ماجد هديب: تغييب السلطة الفلسطينية وعدم تحديد “حماس” موقفها يجعل من هذا البناء مدخلاً لسيناريوهات شديدة الخطورة...
عدنان الصباح: إقامة مدينة جديدة في رفح يندرج بإطار تضليل منظم لدفع الفلسطينيين نحو التفكير بحلول فردية تنتهي بالهجرة..
نيفين عبد الهادي: المدينة قد تحمل بعداً إيجابياً فقط بحال جاءت كاستجابة طارئة للكارثة الإنسانية وتحت سيادة فلسطينية كاملة..
هاني أبو السباع: "المدينة الخضراء" في رفح أداة ضغط لإعادة إنتاج اللجوء من خيمة إلى كرفان في إطار سعي إسرائيلي للتهجير..
سامر عنبتاوي: المشروع يندرج ضمن سياسة العبث بالديموغرافيا وتعطيل استحقاقات ما بعد الحرب لعرقلة الانتقال للمرحلة الثانية..
يتصاعد الحديث عن بناء مدينة جديدة في رفح على أنقاض ما خلفته حرب الإبادة الإسرائيلية، تُقدَّم في ظاهرها كمشروع إنساني لمعالجة الكارثة السكانية التي خلّفتها الحرب، غير أن سياقها السياسي والأمني يثير تساؤلات عميقة حول أهدافها الحقيقية وتداعياتها المستقبلية، وإمكانية فرض التهجير.
تجمعات سكنية مؤقتة من بيوت متنقلة..
يحذّر الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب من توصيف الحديث عن بناء مدينة جديدة في رفح على أنه مشروع "ريفيرا" أو مدينة مترفة، مؤكداً أن المعطيات المتداولة تشير إلى نموذج مختلف كلياً، يقوم على إقامة تجمعات سكنية مؤقتة من بيوت متنقلة على جزء من رفح، ومحاطة بقواعد عسكرية وإجراءات أمنية إسرائيلية صارمة.
ويشدد هديب على أنه لا توجد أي مؤشرات تدل على أن هذا المشروع يأتي في إطار رؤية استراتيجية لإقامة مدن سياحية أو اقتصادية شبيهة بـ"ريفيرا الشرق الأوسط".
ويوضح هديب أن غياب أي اتفاق سياسي، إلى جانب تغييب السلطة الوطنية الفلسطينية صاحبة الولاية القانونية على قطاع غزة وفي ظل عدم تحديد حركة حماس موقفها بشأن غيابها عن المشهد، يجعل من هذا البناء مدخلاً لسيناريوهات شديدة الخطورة.
ويبيّن هديب أن السيناريو الأول يتمثل في توظيف المدينة لخدمة الاحتياجات العسكرية الإسرائيلية المستمرة، بحيث تتحول إلى "جيتو" جغرافي يخضع لنظام أمني مؤقت تتحكم به إسرائيل بشكل كامل.
أما السيناريو الثاني، وفق هديب، فيتمثل في أن تكون المدينة مقدمة لسياسات "التهجير الطوعي"، إذ سيُشترط على الراغبين بالإقامة فيها اجتياز متطلبات وفحوص أمنية إسرائيلية، بما يفتح الباب لاحقاً أمام استقبالهم في دول أخرى لمن يتم تصنيفهم أمنياً، في مسار ينتهي بإفراغ غزة من سكانها تدريجياً.
ويشير هديب إلى سيناريو ثالث يقوم على إدارة المدينة من قبل مؤسسات إغاثية دولية لإيواء أصحاب البيوت المدمرة كلياً بشكل مؤقت، في محاولة لتخفيف الضغوط الدولية الناتجة عن التقارير الكارثية حول أوضاع السكان، خاصة في فصل الشتاء، دون أن يشكل ذلك مدخلاً حقيقياً لإعادة الإعمار.
ويرجّح هديب السيناريو الرابع، معتبراً أنه الأكثر انسجاماً مع الوقائع الراهنة، حيث ستخضع المدينة لسيطرة إسرائيلية مباشرة، بهدف قطع الطريق على عودة غزة لولاية السلطة الفلسطينية، وتوطين السكان بعيداً عن أماكنهم الأصلية، لا سيما في المناطق المخطط لها أن تكون مناطق استثمارية مستقبلية.
مخاوف من تعريفها كمدينة مقيدة أمنياً..
ويتوقف هديب عند الدلالات الجغرافية للمشروع، باعتبار رفح بوابة غزة على العالم وحدودها المفتوحة مع مصر، محذراً من إعادة تعريفها كمدينة مقيدة أمنياً.
ويلفت هديب إلى الدلالات الديموغرافية، مع الحديث عن سعة أولية لنحو 20 ألف شخص قابلة للتوسع، بما يعني إعادة توزيع السكان قسرياً.
أما الدلالة الأخطر، وفق هديب، فهي السياسية، إذ إن تجاوز السلطة الفلسطينية في هذه المدينة يكرّس واقعاً بلا أفق سياسي، ويمهّد لاحتلال استثماري دولي محمي عسكرياً.
ويؤكد هديب أن الإصرار على إبقاء السيطرة الحالية من قبل حركة حماس في غزة، دون التمهيد لعودة السلطة أو تشكيل حكومة تكنوقراط، يفتح الطريق أمام مسارين أحلاهما مرّ: إدامة الاحتلال دون أفق سياسي، أو الاكتفاء بإغاثة مؤقتة بلا إعمار حقيقي، مؤكداً أن ما يجري ليس إعادة إنتاج "ريفيرا"، بل إعادة هندسة غزة أرضاً وسكاناً ووظيفة.
طرح ليس بالجديد..
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن الحديث المتجدد عن إقامة "مدينة إنسانية" في رفح ليس جديداً، بل يتكرر للمرة الثالثة أو الرابعة بالصيغة ذاتها، ويقوم على وعود بتوفير الماء والغذاء والدواء وتجميع الفلسطينيين في مساحة واحدة، دون أن يكون لذلك أي أساس واقعي أو قانوني.
ويعتبر الصباح أن هذه الطروحات ليست سوى أكاذيب مكررة تُلقى لإبقاء الواقع على حاله، وتبرير الإغراق المتواصل في الجريمة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
تحويل المقتلة إلى "مهلكة شاملة"..
ويوضح الصباح أن أخطر ما في هذه السردية هو تحويل المقتلة الدموية إلى "مهلكة شاملة"، في ظل أبشع مراحل الحرب على غزة، مؤكداً أن كل ما يُطرح حالياً لا قيمة له ولا معنى، بدليل غيابه الكامل عن أي اتفاقيات أو خطط أو قرارات دولية، بما فيها قرارات مجلس الأمن أو خطة ترمب نفسها.
ويشير الصباح إلى أن ما جرى التنصيص عليه سابقاً—من بروتوكول إنساني ووقف للحرب وإطلاق النار وفتح للمعابر—لم يُنفذ منه شيء، متسائلاً عن مصدرها.
ويلفت الصباح إلى أن الحديث عن إقامة مدينة جديدة في رفح يندرج في إطار تضليل منظم، هدفه دفع الفلسطينيين للتفكير في حلول فردية تنتهي بمخرج واحد هو الهجرة ومغادرة الوطن.
ويرى الصباح أن للولايات المتحدة مشروعاً واضحاً لم تتراجع عنه، سواء في غزة أو في ملفات دولية أخرى وهو السيطرة والنفوذ، مستشهداً بمواقفها المعلنة في قضايا متعددة، ومؤكداً أن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بكل مكوناتها، تقود إلى هدف واحد هو تهجير سكان غزة والسيطرة عليها.
ويشدد الصباح على أن الاتفاقات المطروحة حققت غايتها الأساسية باستعادة الأسرى وإخراج الاحتلال من صورة المنبوذ دولياً، وخلق صراعات داخلية في الإقليم، على غرار ما يحدث في اليمن ولبنان وسوريا.
ويشير الصباح إلى أن العالم يراقب تفككاً وصراعات داخلية متفاقمة في عدد من الدول، فيما يستمر الضغط على الفلسطينيين لإفراغ غزة من سكانها وعمرانها، وتحويلها إلى مساحة جاهزة للاستخدام الأميركي.
من الصعب التعامل مع المشروع ببراءة..
ترى الكاتبة نيفين عبد الهادي، وهي مديرة تحرير في صحيفة الدستور الأردنية، أن الحديث المتداول عن بناء مدينة جديدة في رفح تتسع لنحو 20 ألف نسمة ما يزال في إطار الأنباء والفرضيات، إلا أن مجرد طرحه، في ظل الواقع السياسي والإنساني الكارثي الذي تعيشه غزة، يجعل من الصعب التعامل معه ببراءة أو فصله عن السياق العام لما يجري في القطاع.
وتؤكد عبد الهادي أن الظروف الراهنة تفرض قراءة أي مشروع أو رؤية مرتبطة بغزة من زاوية سياسية وإنسانية متداخلة، خاصة حين يتعلق الأمر بمصير سكان القطاع بعد الحرب، معتبرة أن الحديث عن مدينة جديدة في رفح يفتح الباب أمام ربطه بإعادة إنتاج فكرة "ريفييرا غزة"، ليس من حيث التسمية، بل من حيث المضمون والتداعيات المحتملة.
وتوضح عبد الهادي أن الإشكالية لا تكمن في الأسماء بقدر ما تكمن في طبيعة المشروع وأهدافه، مشيرة إلى أن المدينة المقترحة قد تحمل بعداً إيجابياً فقط في حال جاءت كاستجابة طارئة وضرورية للكارثة الإنسانية، وتحت سيادة فلسطينية كاملة، وبإدارة فلسطينية، وضمن إطار مؤقت مرتبط بخطة واضحة لإعادة إعمار غزة، بما يبعدها عن أي مخططات تهجير أو مساس بحقوق السكان.
مخاوف من تحويلها إلى بديل دائم لغزة..
وتؤكد عبد الهادي أن أي مشروع عمراني يُقام اليوم في غزة، وخاصة في رفح، لا يمكن فصله عن السياق السياسي، ولا يمكن التعامل معه كحل إنساني صرف، محذّرة من أن تحوّل المدينة إلى بديل دائم لغزة أو لمدنها الرئيسية، مثل رفح أو خانيونس، ما يعني عملياً الدخول في مسار شرعنة التهجير، حتى وإن جرى ذلك بصيغة "ناعمة".
وترى عبد الهادي أن المشروع، بصيغته المتداولة، يثير قلقاً أكثر مما يبعث على الطمأنينة، لأنه يقف عند تقاطع حساس بين الحاجة الملحة لحل إنساني فوري، وبين الخوف من أن يكون مقدمة لإعادة إحياء أفكار غير محمودة الأثر في الوعي الفلسطيني والعربي، وعلى رأسها فكرة "ريفييرا غزة" التي تحدثت عنها سابقاً إدارة ترمب.
وفي ما يتعلق بمستقبل اتفاق غزة، تعتبر عبد الهادي أن الواقع يبعث على تشاؤم بالغ، في ظل عدم التزام إسرائيل ببنوده، واستمرار الخروقات اليومية، وسقوط مئات الشهداء منذ توقيعه، إضافة إلى استمرار الاغتيالات ومعاناة السكان من الجوع والبرد وصعوبة إدخال المساعدات. وتشير عبد الهادي إلى أن الاتفاق ما يزال عملياً "موقوف التنفيذ" من الجانب الإسرائيلي، مؤكدة ضرورة تكثيف الجهود العربية والدولية للضغط على إسرائيل للالتزام الكامل ببنوده والانتقال الجدي إلى المرحلة الثانية، محذّرة من أن غزة لم تعد تحتمل مزيداً من الدمار والوجع.
مسار طويل من محاولات إعادة ترتيب الواقع..
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن الحديث عن بناء مدينة جديدة في رفح لا يمكن قراءته بوصفه مشروعاً عمرانياً معزولاً أو استجابة إنسانية طارئة، بل يأتي ضمن حلقة جديدة في مسار طويل من المحاولات الرامية إلى إعادة ترتيب الواقع في قطاع غزة بعيداً عن جوهر القضية الفلسطينية.
إعادة إنتاج معدلة لفكرة "ريفيرا غزة"..
ويرى جودة أن المدينة المقترحة في رفح تبدو أقرب إلى إعادة إنتاج معدلة لفكرة "ريفييرا غزة"، ليس من حيث الطابع السياحي أو مظاهر الرفاه، بل من حيث الفلسفة الكامنة خلفها.
ويبيّن جودة أن الجوهر واحد، ويتمثل في تحويل المأساة الإنسانية إلى فرصة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا، وخلق واقع جديد يمكن تسويقه دولياً باعتباره حلاً إنسانياً، بينما هو في جوهره محاولة لإدارة السكان والتحكم بهم، لا تمكينهم أو منحهم حقوقهم.
ويشير جودة إلى أن الفارق الأساسي في الطرح الحالي يكمن في طبيعة الخطاب، الذي بات أقل احتفالية وأكثر أمنية، يركّز على مفاهيم الاستيعاب والتنظيم والسيطرة، بدلاً من الحديث عن الازدهار أو التنمية.
ويعتبر جودة أن هذا التوجه يعكس رغبة في فرض "اليوم التالي" في غزة كأمر واقع يُفرض من الأعلى، لا كنتيجة لتوافق فلسطيني داخلي أو تسوية سياسية شاملة.
