آخر الأخبار

غرينلاند وترمب.. الأطماع الأمريكية تدوس القانون الدولي لأجل النفوذ والثروات

شارك

محمد هواش: ممارسات ترمب باحتلال غرينلاند وغيرها تعكس استراتيجية نفوذ جديدة وانقلابًا ناعمًا على القانون الدولي..

فراس ياغي: ما قد يضع حدًا لنهج ترمب يتمثل في عوامل داخلية أو ضرب المصالح الأميركية عالمياً أو موقف روسي–صيني أكثر حدة..

داود كُتّاب: استمرار سياسات ترمب دون كوابح قد يقود إلى عالم يحكمه نفوذ القوى الكبرى على حساب الأضعف ما يهدد النظام الدولي..

محمد الرجوب: عجز الناتو عن حماية سيادة دولة عضو فيه من الضغوط الأمريكية يضرب مصداقيته بالصميم ويقوض قدرته في الردع..

نهاد أبو غوش: سياسات ترمب ليست نزوات شخصية وتعكس خيارات الطغمة المالية الأمريكية الحاكمة بدليل ما تحظاه من دعم..

عريب الرنتاوي: سياسات ترمب تكرّس فكرة القوة المفرطة بعد فشل منع التحولات الاقتصادية والسياسية للتعددية القطبية عالمياً..

تثير تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن السيطرة على جزيرة غرينلاند قلقاً متصاعداً في الأوساط السياسية والدبلوماسية، باعتبارها تعبيراً واضحاً عن تحوّل جوهري في السلوك الأميركي، من احترام قواعد القانون الدولي إلى السعي لفرض الوقائع بالقوة أو بالضغط السياسي والاقتصادي، من أجل فرض النفوذ بالقوة، والسيطرة على الثروات.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن تصريحات ترمب بشأن غرينلاند وغيرها، لم تعد تُقرأ كخطاب إعلامي عابر، بل كمؤشر على استراتيجية أوسع تستهدف توسيع النفوذ الأميركي في مناطق الثروات الطبيعية والممرات الجيوسياسية الحساسة.

ويشيرون إلى أن غرينلاند تكتسب أهمية متزايدة في هذا السياق، نظراً لما تختزنه من موارد نفطية ومعدنية محتملة، إضافة إلى موقعها المحوري في القطب الشمالي، حيث أدّى ذوبان الجليد إلى فتح طرق بحرية جديدة تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا وأميركا، ما حوّل الجزيرة إلى نقطة تنافس دولي محتدم، في ظل سباق عالمي على الطاقة والمعادن والممرات التجارية.

وبحسب الكتاب والمحللين، تعكس المقاربة الأميركية تجاه غرينلاند توجهاً أوسع نحو إعادة تعريف مفاهيم السيادة والتحالفات، مع تزايد الاستخفاف بحلف شمال الأطلسي والمؤسسات الدولية، ما ينذر بمرحلة دولية أكثر اضطراباً، تقوم على منطق القوة ومناطق النفوذ، وتهدد استقرار النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية.

ذوبان الجليد وتوسيع النفوذ الأمريكي..

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن احتلال جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك لا يمكن فصلها عن استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع النفوذ الأميركي في مناطق الثروات الطبيعية والممرات الجيوسياسية الجديدة، موضحاً أن غرينلاند باتت تحتل موقعًا بالغ الأهمية في الحسابات الأميركية بسبب ما تختزنه من موارد محتملة من النفط والغاز والمعادن الثمينة، إضافة إلى موقعها المحوري على طرق تجارية استراتيجية آخذة في الصعود.

ويشير هواش إلى أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي أسهم في كشف مساحات واسعة غنية بالموارد الطبيعية كانت مخفية تحت الثلوج، وهو ما جعل أعين الإدارة الأميركية، وعلى رأسها ترمب، تتجه إلى هذه المناطق، في إطار سباق عالمي على الطاقة والمعادن.

ويلفت هواش إلى أن الطرق البحرية الجديدة عبر المحيط المتجمد الشمالي بدأت تكتسب أهمية تجارية متزايدة، كونها تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا والولايات المتحدة مقارنة بالطرق التقليدية، ما يمنح غرينلاند وزنًا استراتيجيًا متعاظمًا.

