آخر الأخبار

اختطاف مادورو... عودة منطق "البلطجة" وضرب النظام الدولي

شارك



د. حسن أيوب: السيطرة على فنزويلا لإحكام القبضة على نحو 20% من الاحتياطي العالمي للنفط بما يعادل 1.7 تريليون دولار..

نعمان توفيق العابد: ما جرى يشجع دولًا أخرى على تجاهل القانون الدولي وعدم الاكتراث بالمساءلة في حال الاعتداء على دول أخرى...
د. عمر رحال: ترمب يتجه نحو إدارة الأزمات بالقوة لا بالحلول السياسية ضمن صعود القومية الأمريكية وتقديم المصالح على أي اعتبارات..

نور عودة: الولايات المتحدة لم تعد تخجل من إعلان نواياها التوسعية وهو ما صرّح به ترمب حول الاستيلاء على خيرات فنزويلا النفطية..

د. حسين الديك: ما جرى يقلب المعادلات ويعزز نهج "أمريكا أولاً" القائم على القومية الاقتصادية واستخدام القوة الخشنة عند الضرورة..

عدنان الصباح: السياسة الأمريكية تمثل إعلانًا مفتوحًا عن حرب كونية غير تقليدية بهدف السيطرة على الموارد والاقتصاد العالمي..


يشكّل اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة الأمريكية تطورًا خطيرًا وزلزالاً سياسياً يعصف بمستقبل النظام الدولي القائم على القانون وسيادة الدول.
ويرى كُتّاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع ”ے”، أن الحدث، الذي اتخذ طابعًا استعراضيًا غير مسبوق، وانتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة أعاد إلى الواجهة سياسات التدخل القسري وتغيير الأنظمة، وكرّس منطق القوة على حساب الشرعية الدولية.
ويشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن ما جرى في فنزويلا لا ينفصل عن صراع أوسع على الموارد والنفوذ، في ظل امتلاك البلاد واحدة من أكبر احتياطيات النفط عالميًا، كما يعكس الحدث عودة واضحة للتعامل مع أمريكا اللاتينية باعتبارها مجالًا حيويًا للهيمنة، في سياق تنافس دولي محتدم مع قوى صاعدة تسعى لتوسيع حضورها في المنطقة.
ويرون أن ما جرى ينذر بمرحلة أكثر فوضوية في العلاقات الدولية، تتراجع فيها القواعد، ويتقدم منطق الإكراه والردع.
سياسة التدخل الأمريكية ليست طارئة..
يعتبر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي، د. حسن أيوب، أن اختطاف الرئيس الفنزويلي يشكل حلقة جديدة في تاريخ طويل من التدخلات الإكراهية التي مارستها الولايات المتحدة في دول أمريكا الجنوبية، محذّراً من أن تداعيات هذا الحدث تتجاوز فنزويلا لتطال بنية النظام الدولي وموازين القوى العالمية.
ويوضح أيوب أن السياسة الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية ليست طارئة، بل تمتد جذورها إلى قرن كامل من التدخلات المباشرة وغير المباشرة، مستشهداً باحتلال الولايات المتحدة لهاييتي عام 1915، ودورها المحوري في الانقلاب على الرئيس المنتخب سلفادور أليندي في تشيلي عام 1973 واستبداله بنظام الجنرال أوغوستو بينوشيه، إضافة إلى اجتياح غرينادا عام 1983 وتغيير نظام الحكم فيها، ثم العملية العسكرية ضد بنما عام 1988، التي انتهت باختطاف رئيسها مانويل نورييغا ومحاكمته وسجنه حتى وفاته.
التخلص من أنظمة لا تنسجم مع الولايات المتحدة..
ويلفت أيوب إلى أن القاسم المشترك في هذه التدخلات كان السعي الأمريكي للتخلص من أنظمة تقدمية أو يسارية، أو حتى وطنية، لا تنسجم مع السياسات والمصالح الأمريكية.