ويشير جودة إلى أن الحديث عن مدينة تستوعب نحو 20 ألف نسمة في رفح، وهي منطقة شديدة الحساسية جغرافياً وسياسياً، يحمل دلالات واضحة على محاولة إعادة توزيع الكتلة السكانية داخل القطاع، وخلق مساحات يمكن ضبطها والتحكم بها مستقبلاً.
ويحذّر جودة من أن هذا النوع من المشاريع غالباً ما يمهّد لتطبيع حالة الطوارئ، بحيث يتحول المؤقت إلى دائم، والاستثناء إلى قاعدة.
الإعمار بديلاً عن الحل السياسي..
وعلى صعيد مصير اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، يرى جودة أن خطوة بناء مدينة جديدة في رفح لا تبعث على التفاؤل، لأنها تشير إلى التعامل مع غزة كملف إنساني وأمني، لا كقضية سياسية ذات جذور وحقوق.
ويؤكد جودة أن تقديم الإعمار بديلاً عن الحل السياسي يجعل أي اتفاق هشاً بطبيعته، إذ قد يقبل الناس بالنجاة المؤقتة، لكنهم لن يقبلوا طويلاً بحياة بلا أفق.
ويشدد جودة على أن ما يجري في رفح، إذا صح، لا يمثل بداية حل حقيقي، بل محاولة لإعادة ترتيب الفوضى ضمن حدود قابلة للسيطرة، ما قد يخفف من حدة الكارثة الإنسانية مؤقتاً، لكنه يحمل مخاطر تكريس واقع جديد يُدار فيه الصراع بدلاً من حله.
ويؤكد جودة أن غياب مسار سياسي واضح سيجعل هذه المشاريع مجرد مسكنات سرعان ما تنكشف حدودها عند أول اختبار جدي للاستقرار.
على أنقاض مدينة رفح التاريخية..
يرى الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن الحديث المتصاعد في الآونة الأخيرة عن بناء مدينة جديدة في رفح، تتسع لنحو 20 ألف نسمة كمرحلة أولى، يعكس توجهاً إسرائيلياً يتجاوز البعد الإنساني المعلن، ويدخل في إطار إعادة صياغة الواقع في قطاع غزة ضمن رؤية سياسية وأمنية للمرحلة المقبلة.
ويوضح أبو السباع أن هذه المدينة، التي يُطلق عليها "المدينة الخضراء" أو "رفح الجديدة"، يُخطط لإقامتها على أنقاض مدينة رفح القديمة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 1300 عام قبل الميلاد، بعد أن تحولت إلى دمار شبه كامل.
ويشير أبو السباع إلى أن الجيش الإسرائيلي شرع فعلياً في تهيئة المنطقة لإقامة هذه المدينة، استناداً إلى قرار حكومي إسرائيلي أثار موجة من الاعتراضات داخل إسرائيل نفسها، معتبرين أن الهدف الحقيقي هو الحفاظ على ائتلاف بنيامين نتنياهو الحاكم.
تخوفات إسرائيلية من تكريس الحكم العسكري..
ويبيّن أبو السباع أن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية تبدي بدورها تخوفاً من أن يشكل المشروع مقدمة لتكريس الحكم العسكري المباشر في قطاع غزة، وهو خيار تعارضه دوائر أمنية.
ورغم وجود أصوات ترى في هذه المساكن، في ظل الكارثة الإنسانية، بارقة أمل لتحسين ظروف العيش، إلا أن هذه الرؤية، بحسب أبو السباع، تصطدم بمخاوف جدية من أن تكون الكرفانات والمساكن المؤقتة أداة لحصر السكان في مناطق محددة، والضغط عليهم نفسياً ومعيشياً للتفكير بالهجرة خارج القطاع.
ويؤكد أبو السباع أن الحكومة الإسرائيلية تحاول تسويق المشروع دولياً على أنه دليل على أنها لا تكتفي بملاحقة "الإرهاب"، بل تبني مدناً حديثة قابلة للعيش، في محاولة لتحسين صورتها أمام العالم، في حين أن المشروع لا يأتي ضمن أي اتفاق مع السلطة الفلسطينية، بل في إطار رؤية إسرائيلية لإبقاء السيطرة العسكرية على مساحات واسعة من غزة.
ويلفت أبو السباع إلى أن بعض الأوساط الإسرائيلية ترى في تجميع السكان وسيلة تمنح الجيش حرية أكبر لملاحقة خلايا حماس، غير أن المؤسسة الأمنية تعتبر فصل الناس عن بيوتهم غير مجدٍ بعد سنوات من العمليات العسكرية.