ويشير هواش إلى أن أحد الدوافع المركزية في مقاربة ترمب يتمثل في السعي لمنع كل من الصين وروسيا من توسيع نفوذهما في مناطق تعتبرها واشنطن ضمن مجالها الحيوي، مستحضرًا مبدأ (مونرو) التاريخي الذي ينص على اعتبار الأميركيتين مناطق نفوذ خالصة للولايات المتحدة.

ضغط مباشر بدل الاستعمار التقليدي..

ويشبّه هواش ما يطرحه ترمب حول غرينلاند بما جرى في فنزويلا، حيث حاولت واشنطن فرض شكل جديد من الوصاية أو "الانتداب الحديث"، يقوم على أدوات ضغط سياسية واقتصادية بدل الاستعمار التقليدي المباشر.

ويؤكد هواش أن ترمب يتعامل باستخفاف واضح مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويعتقد أن بإمكانه فرض إرادته على أوروبا، بما في ذلك طرح فكرة شراء غرينلاند، رغم أن الجزيرة تخضع للسيادة الدنماركية منذ نحو ثلاثة قرون.

ويشير هواش إلى أن الدنمارك أعلنت بشكل صريح رفضها القاطع لأي فكرة بيع، كما أن سكان الجزيرة، الذين لا يتجاوز عددهم عشرات الآلاف، عبّروا بوضوح عن رفضهم التخلي عن أرضهم، في مقابل إصرار ترمب على البحث عن وسائل مختلفة للهيمنة أو وضع اليد على المنطقة.

ويبيّن هواش أن دولًا أوروبية كبرى، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا، أعلنت موقفًا رافضًا لأي تغيير في قواعد القانون الدولي المتعلقة باستقرار أوروبا وشعوبها، ووقفت إلى جانب الدنمارك لمنع أي إجراء أحادي أو عنيف قد يقدم عليه ترامب.

ومع ذلك، يشدد هواش على أن سلوك الرئيس الأميركي يبقى غير قابل للتنبؤ، سواء من حيث الأدوات أو الأشكال التي قد يعتمدها للسيطرة على الموارد والطرق التجارية في غرينلاند.

انقلاب ناعم على منظومة القانون الدولي..

ويحذّر هواش من أن ما يقوم به ترمب في غرينلاند وغيرها يمثل انقلابًا ناعمًا على منظومة القانون الدولي التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية.

ويؤكد هواش أن استمرار هذا النهج قد يفتح العالم على مرحلة شديدة الصعوبة، لا تقتصر تداعياتها على الدول الضعيفة، بل تمتد إلى أوروبا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط.

ويرى هواش أن سياسات ترمب تصطدم بوقائع ميدانية، أبرزها النفوذ الواسع للصين وروسيا، لا سيما في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا. ويوضح هواش أن الصين، عبر أدوات القوة الناعمة والاستثمار في البنية التحتية والطاقة والمعادن، استفادت جزئيًا من العقوبات الأميركية، إذ باتت تشتري الطاقة بأسعار منخفضة جدًا من دول خاضعة للعقوبات مثل إيران وفنزويلا وروسيا، ما يمنحها أفضلية اقتصادية في ظل اقتصاد عالمي يعتمد بشكل متزايد على الطاقة.

ويؤكد هواش أن التناقضات الكامنة في سياسات ترمب تجعل من الصعب الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة، مرجحًا استمرار الصراعات السياسية والاقتصادية وربما مواجهات محدودة، مع استبعاد اندلاع حرب عالمية ثالثة، نظرًا لما تحمله من دمار شامل قد يهدد الوجود البشري بأسره.

ترمب والهيمنة على ثروات العالم..

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته بالسيطرة على غرينلاند، إلى جانب حديثه المبكر عن كندا والمكسيك، يعكس بوضوح طبيعة المشروع السياسي الذي يحمله منذ لحظة وصوله إلى البيت الأبيض، والقائم على فكرة أن "أمريكا لن تعود عظيمة إلا عبر الهيمنة المباشرة على ثروات العالم".

ويوضح ياغي أن ترمب يختزل ثروات العالم بمسألتين مركزيتين: النفط والغاز من جهة، والمعادن النادرة من جهة أخرى، معتبرًا أن ما يسميه "الفضاء الأميركي" يشمل الأميركيتين الشمالية والجنوبية ومنطقة الكاريبي.

وبحسب ياغي، فإنه في هذا السياق، تبرز غرينلاند – رغم تبعيتها للدنمارك – بوصفها امتدادًا جغرافيًا لأميركا الشمالية، فضلًا عما تحتويه من معادن نادرة وموقع استراتيجي يشكّل بوابة إلى القطب المتجمد الشمالي.