ويوضح أيوب أن العقدين الأخيرين شهدا صعوداً لافتاً للأحزاب اليسارية في عدد من دول أمريكا اللاتينية، من بينها البرازيل وكولومبيا وتشيلي ونيكاراغوا وهندوراس، حيث فازت هذه القوى عبر صناديق الاقتراع على حساب أحزاب يمينية كانت تقليدياً أقرب إلى واشنطن والحزب الجمهوري، كما في خسارة جايير بولسونارو أمام لولا دا سيلفا في البرازيل.
ويلفت أيوب إلى عودة قوى اليمين إلى الحكم في دول أخرى مثل الأرجنتين وتشيلي، ما يعكس صراعاً سياسياً محتدماً على مستقبل القارة.
وبحسب أيوب، تنظر الإدارة الأمريكية إلى إسقاط النظام في فنزويلا باعتباره خطوة مفصلية تمهّد لحصار وإضعاف، وربما إسقاط، أنظمة أخرى مناوئة لواشنطن في المنطقة.
ويعتبر أيوب أن ما يجري يمثل عودة صريحة لسياسات التدخل القسري وعقيدة تغيير الأنظمة، والتعامل مع أمريكا اللاتينية بوصفها المجال الحيوي للهيمنة الأمريكية، باستخدام ما يعرف بـ"دبلوماسية البارجة الحربية".
ويربط أيوب هذه المقاربة بوثيقة الأمن القومي الأمريكي الصادرة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والتي تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم القوة في العلاقات الدولية، وإعادة تشكيل النظام الدولي بما يضمن استباق أي تحولات بنيوية قد لا تكون في صالح واشنطن.
إحكام القبضة على الثروة النفطية..
ويؤكد أيوب أن السيطرة على فنزويلا تعني عملياً إحكام القبضة على ثروة نفطية تقدر بنحو 20% من الاحتياطي العالمي المؤكد، بقيمة تصل إلى 1.7 تريليون دولار، ما يمنح الولايات المتحدة تفوقاً حاسماً في سوق الطاقة العالمي، ويحدّ من النفوذ الصيني المتنامي في أمريكا الجنوبية، ويوجه ضربة استراتيجية لدول مجموعة "بريكس".
ويلفت أيوب إلى أن المشهدية الاستعراضية لاختطاف رئيس دولة ذات سيادة، وما تحمله من رسائل سياسية مباشرة، تهدف إلى ردع كل الأنظمة التي لا تتوافق مع الرؤية والأولويات الأمريكية، سواء في أمريكا الجنوبية أو خارجها، بما في ذلك دول مثل إيران.
ويعتبر أيوب أن ذلك يعكس عودة مكشوفة للسياسات الإمبريالية، حيث يتراجع القانون الدولي وتتآكل التحالفات التقليدية، ويبرز دعم واشنطن لقوى سياسية بعينها، كما هو الحال مع قوى اليمين في أوروبا.
ويرى أيوب أن إدارة ترمب تسعى إلى تقليل كلفة التدخلات العسكرية المباشرة التي أثقلت كاهل الولايات المتحدة مالياً وعسكرياً، وأضعفت قدرتها على منافسة الصين، ومن هنا، تتجه الإدارة إلى إعادة صياغة التوازنات الدولية، وتغيير دور حلف الناتو، والتركيز على السيطرة الجغرافية، وأسواق الطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، مع تعميم نموذج فنزويلا كأداة ضغط دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.
ويحذر أيوب من خطورة التسارع غير المسبوق في تغير موازين القوى الدولية في القرن الحادي والعشرين، مع غياب ضوابط واضحة للسلوك الدولي، معتبراً أن ما جرى في فنزويلا هو إعلان صريح عن سعي الولايات المتحدة لتعزيز قبضتها على النظام الدولي، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار العالمي، وبدفع العالم نحو احتمالات أعلى لمواجهات كبرى.
نموذج للبلطجة الأمريكية..
يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومحاكمته في الولايات المتحدة يشكّلان نموذجًا صارخًا لـ"البلطجة الأمريكية" في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي وشرعية النظام الدولي، وتجاهلًا تامًا لمبدأ سيادة الدول وقواعد العلاقات الدولية.
ويوضح العابد أن إدارة ترمب لا تعير أي اهتمام للمنظومة القانونية الدولية أو للمؤسسات الأممية، وتسعى إلى فرض "القانون الترمبي" القائم على مبدأ "أمريكا أولًا"، حيث تُقدَّم المصالح الأمريكية على أي اعتبارات قانونية أو أخلاقية أو سياسية.
ويعتبر العابد أن هذا النهج يفتح الباب أمام عالم تسوده الفوضى، وتُحكمه القوة بدل القانون، في عودة صريحة إلى "شريعة الغاب" في العلاقات بين الدول.
تشجيع دول أخرى على تجاهل القانون الدولي..
ويشير العابد إلى أن هذه السياسة سيكون لها تأثير عميق على تركيبة النظام الدولي، إذ تشجع دولًا أخرى على تجاهل القانون الدولي، وعدم الاكتراث بالعقوبات أو المساءلة، في حال الاعتداء على دول أخرى أو التدخل في شؤونها الداخلية.
ويؤكد العابد أن هذا المسار يمنح دولا أخرى شرعية ضمنية لسلوكيات عدوانية قائمة، انتهاج سياسات مماثلة.
ويشدد العابد على أن استهداف فنزويلا واختطاف رئيسها لا يرتبط، كما يُروَّج، بقضايا تجارة المخدرات أو حقوق الإنسان أو توصيف النظام بأنه ديكتاتوري، مؤكدًا أن هذه المفاهيم لا مكان لها في سياسة إدارة ترمب.
ويبيّن العابد أن الهدف الحقيقي يتمثل في إعادة هندسة الدولة الفنزويلية لتكون خاضعة للنفوذ الأمريكي، والسيطرة على ثرواتها، وعلى رأسها النفط، ومنع تمدد دول أخرى في أمريكا اللاتينية.
ويؤكد العابد أن النظرة الأمريكية لدول أمريكا الجنوبية تقوم على معادلة واضحة: إما التبعية الطوعية للمصالح الأمريكية، أو التعرض للحصار، وربما التدخل المباشر واختطاف القادة أو تصفيتهم.
ويعتبر العابد أن هذه المقاربة تشكل خطرًا استراتيجيًا على سيادة دول المنطقة واستقرارها.
ويرى العابد أن هذا التحول ينعكس أيضًا على الصراع العربي–الإسرائيلي، إذ يمنح دولة الاحتلال الإسرائيلي غطاءً سياسيًا وقانونيًا لمواصلة احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية، مستندة إلى الدعم الأمريكي وتآكل الشرعية الدولية.
وبحسب العابد، فإن العالم يدخل عام 2026 على وقع اهتزاز غير مسبوق في أسس النظام الدولي، مع نهاية نظام قائم على القواعد، وبداية مرحلة جديدة تتسم بالفوضى والعربدة واستخدام القوة العسكرية والاقتصادية بأبشع صورها، وإعادة ترتيب مناطق النفوذ، خصوصًا في أمريكا الجنوبية، بما يخدم المصالح الأمريكية على حساب القانون الدولي والشعوب.
هندسة النظام السياسي الفنزويلي..
يرى الكاتب والمحلل السياسي د. عمر رحال أن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل القوات الأمريكية لا يمكن توصيفه كإجراء قانوني أو مسار قضائي، بل يندرج في إطار فعل سياسي بامتياز، مرتبط مباشرة بالصراع الجيوسياسي في أمريكا اللاتينية وبموازين القوى الدولية والإقليمية.
ويعتبر رحال أن هذا النوع من الاختطاف يمثل أداة ضغط لإعادة هندسة النظام السياسي في فنزويلا، وليس تطبيقاً للعدالة أو احتراماً للقانون الدولي.
