د. أسامة عبد الله: نتنياهو يتعامل مع رفح كجزء من ساحة المعركة وورقة ضغط يمكن استخدامها لتبرير الخروقات والعودة للتصعيد..
خليل شاهين: نتنياهو يوظف ملف معبر رفح وجثة الأسير ضمن حساباته الانتخابية بما يسمح له بإدارة الوقت وكسب دعم اليمين..
فايز عباس: نتنياهو لا يرغب فعلياً بالانتقال للمرحلة الثانية لذلك يلجأ إلى ذرائع كاذبة لعرقلة المفاوضات ومنع الوصول لحل نهائي..
محمد أبو علان دراغمة: التراجع عن فتح المعبر يعكس بجوهره ضوءًا أخضر أمريكيًا لسياسات نتنياهو وعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية..
ياسر مناع: نتنياهو يحاول توظيف ملف المعبر لإظهار أن القرار إسرائيلي خالص في مسعى لنفي فكرة الخضوع للإملاءات الأمريكية..
تشير مواقف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حول تصريحاته بشأن تعليق العمل في معبر رفح رغم الحديث عن فتحه بعد لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى سيطرة على بوابة إنسانية للفلسطنينيين، ووضع المعبر في قلب الحسابات السياسية والأمنية المرتبطة بإدارة الحرب على غزة والمسار التفاوضي، علاوة على استخدامه ورقة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
ويشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن هذا النهج يخدم أهداف نتنياهو السياسية، سواء في إدارة أزمات ائتلافه اليميني، أو في مخاطبة قاعدته الانتخابية، أو في كسب الوقت في ظل أزماته القضائية وتراجع شعبيته، ليتحول معبر رفح من شريان حياة لمليوني فلسطيني إلى ورقة سياسية مركزية في معركة البقاء السياسي لنتنياهو.
تحويل ملف إنساني لأداة ضغط
يوضح الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الأخيرة، التي ربط فيها فتح معبر رفح بتسلّم آخر جثة لأسير إسرائيلي، لا يمكن قراءتها بوصفها تصريحات تقنية أو إجرائية مرتبطة فقط بتفاصيل صفقة التبادل، بل يجب فهمها ضمن سياق أوسع يتعلق بطريقة إدارة نتنياهو للعدوان على غزة والملف التفاوضي في آن واحد.
ويشير عبد الله إلى أن نتنياهو يحاول بشكل واضح تحويل ملف إنساني بحت، يتمثل في فتح معبر رفح، إلى أداة ضغط سياسية وأمنية، تعكس الذهنية التفاوضية لحكومة الاحتلال القائمة على الابتزاز والمماطلة لا على الالتزام المتوازن ببنود التفاهمات.
ويؤكد عبد الله أن هذا النهج ليس جديداً على السلوك الإسرائيلي في المفاوضات، حيث يسعى نتنياهو إلى نقل الصفقة من إطار التبادل المتكافئ إلى عملية استنزاف نهائية لأوراق المقاومة الفلسطينية، بحيث لا يتم فتح المعبر إلا بعد انتزاع كل ما لدى الطرف الآخر، سواء كان أحياءً أو جثثاً.
إدارة الأزمة دون حلها
ويرى عبد الله أن تصريحات نتنياهو محاولة لإعادة التحكم بمرحلة ما بعد الصفقة، في إطار استراتيجية لإدارة الأزمة لا حلّها، ما يجعل التهدئة القائمة تهدئة هشّة قابلة للانفجار في أي لحظة.
ويشير عبد الله إلى أن تقارير صحفية دولية وإسرائيلية عكست توجهاً إسرائيلياً واضحاً لإبقاء المرحلة الأخيرة من الصفقة مفتوحة من دون سقف زمني محدد، بما يسمح لتل أبيب بممارسة ضغط متواصل على الوسطاء، خصوصاً مصر وقطر، وتحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية أي تأخير أو تعثر في المسار التفاوضي.
ويؤكد عبد الله أن ربط فتح معبر رفح بملف الجثث يمنح إسرائيل غطاءً سياسياً لمواصلة التحكم بالمعبر، أو فرض شكل من أشكال الإشراف الأمني غير المباشر عليه، بذريعة منع التهريب أو استكمال الشروط الأمنية.
ويعتبر عبد الله أن هذا السلوك يؤكد أن نتنياهو لا يتعامل مع رفح كمعبر حدودي أو إنساني، بل كجزء من ساحة المعركة وورقة ضغط يمكن استخدامها لاحقاً لتبرير خروقات التهدئة أو العودة إلى التصعيد.