قطع الطريق على روسيا والصين..

ويشير ياغي إلى أن القطب الشمالي يشهد توسعًا روسيًا وصينيًا متزايدًا، ما يمنح موسكو وبكين أفضلية استراتيجية واقتصادية على حساب الولايات المتحدة، خصوصًا في مناطق ما زالت بكرًا وغنية بالغاز والمعادن النفيسة. ويعتبر ياغي أن هذه المعطيات تفسّر اندفاع ترمب نحو غرينلاند، في محاولة لتعويض ما تراه واشنطن تراجعًا في نفوذها العالمي.

ويشير ياغي إلى أن ما جرى في فنزويلا لم يكن سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا ونقديًا بالدرجة الأولى، إذ سعت واشنطن إلى استعادة السيطرة على النفط الفنزويلي وإعادة تسعيره بالدولار بدل اليوان والعملات المحلية، حفاظًا على مكانة الدولار كعملة مركزية في التجارة العالمية، في مواجهة الصين أساسًا، ثم روسيا وإيران.

التفوق العسكري وإلغاء السيادة..

ويرى ياغي أن ترمب يعتمد على التفوق العسكري الأميركي لفرض إرادته على الدول الأخرى، في مسعى لإلغاء مفهوم السيادة الوطنية، معتبرًا أن هذه المقاربة تنطبق على فنزويلا والمكسيك والإكوادور وغرينلاند، وقد تمتد لاحقًا إلى إيران، التي وصفها بأنها "المعركة الحاسمة" في أي مواجهة حقيقية مع الصين.

ويؤكد ياغي أن العالم يشهد اليوم مرحلة "بلا قواعد"، مع تآكل النظام الدولي الذي أُرسيت أسسه بعد الحرب العالمية الثانية، وانهيار القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، لصالح "شريعة الغاب"، حيث يفرض الأقوى ما يريد بالقوة.

ويشير ياغي إلى أن ترمب لا يعترف بحلف الناتو ولا بالأمم المتحدة ولا بسيادة الدول، وأنه ينظر إلى شعوب الدول المستهدفة بوصفهم "ضيوفًا" على أراضٍ يرى أن ثرواتها يجب أن تكون للولايات المتحدة.

ويحذر ياغي من أن استمرار هذه السياسات سيقود إلى تصعيد عالمي متواصل خلال عامي 2026 و2027، معتبراً أن ما قد يضع حدًا لنهج ترمب يتمثل في عوامل داخلية أميركية، أو في ضرب المصالح الأميركية عالميًا، أو في موقف روسي–صيني أكثر حدة، لا سيما إذا اتجهت واشنطن نحو استهداف إيران، التي وصفها بأنها العقدة المصيرية في الصراع الدولي المقبل.

ورقة مقايضة لخدمة المصالح الأمريكية..

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن مسألة سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند لا يمكن أن تتحقق في المستقبل القريب، مرجحًا أن تبقى في إطار الطرح السياسي والضغط التفاوضي أكثر من كونها مشروعًا قابلاً للتنفيذ الفعلي.

ويرى كُتّاب أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتعامل مع هذا الملف ضمن مقاربة متعددة المستويات، تقوم على حسابات دقيقة للفائدة والضرر، وربط الملفات ببعضها البعض لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية لصالح واشنطن.

ويشير كُتّاب إلى أن رد الفعل القوي المتوقع من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، باعتبار أن غرينلاند تقع ضمن السيادة الدنماركية وضمن الفضاء القانوني للحلف، سيؤدي إلى تأجيل أي تحرك عملي في هذا الاتجاه، على الأقل في المرحلة الراهنة.

ومع ذلك، يشدد كُتّاب على أن هذا لا يعني إغلاق الملف نهائيًا، إذ قد يسعى ترمب إلى استخدامه كورقة مقايضة أو أداة لاستخلاص تنازلات أو فوائد تخدم المصالح الأميركية.

ويلفت كُتّاب إلى أن السؤال الأهم لا يتعلق بغرينلاند بحد ذاتها، بل بالمسار الذي يتجه إليه العالم المتحضر في ظل سياسات تنتهجها دولة تصف نفسها بأنها "قائدة العالم الحر"، لكنها تتجاهل بشكل متزايد مبادئ احترام القانون الدولي والعمل وفق قواعد تحظى بإجماع دولي.