ويوضح رحال أن هذا السلوك يعكس توجهاً أمريكياً قديماً متجدداً في التعامل مع الأنظمة التي تتعارض مع مصالحها، مشدداً على أن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة بهذه الطريقة يشكل خرقاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة وانتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، ويؤكد صعود منطق القوة والعربدة السياسية على حساب الدبلوماسية والقواعد القانونية الناظمة للعلاقات الدولية.
وعلى الصعيد الداخلي الفنزويلي، يشير رحال إلى أن مصير البلاد لا يتوقف على شخص الرئيس وحده، على الرغم من رمزية موقعه، بل يرتبط بشكل أساسي بموقف المؤسسة العسكرية والأمنية التي شكّلت على الدوام العمود الفقري للنظام السياسي.
ويلفت رحال إلى أن هذه المؤسسة كانت ولا تزال عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة، سواء نحو استقرار نسبي أو نحو فوضى سياسية وأمنية، خصوصاً إذا شعرت بأن مصالحها مهددة أو أن توازناتها الداخلية باتت مختلة.
ويبيّن رحال أن غياب التوافق الداخلي بين مختلف القوى الفنزويلية، في ظل وجود معارضة قوية وحضور أمريكي مباشر أو غير مباشر عبر حلفاء محليين، قد يفتح الباب أمام فراغ في قمة الهرم السياسي، ما قد يقود إلى صراعات داخل النخبة الحاكمة بدلاً من انتقال ديمقراطي منظم.
ويرى رحال أن هذا السيناريو قد ينعكس تدهوراً اقتصادياً وأمنياً متسارعاً، وربما يؤدي إلى موجات هجرة جديدة، على عكس ما تروج له الإدارة الأمريكية من وعود بالاستقرار والديمقراطية.
ضربة مباشرة لأمريكا اللاتينية..
ويعتبر رحال أن اختطاف رئيس فنزويلا يشكل ضربة مباشرة لأمريكا اللاتينية ككل، ولا سيما للدول ذات التوجهات اليسارية مثل كوبا ونيكاراغوا، وحتى للحكومات اليسارية "المعتدلة" كالبرازيل.
ويرى رحال أن اختطاف الرئيس الفنزويلي قد يعزز حالة القلق وعدم الثقة لدى هذه الدول، وتؤكد أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة الخشنة لفرض مسارات سياسية تخدم مصالحها، دون اكتراث حقيقي بمسألة الديمقراطية أو الاستقرار.
نهج قديم من أجل النفوذ..
ويؤكد رحال أن التجربة التاريخية تثبت أن هذا النهج ليس جديداً على السياسة الأمريكية، مستشهداً بما جرى في تشيلي عام 1973، وبنما عام 1989، إضافة إلى العراق، حيث لجأت الولايات المتحدة إلى قلب أنظمة واختطاف أو تصفية رؤساء دول تحت ذرائع متعددة، أبرزها مكافحة المخدرات أو حماية الديمقراطية، بينما كانت الدوافع الحقيقية مرتبطة بالسيطرة على الموارد والنفوذ الجيوسياسي.
وفي سياق أوسع، يرى رحال أن ما يجري يعكس تحوّلاً خطيراً في النظام الدولي، يتمثل في تراجع القانون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة، مقابل تصاعد الاستقطاب الدولي وتغليب منطق الردع والعقوبات على الحوار السياسي.
ويعتبر رحال أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تتجه نحو إدارة الأزمات بالقوة لا بالحلول السياسية، في إطار صعود القومية الأمريكية وتقديم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية على أي اعتبارات قانونية أو أخلاقية.
ويؤكد رحال أن الأزمات الداخلية المتفاقمة في الولايات المتحدة، وعلى رأسها الدين العام الضخم وتراجع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، تشكل أحد الدوافع الرئيسية وراء هذا السلوك التصعيدي.
