبار 2026 عامًا للانتخابات والإصلاحات يحمل دلالات سياسية مهمة على المستويين الداخلي والخارجي، داخليًا باعتباره رسالة بأن الديمقراطية لا تقتصر على صناديق الاقتراع ولا تُختزل في انتخابات حزبية، بل هي عملية شاملة لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس الشراكة والتمثيل وعدم الإقصاء، وخارجيًا، يعكس الإصرار سعي القيادة الفلسطينية إلى بناء نظام سياسي أكثر انفتاحًا وشرعية رغم واقع الاحتلال والتحديات المفروضة.
وتشدد عريقات على أن نجاح مسار الانتخابات والإصلاحات مرتبط بوضوح الرؤية وشمولية الخطوات، مؤكدة أن الإصلاحات يجب أن تكون وطنية وواضحة ودامجة وموحِّدة، لا انتقائية ولا مؤجلة، وأن تُنفّذ ضمن إطار وطني جامع يعيد الاعتبار للمؤسسات ويعزّز وحدة النظام السياسي، ويُشرك مختلف القوى والمجتمع المدني والجيل الشاب.
عندها فقط، بحسب عريقات، يمكن للانتخابات أن تكون مدخلاً حقيقياً لتعزيز الصمود الوطني، وترسيخ الديمقراطية، واستعادة الحضور الفلسطيني القوي على الساحة الدولية، استنادًا إلى الإيمان بأن المشاركة السياسية حق لكل مواطن، وليس مجرد شرط إصلاحي خارجي.
الإصلاح مطلب وطني وشعبي جامع..
يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، د. رائد الدبعي، أن مطلب الإصلاح يشكل مطلباً وطنياً وشعبياً جامعاً لا خلاف عليه، ويجب أن ينطلق من حاجة فلسطينية داخلية لمعالجة أزمات النظام السياسي، لا استجابة لضغوط دولية أو إقليمية.
ويوضح الدبعي أن غياب الانتخابات الرئاسية والتشريعية منذ أكثر من عشرين عاماً، واستمرار الانقسام منذ عام 2007، أدخلا النظام السياسي الفلسطيني في أزمات عميقة تتعلق بشرعية التمثيل، وضعف الأداء، والعجز عن تمثيل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، خاصة فئة الشباب في الداخل، والفلسطينيين في الشتات.
ويشير الدبعي إلى أن هذه الأزمات تعود إلى عوامل خارجية مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي والتواطؤ الأميركي والصمت الدولي والعربي، إضافة إلى عوامل ذاتية، أبرزها غياب الإرادة السياسية الحقيقية، وانعدام آليات واضحة للتغيير، وافتقار السياسات العامة التي تعكس أولويات المواطنين الوطنية والاجتماعية والاقتصادية.
ويلفت الدبعي إلى أن تعطيل المجلس التشريعي، وتركيز القرار في دائرة ضيقة، يمثلان مؤشرات واضحة على أزمة حكم حقيقية لا يمكن تجاوزها بالخطاب السياسي وحده.
الانتخابات دون توافق وتعميق الانقسام..
ويعتبر الدبعي أن طرح شعار "2026 عام الإصلاح والانتخابات"، يُطرح في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط السياسية والمؤسسية لعملية ديمقراطية ذات معنى، في ظل واقع الاحتلال الذي يتحكم بالحدود والسجل السكاني والحركة والاقتصاد، وبمستقبل القدس وغزة والمعابر.
ويؤكد الدبعي أن غياب التوافق الوطني، واستمرار الانقسام، واحتكار القرار من قبل نخبة محدودة، حوّل الانتخابات المحتملة إلى إجراء إداري محكوم بسقف الاحتلال والاشتراطات الدولية، ما يفضي إلى "ديمقراطية منقوصة" تنتج شرعية شكلية دون سيادة حقيقية.
ويحذّر الدبعي من أن الذهاب إلى انتخابات دون توافق وطني شامل قد يؤدي إلى تعميق الانقسام، خاصة فيما يتعلق بالمجلس الوطني الفلسطيني، الذي يفترض أن يكون الإطار الجامع للفلسطينيين في الداخل والشتات.
ويؤكد الدبعي أن إجراء انتخابات للمجلس الوطني دون إعادة بناء منظمة التحرير على أساس شراكة وطنية حقيقية، ودون اتفاق مسبق على قواعد العمل السياسي، قد يحوّل المنظمة إلى ساحة صراع جديدة على الشرعية بدل أن تكون أداة توحيد.
وعلى صعيد السلطة الفلسطينية، يرى الدبعي أن التركيز على الانتخابات في ظل غياب أفق سياسي لغزة والقدس واليوم التالي للحرب، يعكس محاولة لإدارة الضغوط الدولية أكثر مما يعبر عن استراتيجية وطنية واضحة.