ويحذّر كُتّاب من أن استمرار سياسات ترمب دون أي ضوابط أو كوابح قد يقود إلى عالم تحكمه مناطق نفوذ للقوى الكبرى، على حساب الدول الأضعف، ما يهدد أسس النظام الدولي القائم على القانون والتعددية.

ساحة اختبار حقيقية للقانون الدولي..

يؤكد الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول رغبته في السيطرة على جزيرة غرينلاند لا يمكن التعامل معها كحدث عابر أو تصريح إعلامي مثير للجدل، بل تمثل مؤشرًا خطيرًا على تحوّل نوعي في السلوك السياسي الأميركي، وانتقال العالم من مرحلة تحكمها القواعد والقانون الدولي إلى مرحلة تُفرض فيها الوقائع بالقوة.

ويوضح الرجوب أن هذا الطرح يعكس انقلابًا داخل الولايات المتحدة نفسها على دورها التقليدي كقائد للنظام الدولي، مشيرًا إلى أن غرينلاند، الواقعة تحت السيادة الدنماركية وضمن الإطار القانوني لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، تحولت إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى صلابة القانون الدولي وجدوى التحالفات الغربية عندما تتعارض مع إرادة القوة.

ويبيّن الرجوب أن طرح فكرة "شراء غرينلاند" عام 2019 مثّل سابقة غريبة في القرن الحادي والعشرين، إلا أن الأخطر اليوم هو انتقال الخطاب الأميركي من منطق السوق والصفقة إلى منطق الأمن القومي والتهديد الضمني باستخدام القوة، معتبرًا أن هذا التحول ليس لغويًا أو شكليًا، بل يعكس تغيرًا عميقًا في العقيدة السياسية الأميركية، حيث يُعاد تعريف السيادة بوصفها امتيازًا تمنحه القوة لا حقًا قانونيًا ثابتًا.

صمت "الناتو" وضعف التحالفات الغربية..

ويشير الرجوب إلى أن السياسة التي يعبّر عنها ترمب لا تنتمي إلى المحافظة التقليدية، بل تمثل نموذجًا متوحشًا من الواقعية السياسية التي لا تعترف بالتحالفات إلا بقدر ما تخدم المصالح الآنية، لافتًا إلى أن الحدث الأخطر لا يكمن في المطالبة الأميركية بغرينلاند بحد ذاتها، بل في صمت أو تردد حلف الناتو في صياغة موقف واضح، ما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الحلف على محاسبة العضو الأقوى داخله.

ويؤكد الرجوب أن عجز الناتو عن حماية سيادة دولة عضو فيه من ضغوط شريكه الأكبر (أميركا) يضرب مصداقيته في الصميم، ويقوض قدرته على إقناع العالم بفاعليته في ردع الخصوم الخارجيين، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس خللًا بنيويًا في منظومة التحالفات الغربية، لا سيما في ظل افتقارها لآليات قانونية وسياسية فعالة لضبط سلوك القوة المهيمنة.

وحول احتمالات التصعيد، يوضح الرجوب أن نشوب صدام عسكري مباشر بين الولايات المتحدة وبقية أعضاء الناتو يبقى احتمالًا منخفضًا للغاية، لكنه غير مستبعد نظريًا، مشيرًا إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تعميق التوترات داخل الحلف، ودفع دول أوروبية إلى إعادة تقييم التزاماتها الأمنية، وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، أو البحث عن شراكات موازية خارج الإطار الأميركي.

منطق التوسع والهيمنة..

ويلفت الرجوب إلى أن القلق الأوروبي لا يقتصر على ملف غرينلاند، بل يمتد إلى أسلوب الإدارة الأميركية في تجاوز الأعراف الدولية وتهميش التشاور مع الحلفاء، معتبرًا أن ذلك يهدد الثقة الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي، رغم التأكيدات الرسمية الأميركية على الالتزام بالحلف.

ويربط الرجوب بين خطاب ترمب بشأن غرينلاند ونهج أوسع قائم على السيطرة على الموارد، مستشهدًا بمحاولات فرض الهيمنة على النفط الفنزويلي، في إطار سياسة أمن قومي تتقاطع مع منطق التوسع والهيمنة.