ويشير رحال إلى أن واشنطن تسعى لتعويض أزماتها عبر السيطرة على الثروات الطبيعية، وفي مقدمتها النفط، بمنطق الصفقات القسرية أو القوة المباشرة.
ويلفت رحال إلى أن ما جرى في فنزويلا ليس سوى حلقة جديدة في مسار دولي يتجه نحو مزيد من الفوضى وتآكل قواعد النظام العالمي القائم.
انقضاض على أركان المنظومة الدولية..
تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية نور عودة أن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يشكّل "لحظة فارقة وخطيرة" في التاريخ السياسي الدولي، ويعبّر عن انقضاض أميركي مباشر على ما تبقّى من أركان المنظومة الدولية القائمة على القانون وميثاق الأمم المتحدة، معتبرة أن ما جرى يعيد إنتاج عقيدة مونرو الاستعمارية بصيغة أكثر فجاجة وتوحشًا.
وتوضح عودة أن الولايات المتحدة لم تعد تخجل من إعلان نواياها التوسعية، إذ صرّح رئيسها علنًا بنيته الاستيلاء على خيرات فنزويلا النفطية، في وقت قال فيه وزير الحرب الأميركي إن واشنطن قادرة على فرض إرادتها في أي مكان في العالم.
وتشدد عودة على أن عدم قانونية ما قامت به الولايات المتحدة "أمر غير قابل للنقاش"، كونه اعتداءً صريحًا على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة وانتهاكًا مباشرًا لميثاقها.
تهم مشكوك في دوافعها ومصداقيتها..
وتبيّن عودة أن عملية الاختطاف لا يمكن تبريرها بالجدل القائم حول شرعية حكم مادورو أو الاتهامات الموجهة إليه بالتلاعب بالانتخابات، مؤكدة أن هذه قضايا داخلية تخضع حصريًا لإرادة الشعب الفنزويلي والقانون الدولي لا يمنح أي دولة حق التدخل أو انتهاك السيادة الفنزويلية.
وترى عودة أن التهم الأميركية نفسها بحق مادورو "مشكوك في دوافعها ومصداقيتها"، معتبرة أن السبب الحقيقي والوحيد للعملية هو السيطرة على النفط، وهو ما لم يُخفِه الرئيس الأميركي خلال مؤتمر صحفي عقده في ميامي.
وتلفت عودة إلى أن خطورة الحدث لا تقتصر على فنزويلا، بل تمتد إلى النظام الدولي برمّته، في ظل عجز معظم دول العالم، بما فيها حلفاء واشنطن، عن مواجهة الولايات المتحدة بسبب تفوقها العسكري وقدرتها الهائلة على إلحاق أضرار اقتصادية بمناوئيها.
وتشير عودة إلى فرض عقوبات أميركية على قضاة ومسؤولين دوليين لمجرد ملاحقتهم إسرائيل، دون أن تتمكن دولهم من حمايتهم، نتيجة ارتباط النظام المالي العالمي بالولايات المتحدة.
وتلفت عودة إلى تباين المواقف الدولية، إذ أبدت دول مثل إسبانيا وجنوب أفريقيا والنرويج مواقف مبدئية وحازمة، مقابل ترحيب فرنسا بما سمّته "تحرير الشعب الفنزويلي"، ومناورة بريطانية لتجنّب موقف واضح.
وترى عودة أن العالم يتجه نحو الفوضى والتوحش، محذّرة من أن دولًا أخرى قد تستند إلى ما فعله ترمب لتبرير أعمال عدوانية مماثلة، ما ينذر بمرحلة من عدم الاستقرار العالمي لا يمكن مواجهتها إلا بموقف دولي موحّد، رغم أن ملامح هذه المواجهة لا تزال غير واضحة.
إحياء عملي لمبدأ مونرو..