ويؤكد عبد الله أن هذه التصريحات تخدم نتنياهو سياسياً، إذ يوجهها إلى قاعدته اليمينية المتطرفة داخل الحكومة، كما يسعى من خلالها إلى احتواء غضب عائلات الأسرى، وإظهار نفسه بمظهر رئيس الحكومة الصلب الذي لا يغلق الملف قبل استعادة كل شيء، فضلاً عن كسب الوقت في ظل أزماته القضائية وتراجع شعبيته.
ويرجّح عبد الله استكمال ملف الجثث في نهاية المطاف تحت ضغط دولي وإقليمي، يعقبه فتح جزئي ومقيّد لمعبر رفح مع بقاء اليد الإسرائيلية حاضرة عبر الرقابة أو الشروط الأمنية.
ويحذّر عبد الله من بقاء سيناريو التعطيل قائماً، في حال استثمر نتنياهو أي تعقيدات ميدانية لإبقاء المعبر مغلقاً ورفع مستوى الخطاب التصعيدي، مع الإبقاء على خيار التصعيد العسكري المحدود.
تفكيك خطة ترمب
يرى الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن المرحلة الحالية التي أعقبت لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو تتسم بعملية تفكيك وإعادة تركيب شاملة لخطة ترمب، بحيث يجري التعامل مع كل بند من بنودها، سواء ما يتعلق بالمرحلة الأولى أو ما تبقى منها أو بالمرحلة الثانية، وفق الأجندة السياسية والزمنية لنتنياهو، وليس وفق الإطار الأصلي للخطة.
ويوضح شاهين أن نتنياهو نجح إلى حد بعيد في تحويل الخطة من مسار متكامل إلى خطوات مجزأة، تخضع كل واحدة منها لشروط إسرائيلية محددة، مشيراً إلى أن هذا النهج يرتبط بشكل مباشر بدخول إسرائيل فعلياً في مرحلة التحضير للانتخابات، في ظل حديث متزايد داخل الأوساط الإسرائيلية عن احتمال التوجه إلى انتخابات مبكرة قد تُعقد في نهاية أيار أو بداية حزيران المقبلين.
خطوات نتنياهو المحسوبة انتخابياً..
ووفق شاهين، فإن أي خطوة يقدم عليها نتنياهو في هذه المرحلة ستكون محسوبة بدقة بمدى خدمتها لحملته الانتخابية وضمان بقائه السياسي.
ويبيّن شاهين أن هذا الواقع يفرض قيوداً كبيرة على قدرة نتنياهو على تنفيذ خطوات جوهرية من خطة ترمب، خاصة تلك المتعلقة بالانسحابات أو إعادة انتشار قوات الاحتلال في قطاع غزة، أو إدخال قوى دولية إلى القطاع، أو تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارته. ويرجع شاهين ذلك إلى هشاشة الائتلاف الحاكم، الذي لا يسمح لنتنياهو باتخاذ قرارات قد تفجره قبل الانتخابات، في ظل الضغوط المتناقضة التي يواجهها من شركائه في اليمين المتطرف، وعلى رأسهم حزبا "الصهيونية الدينية" بزعامة بتسلئيل سموتريتش و"قوة يهودية" بزعامة إيتمار بن غفير، إضافة إلى أزمته المتفاقمة مع الأحزاب الدينية على خلفية قانون تجنيد "الحريديم".
ويؤكد شاهين أن هذا المشهد السياسي الداخلي ينعكس عملياً في حالة من الشلل فيما يتعلق بقطاع غزة، مقابل حرص نتنياهو على الإبقاء على أجواء الحرب مفتوحة على مختلف الجبهات.
مقايضات نتنياهو مع إدارة ترمب..
ويشير شاهين إلى الخطاب المتكرر لنتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زمير، والذي يؤكد أن إسرائيل لا تزال تخوض حرباً على أربع جبهات، بالتوازي مع مراقبة إسرائيلية وأميركية للتطورات الداخلية في إيران، واحتمالات التصعيد العسكري ضدها، فضلاً عن استمرار التوتر في لبنان.
ويلفت شاهين إلى أن نتنياهو نجح في عقد "مقايضات" مع إدارة ترمب، تسمح باستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان مقابل تهدئة في الساحة السورية، وتلبية رغبة ترمب في التوصل إلى تفاهمات مع الحكومة السورية، وهو ما تجلى في اللقاءات التي عُقدت في باريس والبيانات الصادرة عنها.
إبطاء الانتقال للمرحلة الثانية..
أما فيما يتعلق بقطاع غزة، يشدد شاهين على أن نتنياهو يتعامل مع خطة ترمب بسياسة
"خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء"، حيث نجح في إبطاء الانتقال إلى المرحلة الثانية، بل وتحويل كل قضية إلى ملف مشروط بمطالب إسرائيلية.
ويعتبر شاهين أن معبر رفح يمثل المثال الأوضح على هذه السياسة، إذ يعلن نتنياهو من حيث المبدأ موافقته على فتح المعبر، لكنه يربط ذلك بسلسلة من الشروط التي تمس آلية عمله، ودور البعثة الأوروبية، وطبيعة مشاركة الكوادر الفلسطينية، سواء المهنية أو الأمنية، إضافة إلى الإصرار على دور إسرائيلي مباشر أو غير مباشر في التحكم بحركة الأفراد دخولاً وخروجاً من قطاع غزة.
ويوضح شاهين أن نتنياهو يوظف ملف معبر رفح وجثة الأسير الإسرائيلي المتبقية ضمن حساباته الانتخابية، عبر ربط فتح المعبر بشروط سياسية وأمنية، واستخدام قضية الجثة كورقة ابتزاز، بما يسمح له بإدارة الوقت وكسب دعم اليمين، مع إبقاء غزة تحت الضغط حتى موعد الانتخابات.
ويوضح شاهين أن ما يجري فعلياً هو إبقاء الحراك السياسي ضمن إطار المرحلة الأولى، رغم محاولة الإدارة الأميركية الإيحاء بأن فتح معبر رفح يمثل بداية الانتقال إلى المرحلة الثانية.
ويؤكد شاهين أن فتح المعبر، إن تم، سيكون وفق تفاهمات تراعي المطالب الأمنية الإسرائيلية، مع فرض قيود مشددة على حركة الأفراد والمساعدات، واستمرار آليات الرقابة الإسرائيلية.
ويشير شاهين إلى أن بقية الملفات، مثل تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية، أو مجلس السلام، أو قوة الاستقرار الدولية، لا تزال تدور في إطار المشاورات دون ترجمة عملية، في محاولة واضحة لاستهلاك الوقت بما يخدم الجدول الزمني لنتنياهو، ويُبقي أجواء الحرب والحصار قائمة في قطاع غزة.
ويلفت شاهين إلى أن هذا النهج سيؤدي إلى إطالة أمد المعاناة في القطاع، مع استمرار إسرائيل في فرض اشتراطاتها على المساعدات الإنسانية ومعبر رفح، إلى حين اتضاح المشهد السياسي الإسرائيلي بعد الانتخابات.
سياسة المراوغة بفتح المعبر..
يرى الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يواصل سياسة المراوغة في ملف فتح معبر رفح، في سياق سعيه لتجنب الانتقال إلى المرحلة الثانية من صفقة التبادل وإنهاء الحرب على قطاع غزة.
ويوضح عباس أن نتنياهو أعلن، قبل زيارته إلى الولايات المتحدة، أنه يدرس إمكانية فتح المعبر، إلا أن تهديد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ومعارضته الشديدة لفتح المعبر بالاتجاهين، شكّلا عامل ضغط داخلي دفع نتنياهو إلى التراجع عن موقفه.
ويبيّن عباس أن نتنياهو عاد من واشنطن بموقف أكثر تشدداً، رغم مطالبة الإدارة الأمريكية بفتح معبر رفح، مشيراً إلى أنه استغل قضية بقاء جثة جندي إسرائيلي في غزة كورقة سياسية.
ويلفت عباس إلى أن نتنياهو اصطحب عائلة الجندي إلى الولايات المتحدة، حيث التقوا بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ويبدو أنهم، بدعم مباشر من نتنياهو، نجحوا في إقناعه بعدم الضغط لفتح المعبر قبل استعادة الجثة.
نتنياهو والذرائع الكاذبة..
ويشير عباس إلى أن نتنياهو لا يرغب فعلياً في الانتقال إلى المرحلة الثانية من الصفقة، لذلك يلجأ إلى ذرائع كاذبة لعرقلة المفاوضات ومنع الوصول إلى حل نهائي للحرب.
ويرى عباس أن السيناريو الأرجح للمرحلة المقبلة يتمثل في مواصلة الحرب على غزة تحت ذريعة "نزع سلاح حماس"، رغم إدراك إسرائيل أن ما تبقى من سلاح الحركة لا يشكل تهديداً استراتيجياً حقيقياً لها.
ويلفت عباس إلى سيناريو آخر مرتبط بإمكانية تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بدفع من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي تجمعه علاقة وثيقة بترمب، للضغط على إسرائيل وإجبارها على الذهاب إلى المرحلة الثانية من الصفقة.
تحويل الحقوق الإنسانية أدوات ابتزاز..
يرى أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو التي تربط فتح معبر رفح بتسليم آخر جثة لأسير إسرائيلي تعكس بشكل مكثف جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، القائمة على تحويل الحقوق الإنسانية الأساسية إلى أدوات ابتزاز سياسي.
ويوضح بشكار أن الجانب الأول من هذه السياسة يتمثل في استخدام معاناة المدنيين الفلسطينيين كورقة ضغط، من خلال التعامل مع معبر رفح بوصفه "امتيازاً" تمنحه إسرائيل أو تمنعه وفق حساباتها، متجاهلة أن المعبر يشكّل شريان حياة لأكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، خصوصاً المرضى والجرحى والنازحين.
ويؤكد بشكار أن ربط فتح المعبر بأي شرط سياسي أو أمني يُعد شكلاً واضحاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني.
عقلية استعمارية إقصائية..
ويشير بشكار إلى أن الجانب الثاني من خطاب نتنياهو يعكس عقلية استعمارية إقصائية تتجاهل بشكل كامل مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، حيث يتم التعامل مع سكان غزة ككتلة بشرية يمكن خنقها جماعياً لتحقيق أهداف تفاوضية.
ويشدد بشكار على أن ربط فتح معبر إنساني بتسليم جثة يعبّر عملياً عن استخفاف بحياة الفلسطينيين جميعاً، ويؤكد أن القانون الدولي لا وزن له أمام منطق القوة الذي تتبناه الحكومة الإسرائيلية.
ويرى بشكار أن هذه التصريحات تندرج ضمن سياسة "إدارة الأزمة لا حلها"، في ظل أزمات داخلية متفاقمة تعصف بحكومة نتنياهو، سواء على المستوى السياسي أو القضائي.
ويؤكد بشكار أن الحكومة الإسرائيلية لا تسعى إلى إنهاء الحرب أو فتح أفق سياسي لمستقبل غزة، بل تعمل على إبقاء الوضع معلقاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة، للتهرب من استحقاقات "اليوم التالي" سياسياً وأمنياً.
ويعتقد بشكار أن نتنياهو يبعث برسائل واضحة للوسطاء، خصوصاً مصر وقطر، مفادها بأن مسألة "تنفس الفلسطينيين" ليست خاضعة للقانون الدولي أو لإرادة المجتمع الدولي، بل لقرار إسرائيلي أحادي، ما يؤكد استمرار إسرائيل في وضع نفسها فوق أي التزامات قانونية أو اتفاقيات.
فتح المعابر مقابل أثمان سياسية..
ويحذّر بشكار من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى ترسيخ معادلة خطيرة تقوم على فتح المعابر مقابل أثمان سياسية، بما يهدد بتحويل الوضع المؤقت في غزة إلى حالة دائمة من الابتزاز، ويعرقل أي مسار حقيقي لوقف الحرب أو إعادة الإعمار.
ويرجّح بشكار أن تسعى إسرائيل إلى إطالة أمد التفاوض حول ملف الجثث، بالتوازي مع العمل على إفشال أي خطوات جدية لإعادة بناء القطاع، بهدف الإبقاء على مساحات واسعة من غزة تحت سيطرتها المباشرة والتحكم بمفاصل الحياة فيها.
ضوء أخضر أمريكي..
يوضح الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن ما تردد في وسائل إعلام إسرائيلية حول تراجع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن فتح معبر رفح بالاتجاهين بعد عودته من واشنطن، يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز الذرائع المعلنة، ويعكس في جوهره ضوءًا أخضر أمريكيًا لسياسات نتنياهو في قطاع غزة، بما في ذلك تعطيل فتح المعبر وعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب.
ويشير دراغمة إلى أن الادعاء الإسرائيلي بأن سبب التراجع يعود إلى عدم استعادة جثة الأسير الإسرائيلي الأخير في غزة، رون غويلي، لا يعدو كونه "حجة واهية"، معتبرًا أن الهدف الحقيقي لنتنياهو هو عرقلة المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والتي تتضمن انسحابات إضافية من قطاع غزة، وكان من المفترض أن تنتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، وهو ما يرفضه نتنياهو بشكل قاطع.
ويبيّن دراغمة أن هذا الموقف ينسجم مع ما أعلنه نتنياهو سابقًا بشأن نية الاحتلال فرض سيطرة أمنية طويلة الأمد على قطاع غزة، والإبقاء على مناطق عازلة على امتداد الحدود مع ما يسمى "غلاف غزة" والمستوطنات الإسرائيلية، في إعادة إنتاج واضحة لسياسات ما قبل اتفاقيات أوسلو عام 1993، حين جرى توقيع الاتفاق دون تنفيذ جوهري لبنوده، قبل أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقًا.
العودة إلى واقع ما قبل أوسلو..
ويشير دراغمة إلى أن نتنياهو يسعى اليوم، حتى في قطاع غزة، إلى العودة إلى واقع ما قبل أوسلو، أي احتلال مباشر للقطاع، لافتًا إلى وجود أصوات إسرائيلية تدعو صراحة إلى إعادة الاستيطان فيه، وهو ما يفسر إصراره على تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية بذريعة ملف الأسرى.
ويشير دراغمة إلى فشل الإدارة الأمريكية، حتى الآن، في تشكيل "قوة الاستقرار الدولية" التي كان من المفترض أن تكون جاهزة مطلع عام 2026، وفق تصريحات سابقة لإدارة ترمب، لافتاً إلى تقارير تحدثت عن تراجع دول، من بينها أذربيجان، عن المشاركة في هذه القوة، ما يعكس تعثرًا واضحًا في تنفيذ الخطة على الأرض، سواء فيما يتعلق بالقوة الدولية أو بتشكيل سلطة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة.
ويرجّح دراغمة أن يستمر الوضع القائم، مع بقاء أجزاء واسعة من قطاع غزة تحت سيطرة الاحتلال، مقابل أجزاء أخرى تحت سيطرة حركة حماس، وفق التوصيف الإسرائيلي والأمريكي، في حال عدم حدوث أي اختراق سياسي.
إمكانية عودة التصعيد..
ولم يستبعد دراغمة سيناريو أكثر خطورة يتمثل في عودة العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل كامل أو جزئي، في ظل فشل تشكيل قوة الاستقرار الدولية، ومنح نتنياهو ضوءًا أخضر جديدًا للتصعيد، بذريعة أن جيش الاحتلال هو الجهة الوحيدة القادرة على "نزع سلاح حماس".
ويشير دراغمة إلى أن هذا التصعيد قد يأخذ شكل عمليات عسكرية متكررة شبيهة بما يجري في جنوب لبنان، تحت ذريعة منع إعادة بناء قدرات المقاومة في غزة، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة قد تتأرجح بين تكريس واقع الاحتلال طويل الأمد أو الانزلاق مجددًا نحو تصعيد عسكري واسع.
نتنياهو يناور سياسياً بمعبر رفح..
يرى الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن ملف معبر رفح بات أحد أبرز أدوات المناورة السياسية التي يستخدمها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في المرحلة الحالية، لا سيما في ظل ارتباط المعبر بملامح الدخول في ما يُعرف بالمرحلة الثانية من الترتيبات السياسية والأمنية المرتبطة بقطاع غزة.
ووفق مناع، فإن النقاش الدائر داخل إسرائيل حول معبر رفح يتجاوز البعد الإنساني، ليطال جوهر مسألة "من صاحب القرار الحقيقي" داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، وهل هو نتنياهو نفسه أم الولايات المتحدة الأمريكية.
ويشير مناع إلى أن الموقف الأمريكي يميل بوضوح نحو فتح معبر رفح، إلا أن نتنياهو يحاول توظيف هذا الملف لإظهار أن القرار إسرائيلي خالص، في مسعى لنفي فكرة خضوع إسرائيل للإملاءات الأمريكية، أو تلقيها أوامر مباشرة من واشنطن، وبهذا المعنى، تصبح المناورة حول توقيت وآلية فتح المعبر جزءاً من صراع سياسي داخلي وخارجي، يسعى من خلاله نتنياهو إلى تثبيت صورته كصاحب قرار مستقل.
خدمة فكرة التهجير..
وفي جانب آخر، لا يستبعد مناع أن يتم فتح معبر رفح فعلياً، مع تسهيل خروج أعداد كبيرة من سكان قطاع غزة، محذراً من أن هذا المسار قد يخدم، ولو جزئياً، فكرة تهجير السكان تحت غطاء إنساني.
ويؤكد مناع أن إسرائيل تتعامل مع المعبر كورقة ضغط دائمة على الفلسطينيين، إذ يمكن فتحه أو إغلاقه وفقاً لحساباتها السياسية والأمنية.
ويشير مناع إلى أن مسألة فتح معبر رفح لم تعد خياراً إسرائيلياً صرفاً، بل جاءت نتيجة إلزام وضغوط أمريكية واضحة، شملت أيضاً الترتيبات المرتبطة بعمل المعبر، ما يعكس استمرار الدور الأمريكي المؤثر في إدارة هذا الملف الحساس.
المصدر:
القدس