ويشدد الرجوب على أن العالم لا يعود حرفيًا إلى ثلاثينيات القرن الماضي أو إلى نموذج ألمانيا النازية، لكنه يقترب من لحظة تاريخية مشابهة من حيث تطبيع فكرة استخدام القوة وتآكل المحرمات السياسية، محذرًا من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في شخص ترمب بقدر ما يكمن في شرعنة منطقه، منطق القوة والصفقة واحتكار السيادة، متسائلًا عما إذا كان النظام الدولي يمتلك اليوم ليس فقط أدوات الردع، بل الإرادة الحقيقية لاستخدامها.

نظام جديد يرتكز على "قانون القوة"..

يرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض دشّنت مرحلة غير مسبوقة في العلاقات الدولية، تقوم على الانتقال من نظام دولي تحكمه قواعد القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات وتوازن المصالح، إلى نظام جديد يرتكز على "قانون القوة" وهيمنة الأقوى، بما يحمله ذلك من تفكك للقواعد وتراجع للمنطق والعقلانية السياسية.

ويوضح أبو غوش أن هذا التحول يعكس منطق "شريعة الغاب"، حيث يفرض القوي إرادته على الضعيف، والغني على الفقير، والغرب الاستعماري الأبيض على بقية العالم، مشيراً إلى أن أولى ملامح هذا النهج تجلت في الدعم الصريح الذي قدمه ترمب لحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى دعوته العلنية لتهجير الفلسطينيين من وطنهم، والتعامل مع غزة باعتبارها عقاراً قابلاً للاستيلاء والاستثمار.

ويوضح أبو غوش أن سياسات ترمب شملت فرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام، وتهديد قضاة محكمة العدل الدولية، إلى جانب استهداف مسؤولين أمميين، من بينهم المقررة الخاصة فرانشيسكا ألبانيزي، بسبب مواقفهم الرافضة لجرائم الحرب ودفاعهم عن حق الشعب الفلسطيني في الحياة والكرامة والحرية.

ويعتبر أبو غوش أن هذه الإجراءات تمثل اعتداءً مباشراً على منظومة العدالة الدولية ومحاولة لترهيب المؤسسات الأممية.

ويشير أبو غوش إلى أن إدارة ترمب أطلقت كذلك حرباً اقتصادية عالمية عبر فرض رسوم جمركية واسعة، في خرق واضح لاتفاقيات التجارة الدولية التي كانت واشنطن لاعباً رئيسياً في صياغتها، إلى جانب إعلان نيات عدوانية تجاه دول عدة مثل بنما وكندا والمكسيك وفنزويلا وجنوب أفريقيا والدنمارك ونيجيريا وأفغانستان.

ويلفت أبو غوش إلى أن أخطر هذه الخطوات تمثل في "القرصنة السياسية" المتمثلة بالهجوم على فنزويلا واختطاف رئيسها، في سابقة تنسف القواعد القانونية والدبلوماسية، وترافقها تهديدات لدول أخرى ككولومبيا وكوبا.

ليست نزوات شخصية لترمب..

ويؤكد أبو غوش أن سياسات ترمب لا يمكن اختزالها في نزوات شخصية، بل تعكس خيارات الطغمة المالية الحاكمة في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها شركات النفط والسلاح والتكنولوجيا، بدليل الدعم الذي تحظى به هذه السياسات من الكونغرس ووسائل الإعلام المهيمنة وأوساط نافذة في الحزب الجمهوري وحركة "ماغا".

ويرى أبو غوش أن هذه النزعة العدوانية هي تعبير عن أزمة بنيوية يعيشها النظام الدولي، مع تراجع النظام الأحادي القطبية وصعود الصين، وبروز تكتلات كبرى مثل "بريكس"، وصعود الهند كقوة آسيوية وازنة، ما جعل قواعد ما بعد الحرب العالمية الثانية غير كافية لاستمرار الهيمنة الأميركية.

غرينلاند.. وصاية دنماركية وسيطرة أمريكية..

ويحذّر أبو غوش من جدية تهديدات ترمب بالسيطرة على غرينلاند، سواء عبر الشراء أو الاتفاق أو الخيار العسكري، معتبراً أن الدنمارك، كدولة صغيرة ومسالمة، قد لا تكون قادرة على مواجهة هذا الخطر، في ظل ميول يمينية داخل بعض دول "الناتو" تؤيد سياسات ترامب.