ويوضح الدبعي أن الضغوط الأميركية والدولية تدفع باتجاه "إصلاحات" تهدف إلى إنتاج سلطة أكثر قابلية للضبط والاحتواء، وليس بالضرورة أكثر تمثيلاً أو سيادة، مستشهداً بتأسيس "مؤسسة تمكين" وما رافقها من مساس بحقوق الشهداء والأسرى والجرحى، إضافة إلى التعديلات على المناهج التعليمية تحت ما يسمى "المعايير الدولية"، بما قد يمس الرواية الوطنية الفلسطينية.
ويشير الدبعي إلى ما وصفه بالتناقض الجوهري بين الإصلاح بوصفه مشروعاً وطنياً تحررياً، والإصلاح بوصفه شرطاً للتمويل والشرعية الدولية، في ظل غياب أي ضغوط موازية على الاحتلال لتمكين السلطة الفلسطينية، سواء عبر الإفراج عن أموال المقاصة، أو وقف اعتداءات المستوطنين، أو تسهيل حياة المواطنين اليومية.
عقد المؤتمر الثامن والواقعية..
وفي ما يتعلق بحركة فتح، يعتبر الدبعي أن الحديث عن عقد المؤتمر الثامن في أيار المقبل يبدو غير واقعي، نظراً لاستحالة عقد مؤتمرات الأقاليم في الضفة وغزة، محذراً من أن عقد المؤتمر دون ذلك سيحوّله إلى مؤتمر انتخابي شكلي يكرس الأزمة القائمة.
ويؤكد الدبعي أن فتح بحاجة إلى إصلاح عميق يعيد لها دورها كحركة تحرر وطني، لا كحزب حاكم، عبر مراجعة شاملة لمسارها السياسي منذ أوسلو، وليس مجرد تغيير وجوه أو إعادة تدوير للأزمة.
ويشدد الدبعي على أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يكون مفصولاً عن الحقوق الوطنية الأساسية، وفي مقدمتها حقوق الأسرى والشهداء والقدس والعودة والمقاومة بمفهومها الشامل، محذراً من أن الإصلاح المرتبط بشروط خارجية يتحول إلى تفكيك ناعم للمشروع الوطني الفلسطيني.
موقف محسوب أم خارطة طريق للتنفيذ؟
يؤكد الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن إعلان الرئيس محمود عباس اعتبار عام 2026 عام الانتخابات والإصلاحات يأتي في ظل ظروف سياسية داخلية وخارجية شديدة التعقيد، ما يجعل هذا الإعلان أقرب إلى موقف محسوب سياسياً بعناية منه إلى خارطة طريق قابلة للتنفيذ فعلياً.
ويوضح خريشة أن إعلان الرئيس عباس، رغم ما يحمله من وعود، يصطدم بسلسلة معيقات بنيوية وسياسية تجعل تحقيقه الكامل محل شك كبير.
ويشير خريشة إلى أن المعيق الأول يتعلق بطبيعة الإصلاحات نفسها، إذ ستكون أي خطوات مقبلة في جوهرها استجابة مباشرة لضغوط واشتراطات أمريكية وأوروبية، خاصة فيما يخص إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية، وتعزيز الحوكمة، وضبط الإنفاق، وربما إدخال تغييرات على آليات اتخاذ القرار.
ويؤكد خريشة أن هذه الإصلاحات، حتى لو قدمت في خطاب وطني داخلي، تبقى مشروطة بسقف خارجي، ما يحد من قدرتها على استعادة ثقة الشارع الفلسطيني الذي ينظر بريبة لأي إصلاح لا ينطلق من إرادة وطنية جامعة ولا يمس جوهر العلاقة مع الاحتلال.
فيتو القدس..
أما المعيق الثاني، بحسب خريشة، فهو مرتبط بالانتخابات نفسها، إذ لن يذهب الرئيس بعيداً في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة، خاصة في القدس.
ويوضح خريشة أن التمسك بمشاركة المقدسيين، رغم كونه موقفاً وطنياً، يتحول في الواقع إلى "فيتو مضمون"، إذ سترفض إسرائيل أي عملية انتخابية فلسطينية ذات سيادة في المدينة، وسيُستخدم هذا الرفض ذريعة لتأجيل أو تعطيل الاستحقاق الانتخابي برمته.
ويشير خريشة إلى أن المعيق الثالث يتعلق بحسابات حركة فتح الداخلية، حيث أن الذهاب إلى انتخابات تشريعية حقيقية في ظل تآكل قاعدة الحركة الشعبية يعني خسارة شبه مؤكدة.
