صعّدت إسرائيل، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، من وتيرة هجماتها العسكرية العدوانية على قطاع غزة، ما أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 15 فلسطينياً، بينهم عدد من الأطفال، وفق ما أفادت به مصادر طبية وطواقم الدفاع المدني في القطاع. ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية سياسياً، إذ يتزامن مع تحضيرات أميركية للإعلان عن الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من الترتيبات المتعلقة بغزة، والتي يُتوقع أن يعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، الممتد بين 19 و23 كانون الثاني الجاري.
غير أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن سياقه السياسي الأوسع، ولا عن نمط إسرائيلي متكرر يوظّف القوة العسكرية بوصفها أداة لإدارة اللحظات السياسية الحرجة. فالهجمات الأخيرة، التي استهدفت مناطق سكنية مكتظة في وسط وجنوب القطاع، إلى جانب مواقع تؤوي نازحين، لم تُسفر فقط عن سقوط ضحايا مدنيين، بل عمّقت أيضاً الإحساس بأن إسرائيل تسعى عمداً إلى إعادة فرض منطق الميدان، كلما لاح في الأفق مسار سياسي لا يتماهى بالكامل مع حساباتها الأمنية.
ووفق وزارة الصحة في غزة، فإن غالبية الضحايا من المدنيين، بينهم أطفال ونساء، في وقت واجهت فيه طواقم الإسعاف والدفاع المدني صعوبات كبيرة في الوصول إلى مواقع القصف، بفعل الدمار الواسع ونقص الإمكانيات. هذه الوقائع الميدانية تتناقض بوضوح مع الرواية الإسرائيلية الرسمية التي تكرر الحديث عن "ضرب أهداف دقيقة"، في حين تشير أنماط الاستهداف إلى استخدام مفرط وغير متناسب للقوة، في منطقة تُعد من الأكثر كثافة سكانية في العالم.
وكما في جولات سابقة، سارع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى تبرير عملياته بذريعة "منع تهديدات أمنية وشيكة"، مكرراً اتهاماته للفصائل الفلسطينية باستخدام المدنيين دروعاً بشرية. غير أن هذه الذرائع باتت محل تشكيك واسع من قبل منظمات حقوقية دولية، تؤكد أن إسرائيل تتعامل مع غزة باعتبارها فضاءً عسكرياً مفتوحاً، لا مجال فيه لاعتبارات القانون الدولي الإنساني أو لمبدأ حماية المدنيين، ولا سيما الأطفال.
ألأكثر دلالة في هذا السياق هو توقيت التصعيد نفسه. فالإدارة الأميركية، بحسب تسريبات دبلوماسية، كانت تعتزم استثمار منصة منتدى دافوس للإعلان عن الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من خطتها لغزة، وهي مرحلة يُفترض أن تشمل ترتيبات أمنية وإدارية جديدة، وربما مؤشرات أولية على إعادة الإعمار وإطار حكم انتقالي للقطاع، من دون اشتراط نزع سلاح حركة حماس كمدخل مسبق. وهو ما يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره مساراً محفوفاً بالمخاطر، لأنه يحدّ من قدرتها على التحكم المنفرد بمستقبل القطاع.
من هنا، يرى محللون أن التصعيد العسكري الإسرائيلي يهدف إلى إرباك هذا الإعلان أو تفريغه من مضمونه، عبر إعادة إنتاج مشهد الفوضى الأمنية، وإرسال رسالة مفادها أن الظروف الميدانية لا تسمح بأي انتقال سياسي منظم. كما لا يُستبعد أن يكون الهدف أيضاً ممارسة ضغط غير مباشر على الإدارة الأميركية، لدفعها إلى تبني مقاربة أكثر تشدداً، تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على أولوية القوة العسكرية على أي مسار سياسي.
في المقابل، تبدو الضغوط الدولية والأميركية على إسرائيل محدودة التأثير. فعلى الرغم من تصاعد الدعوات إلى حماية المدنيين ووقف استهداف الأطفال، لم تتجاوز هذه المواقف حتى الآن حدود البيانات والتصريحات. ويعزز هذا الواقع حقيقة أن جيش الاحتلال خرق وقف إطلاق النار في غزة أكثر من 500 مرة منذ بدء سريانه في 10 تشرين الأول 2025، من دون أن يترتب على ذلك أي مساءلة سياسية أو قانونية ذات معنى.
إنسانياً، يفاقم التصعيد الأخير مأساة سكان قطاع غزة، الذين يعيشون منذ سنوات تحت حصار خانق وظروف معيشية قاسية. فالبنية التحتية شبه منهارة، والمستشفيات تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، فيما يعاني مئات الآلاف من نقص حاد في الغذاء والمياه النظيفة والمأوى الآمن. وتحذر وكالات الإغاثة من أن أي تصعيد جديد، مهما بدا “محدوداً”، ستكون له آثار مدمرة على المدنيين، الذين يدفعون دائماً الثمن الأعلى.
وفي المحصلة، يعكس السلوك الإسرائيلي إصراراً على إعادة إنتاج معادلة قديمة ثبت فشلها، تقوم على الاعتقاد بأن القوة العسكرية قادرة على فرض وقائع سياسية دائمة. غير أن التجربة المتكررة في غزة تظهر أن هذا النهج لا يؤدي إلا إلى دورات متعاقبة من العنف، من دون تحقيق أمن مستدام أو استقرار حقيقي، لا للفلسطينيين ولا حتى لإسرائيل نفسها. فإجهاض أي مسار سياسي في مهده، بذريعة "الضرورات الأمنية"، لا يعني سوى تعميق جذور الصراع وإطالة أمده.
وتجد الإدارة الأميركية نفسها مرة أخرى أمام اختبار صعب بين خطابها المعلن عن التهدئة والاستقرار، وممارسات حليفها الإسرائيلي على الأرض. فالعجز عن كبح التصعيد يهدد بتقويض مصداقية أي مبادرة أميركية مقبلة، سواء أُعلن عنها في دافوس أو في غيره، ويُنذر بأن "المرحلة الثانية" الموعودة قد تتحول إلى مجرد غطاء سياسي لإدارة الأزمة، لا إلى خطوة جدية نحو حلّها.
المصدر:
القدس