ويرجّح أبو غوش أن تنتهي الأزمة بتسوية تُبقي غرينلاند تحت الوصاية الدنماركية شكلياً، مقابل سيطرة أميركية عسكرية واستراتيجية تمهّد للهيمنة على الموارد.

ويؤكد أبو غوش أن استراتيجية ترامب تقوم على استفراد الخصوم واحداً تلو الآخر، مستفيداً من ضعف الردود الدولية وتناقض المصالح بين القوى الكبرى، إلا أن اتساع دائرة المتضررين، وتراجع شعبية هذه السياسات داخل الولايات المتحدة، قد يفتح الباب أمام أشكال مقاومة دولية وشعبية لهذا "العهد الجديد" من الهيمنة والاستعمار.

تقويض ما تبقى من دور وهيبة "الناتو"..

يعتبر مدير مركز القدس للدراسات السياسية، عريب الرنتاوي، أن مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لاحتلال غرينلاند، إلى جانب تهديداته لكندا والمكسيك، تعكس رغبة مريضة في السيطرة والتوسع، وقد تقوّض إلى حد كبير ما تبقى من دور وهيبة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ويؤكد الرنتاوي أن هذه التحركات لا يمكن تبريرها بقضايا الإرهاب أو المخدرات أو العلاقات الدولية، مشيراً إلى أن الدنمارك عضو فاعل في الناتو وديمقراطيتها متقدمة، ومنظومتها الحقوقية أعلى من نظيرتها الأمريكية، ما يجعل دوافع ترمب قائمة على الجشع والرغبة في الهيمنة فقط.

ويشير الرنتاوي إلى أن التهديدات الأمريكية أثارت شعوراً بانعدام الثقة والخيبة بين حلفاء واشنطن، بما في ذلك داخل الاتحاد الأوروبي، لكن الرنتاوي يشدد على أن هذه الأزمات لن تصل إلى حد المواجهة المباشرة، مشيراً إلى أن أوروبا تعتمد على المظلة الأمريكية لمواجهة ما تعتبره تهديداً روسياً، وهو ما يفسر عدم تحركها لإرسال أي قوات رمزية إلى غرينلاند.

ويؤكد الرنتاوي أن سياسات ترمب تكرّس فكرة القوة المفرطة والهراوة العسكرية كأداة أساسية في السياسة الدولية، بعد أن فشلت الولايات المتحدة في منع التحولات الاقتصادية والسياسية نحو تعددية القطبية عالمياً، وأغلق ترمب قنوات نشر النموذج الأمريكي وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ما ترك القوة الأمريكية عارية وتركزت على التوحش العسكري والإمبريالي.

التوحش الأمريكي وإمكانية كبحه..

ويلفت الرنتاوي إلى أن هذا التوحش الأمريكي سينعكس على الشرق الأوسط، مؤكداً أن إدارة ترمب قد تطلق العنان لتحركاتها في إيران ولبنان وربما غزة، بما يتوازى مع توحش إسرائيل الإقليمي، في ظل عجز واشنطن عن وضع قيود على سياسات تل أبيب، مشيراً إلى أن كل الجرائم الإسرائيلية السابقة تنسخ التجربة الأمريكية في مناطق أخرى حول العالم.

ويوضح الرنتاوي أن السبيل الوحيد لمواجهة هذا التوحش يتمثل في جعل المغامرات الأمريكية والإسرائيلية مكلفة، مشيراً إلى أن التجربة الفنزويلية، واختطاف الرئيس مادورو كان المقابل ثمناً بسيطاً، وشجعت واشنطن على مواصلة سياسة الهيمنة.

ويؤكد الرنتاوي أن أي دفع لكلفة حقيقية لأرواح الجنود أو خسائر المعدات الأمريكية أو الإسرائيلية سيكون رادعاً مهماً للغطرسة الأمريكية والإسرائيلية، محذراً من استمرار الهيمنة إذا لم يُفرض ردع ملموس.

ويشير الرنتاوي إلى أن الرصد المستمر للسياسات الأمريكية والإسرائيلية ضروري، وأنه رغم هذه التحديات الخطيرة، لا يزال هناك أمل في وضع حد للتوحش العالمي عبر استراتيجية الردع، كما أن التطورات كفيلة لمعرفة كيف ستترجم هذه السياسات في مناطق الصراع المختلفة، خصوصاً في الشرق الأوسط، حيث ستتجلى آثار القوة المفرطة والإرهاب المؤسسي لأمريكا وإسرائيل في الأقاليم الحيوية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا