تتجه الأنظار إلى منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، المقرر عقده بين 19 و23 كانون الثاني الجاري ، في ظل تقارير متقاطعة تفيد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعتزم استغلال هذا المحفل الدولي للإعلان عن تفاصيل ما يُعرف بـ"المرحلة الثانية" من الخطة الأميركية الخاصة بقطاع غزة. ووفق هذه التقارير، فإن الخطة لا تقتصر على ترتيبات إنسانية أو أمنية مؤقتة، بل تتضمن تصورًا شاملًا لإعادة تشكيل البنية السياسية والأمنية والإدارية للقطاع، بإشراف دولي مباشر وبدور أميركي مركزي.
بحسب مصادر سياسية وإعلامية، تشمل الخطة الإعلان عن تشكيل "مجلس سلام" دولي يتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة، ويضم شخصيات دولية رفيعة المستوى، تكون مهمته إدارة المسار السياسي والأمني العام بعد الحرب. ويُفترض أن يعمل هذا المجلس كمرجعية عليا فوق المؤسسات المحلية، بما في ذلك الإشراف على إعادة الإعمار، وضبط المشهد الأمني، وتنسيق عمل الأطراف الدولية المشاركة في المرحلة المقبلة.
أحد العناصر الأساسية في هذه الخطة هو إنشاء ما يسمى "قوة الاستقرار الدولية" (International Stabilization Force – ISF)، وهي قوة متعددة الجنسيات تُكلّف بالانتشار داخل قطاع غزة، بهدف حفظ الأمن، وحماية المدنيين، وضمان تنفيذ الترتيبات الانتقالية، بما في ذلك مراقبة نزع السلاح ومنع عودة المواجهات المسلحة. ورغم أن الطرح الرسمي يشير إلى طابع دولي للقوة، إلا أن الولايات المتحدة يُنظر إليها كالمهندس السياسي والعسكري الأساسي لهذه الآلية، سواء من حيث التفويض أو القيادة غير المباشرة.
إلى جانب البعد الأمني، تتضمن الخطة تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية مؤقتة، تتألف من شخصيات غير حزبية، تُكلّف بإدارة الشؤون المدنية اليومية في غزة، مثل الخدمات، والصحة، والتعليم، وإعادة الإعمار. هذه الحكومة، وفق التصور الأميركي، ستعمل تحت إشراف مجلس السلام الدولي، ما يعني عمليًا تقليص الدور السياسي للفصائل الفلسطينية، وإعادة تعريف مفهوم "الحكم الذاتي" في القطاع ضمن إطار انتقالي خاضع للرقابة الدولية.
أما مسألة الوجود العسكري الأميركي، فتظل من أكثر النقاط إثارة للجدل. فبينما تؤكد بعض التسريبات أن واشنطن لا تخطط لنشر قوات قتالية أميركية واسعة داخل غزة، إلا أن الحديث يدور عن وجود عسكري غير مباشر، يشمل مستشارين، وخبراء أمن، وعناصر دعم لوجستي، فضلًا عن دور قيادي في توجيه عمل قوة الاستقرار الدولية. هذا الحضور، وإن جرى تسويقه كجزء من جهد دولي جماعي، يعكس استمرار الدور الأميركي المهيمن في رسم ملامح "اليوم التالي" في غزة.
اختيار منتدى دافوس للإعلان عن هذه الخطة ليس تفصيلًا ثانويًا. فدافوس، بوصفه منصة تجمع قادة سياسيين واقتصاديين عالميين، يوفّر لترمب فرصة لتقديم الخطة باعتبارها مشروعًا دوليًا للاستقرار والتنمية، لا مجرد مبادرة أميركية أحادية. كما يسمح له بحشد دعم سياسي ومالي لإعادة الإعمار، وربط مستقبل غزة بشبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية الدولية.
غير أن هذه الخطة تثير تساؤلات جوهرية حول شرعيتها السياسية وقابليتها للتطبيق. فغياب التمثيل الفلسطيني الحقيقي، وتهميش الفصائل الأساسية، يضعف فرص القبول الشعبي، ويحوّل المشروع إلى صيغة إدارة خارجية أكثر منه مسارًا لحل سياسي عادل. كما أن التركيز على الأمن قبل السياسة يعيد إنتاج مقاربات سابقة أثبتت محدوديتها، إن لم يكن فشلها، في تحقيق استقرار مستدام.
في المحصلة، يبدو أن ما يُحضَّر في دافوس يتجاوز كونه إعلانًا تقنيًا لمرحلة جديدة، ليشكّل محاولة شاملة لإعادة هندسة غزة سياسيًا وأمنيًا، وفق رؤية أميركية ترى في الإدارة الدولية المؤقتة بديلًا عن الحلول السياسية الجذرية. ويبقى السؤال الأساسي: هل تمثل هذه الخطة خطوة نحو الاستقرار، أم فصلًا جديدًا من إدارة الأزمة بدل حلها؟
وتعكس الخطة الأميركية المقترحة نزعة واضحة لإدارة الصراع بدل معالجته من جذوره. فهي تركز على إنشاء هياكل إدارية وأمنية جديدة دون معالجة القضايا السياسية الأساسية، وعلى رأسها حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. هذا النهج، وإن بدا عمليًا على المدى القصير، يحمل في طياته مخاطر إعادة إنتاج التوتر، لأن أي ترتيب يتجاهل البعد السياسي والوطني سيظل هشًا ومعرّضًا للانهيار عند أول اختبار حقيقي.
كما أن الاعتماد على حكومة تكنوقراط تحت إشراف دولي يعكس أزمة ثقة عميقة في الفاعلين السياسيين المحليين، لكنه في الوقت ذاته يفرغ مفهوم الحكم من مضمونه الديمقراطي. فالتكنوقراط، مهما بلغت كفاءتهم، يفتقرون إلى التفويض الشعبي، ما يجعلهم عرضة للاتهام بأنهم واجهة لإدارة خارجية. هذه الإشكالية قد تقوض قدرة الحكومة المقترحة على فرض قراراتها أو اكتساب شرعية مجتمعية حقيقية.
أما الرهان على قوة الاستقرار الدولية، فيعيد إلى الأذهان تجارب دولية سابقة أظهرت محدودية فعالية القوات متعددة الجنسيات في بيئات صراع معقدة. فغياب توافق سياسي محلي، وتضارب أجندات الدول المشاركة، قد يحول هذه القوة من عامل استقرار إلى طرف إضافي في معادلة الصراع. من دون أفق سياسي واضح، ستظل القوة الدولية أداة احتواء مؤقتة لا حلًا دائمًا.
المصدر:
القدس