ويشدد خريشة على أن أي انتخابات بدون مشاركة حركة حماس لن تضمن فوز فتح أو الشخصيات المرتبطة بها، إذ ستنافسها شخصيات مستقلة وقوائم معارضة تحظى بحضور شعبي وخطاب نقدي قادر على حصد أغلبية تشريعية، ما يضع النظام السياسي أمام مأزق جديد.
رسائل خارجية وداخلية.
ويؤكد خريشة أن إصرار الرئيس عباس على اعتبار 2026 عاماً للانتخابات والإصلاحات يحمل دلالتين: رسالة خارجية لإظهار استعداد السلطة للانخراط في مسار إصلاح متوافق مع الرؤية الغربية، وأداة داخلية لإدارة الوقت وضبط الإيقاع السياسي ومنع تشكل ضغوط أو بدائل غير محسوبة.
ويوضح خريشة أن غياب شروط الانتخابات الحرة، واستمرار الانقسام، وهيمنة الاحتلال على الجغرافيا والمعابر والقدس، كلها عوامل تجعل من عام 2026 عاماً للحديث الشكلي عن الانتخابات أكثر منه لإجرائها فعلياً، مؤكداً أن الإعلان يؤدي وظيفة "شراء الوقت" بامتياز دون التزام بتنفيذ فعلي.
استجابة لضغوط خارجية؟..
يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د. سعد نمر أن تصاعد الحديث عن الانتخابات والإصلاحات داخل السلطة الفلسطينية يعكس بالأساس استجابة مباشرة لمطالب أوروبية وغربية وأميركية، تشترط إدخال إصلاحات سياسية وإدارية مقابل منح السلطة دوراً في إعادة إعمار قطاع غزة وتوحيد شطري الوطن، إضافة إلى الإفراج عن المساعدات المالية الموعودة.
ويوضح نمر أن السلطة الفلسطينية اتخذت بالفعل بعض الخطوات المتعلقة بملفات الفساد والإصلاح الإداري، بما ينسجم مع هذه الشروط الدولية، إلا أن ملف الانتخابات يبقى الأكثر تعقيداً وحساسية، نظراً لما يحمله من تبعات سياسية وقانونية.
اصطدام بشرط القبول بطرح المنظمة..
ويعتقد نمر بأن إجراء انتخابات شاملة في المرحلة المقبلة يبدو مستبعداً، في ظل قرارات رئاسية تفرض عملياً على القوى الراغبة في الترشح الالتزام بمواقف سياسية مسبقة، أبرزها القبول بما تطرحه منظمة التحرير والاعتراف بإسرائيل.
ويشير نمر إلى أن هذا الشرط يمثل إشكالية جوهرية، إذ لا يُطلب من الأحزاب والقوى الفلسطينية الاعتراف الفردي بدولة الاحتلال، باعتبار أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة التي أقامت علاقات رسمية مع إسرائيل ووقعت الاتفاقيات ذات الصلة.
ويعتبر نمر أن فرض هذا الشرط على الأحزاب كمدخل للمشاركة في الانتخابات يُعد إجراءً غير ديمقراطي، لأنه يفرض توجهاً سياسياً محدداً على قوى سياسية يفترض أن تتنافس بحرية.
وببيّن نمر أن هذه المعادلة ستؤدي عملياً إلى استبعاد قوى فلسطينية رئيسية، مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إضافة إلى الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وأحزاب أخرى لن تقبل بشرط الاعتراف بإسرائيل.
وبحسب نمر، فإنه نتيجة لذلك، ستكون الانتخابات إما مقتصرة على أفراد أو أحزاب بعينها، أو لن تُجرى إطلاقاً، ما يفرغها من مضمونها الوطني والديمقراطي.
ويؤكد نمر أن هذه العقبة تشكل أحد أبرز التحديات التي تعيق مسار الانتخابات، متوقعاً نشوب خلافات سياسية حادة حتى قبل الوصول إلى مرحلة التحضير العملي لها.
تعزيز الاعتراف الدولي بدور السلطة..
ويلفت نمر إلى أن إصرار السلطة الفلسطينية على اعتبار المرحلة الحالية مرحلة "انتخابات وإصلاحات" يرتبط بشكل وثيق بالضغوط الأوروبية والأميركية، لا سيما فيما يتعلق بالمساعدات المالية، وإصلاح المناهج التعليمية، ومكافحة الفساد.
ويرى نمر أن السلطة الفلسطينية تسعى من خلال هذا المسار إلى تعزيز الاعتراف الدولي بدورها، ولا سيما في ملف غزة، والحصول على دعم سياسي ومالي مشروط، إلا أن استمرار هذه الشروط بالشكل الحالي قد يجعل الانتخابات أداة إقصاء بدل أن تكون مدخلاً لإصلاح سياسي شامل.
المصدر:
القدس