وفي سياق "اليوم التالي للحرب"، يشير أبو السباع إلى وجود حراك دولي، تقوده الولايات المتحدة، للتحضير لإدارة قطاع غزة عبر مجلس سلام دولي، مع تواصل أميركي أوروبي عربي، مقابل استمرار المماطلة الإسرائيلية وربط أي تقدم باستعادة جثة آخر جنودها.
أداة ضغط لإعادة إنتاج اللجوء..
ويلفت أبو السباع إلى أن مشروع "المدينة الخضراء" ليس حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية، بل أداة ضغط لإعادة إنتاج اللجوء من خيمة إلى كرفان، في إطار سعي إسرائيلي لتهجير السكان، وسط مستقبل غامض لغزة وإصرار إسرائيلي على التحكم بمسار المرحلة المقبلة، بما في ذلك ملف معبر رفح الذي يُراد فتحه باتجاه واحد فقط، وهو ما ترفضه مصر.
تطبيع واقع التدمير..
يرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن الحديث الإسرائيلي المتزايد عن إقامة مدينة جديدة في رفح تتسع لنحو 20 ألف نسمة لا يندرج في إطار حل إنساني أو مشروع إعادة إعمار حقيقي لقطاع غزة، بل يأتي ضمن رؤية سياسية وأمنية تهدف إلى تطبيع واقع التدمير، وتجزئة القطاع، وفرض حلول نهائية بالقوة على الفلسطينيين.
ويوضح عنبتاوي أن طرح هذه المدينة يُسوَّق على أنه نموذج لمناطق "آمنة" يمكن إعادة بنائها في حال خروج المقاومة منها أو سيطرة الاحتلال عليها، في محاولة لتقديم صورة دعائية توحي بإمكانية الإعمار تحت الهيمنة الإسرائيلية.
ويؤكد عنبتاوي أن اختيار موقع المدينة في رفح، القريبة من الحدود المصرية، ليس بريئاً، إذ قد يشكل منطقة جذب جزئية لبعض السكان، ويفتح هامش تنقل محدود، بما يخدم مخطط تجميع السكان في نطاق جغرافي محدد ودفعهم نحو التهجير.
بديلاً مفروضاً عن الإعمار الشامل..
ويشير عنبتاوي إلى أن خطورة المشروع تكمن في كونه بديلاً مفروضاً عن إعادة إعمار شاملة لكل قطاع غزة، حيث يُترك جزء كبير من القطاع دون إعمار، مع استمرار الحصار ونقص المواد الأساسية، بما يخلق بيئة طاردة للسكان. ويعتبر عنبتاوي أن هذا التوجه لا يمثل حلاً للصراع ولا إصلاحاً لما دمرته الحرب، بل محاولة لإعادة إنتاج السيطرة الأمنية والسياسية، وقد يكون نواة لما يُروَّج له تحت مسمى "ريفيرا غزة".
ويبيّن عنبتاوي أن المؤشرات تدل على أن هذه المدينة ستقوم على بيوت متنقلة (كرفانات) مؤقتة، تُمنح كحل مرحلي، لكنها تُستخدم كأداة ضغط نفسي ومعيشي، إذ يشعر من يعيش خارجها في الخيام ووسط نقص الخدمات بفارق كبير، ما يدفعه للقبول بالنموذج الإسرائيلي المفروض.
سياسة العبث بالديموغرافيا الفلسطينية..
ويؤكد عنبتاوي أن المشروع يندرج ضمن سياسة العبث بالديموغرافيا الفلسطينية، وتعطيل استحقاقات ما بعد الحرب، في ظل سعي الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، لعرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والإبقاء على القبضة الأمنية والعسكرية على القطاع.
ويلفت عنبتاوي إلى أن الأهداف الحقيقية تتمثل في إحكام السيطرة الأمنية، والضغط لدفع السكان نحو الهجرة، وتفكيك ما تبقى من غزة، بدعم أميركي واضح، مقابل غياب ضغط عربي وإسلامي فاعل.
بناء مدينة في رفح لم ترد في خطة ترمب..
وحول خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب واتفاق وقف إطلاق النار، يوضح عنبتاوي أن بناء مدينة في رفح لم يرد ضمن بنودها، وأن إسرائيل، كعادتها، تتعامل مع الاتفاقات بانتقائية، مستفيدة من الغطاء الأميركي.
ويشير عنبتاوي إلى أن ما يجري هو محاولة لإظهار مسار سياسي شكلي أمام العالم، بينما تستمر على الأرض حرب شاملة تستهدف الشعب الفلسطيني وفق الرؤية الإسرائيلية والمصلحة الأميركية.
المصدر:
القدس