يصف أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص بالشأن الأمريكي، د. حسين الديك، اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بأنه حدث مفصلي غير مسبوق، لا يقتصر تأثيره على الداخل الفنزويلي، بل يتجاوز ذلك ليطال بنية النظام الدولي والقانون الدولي والتوازنات التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، وكان وقع الخبر كان "كالصاعقة"، وامتد صداه إلى عواصم القرار الكبرى، ما يعكس حجم التداعيات السياسية والاستراتيجية لهذه الخطوة.
ويشير الديك إلى أن مادورو، رغم حكمه السلطوي والانقسام الداخلي الحاد الذي شهدته فنزويلا بين السلطة والمعارضة، نجح لسنوات في توظيف إرث الثورة البوليفارية التي أسسها الراحل هوغو تشافيز لخدمة بقائه في الحكم. إلا أن اختطاف مادورو، وفق الديك، يشكل بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم المشهد السياسي في فنزويلا، وربما تمتد تداعياتها إلى الإقليم بأكمله، وخصوصاً منطقة الكاريبي، مع احتمال انتقال التأثير إلى دول تصنّفها واشنطن ضمن ما تسميه "مثلث الديكتاتوريات": كوبا، فنزويلا، ونيكاراغوا.
ويعتبر الديك أن ما جرى يعكس بشكل واضح ملامح استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة، التي تعيد تركيز الاهتمام على النصف الغربي من الكرة الأرضية، وتعامل أمريكا اللاتينية باعتبارها "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة.
ويلفت الديك إلى أن هذه المقاربة تمثل إحياءً عملياً لمبدأ مونرو، الذي أُعلن في القرن التاسع عشر لمنع التدخل الأوروبي في شؤون القارة، لكن بصيغة معاصرة تستهدف اليوم الصين وروسيا، بوصفهما أبرز المستفيدين من علاقاتهما الاستراتيجية مع كاراكاس، ولا سيما الصين التي ترتبط بمصالح نفطية واسعة في فنزويلا.
انقسام حاد في فنزويلا..
ويوضح الديك أن فنزويلا دخلت منذ لحظة اختطاف مادورو في حالة انقسام حاد، فأنصار الرئيس المعتقل، الذين يشكلون قاعدة اجتماعية وازنة في الأحياء الفقيرة ويتمتعون بنفوذ داخل مؤسسات الدولة والجيش، يرون في الحدث انقلاباً سياسياً مدعوماً من الخارج، بينما تعتبر المعارضة الفنزويلية ما جرى انتصاراً متأخراً للعدالة.
ووفق الديك، بين هذين المعسكرين، يعيش الشارع حالة من الترقب والارتباك، في ظل شلل شبه كامل لمؤسسات الدولة، واقتصاد منهار، وتضخم وفقر متصاعدين، وأزمة إنسانية عميقة، مع غياب قيادة واضحة وتخوف واسع لدى المستثمرين.
ويؤكد الديك أن المؤسسة العسكرية تمثل اللاعب الحاسم في هذه المرحلة، إذ تتعامل بحذر شديد بانتظار تبلور ميزان قوى جديد يحدد الاتجاه المقبل للبلاد.
الولايات المتحدة المستفيد الأكبر..
أما على المستوى الدولي، فيرى الديك أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأكبر مما حدث، إذ تعتبر واشنطن أن الفرصة سانحة لإعادة هندسة المشهد الفنزويلي.
ويذكّر الديك بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي تحدث فيها عن إدارة بلاده للنفط الفنزويلي وتحديد المسار المستقبلي للدولة، معتبراً أن موسكو وبكين وطهران، إلى جانب كوبا ونيكاراغوا، هي الأطراف الخاسرة الأساسية، كونها حلفاء تقليديين لنظام مادورو.
ويطرح الديك ثلاثة سيناريوهات محتملة: انتقال منضبط للسلطة تشرف عليه المؤسسة العسكرية بدعم دولي وغربي، وهو السيناريو المفضل أمريكياً وأوروبياً؛ أو انزلاق البلاد إلى تفكك داخلي وصدام أهلي واسع؛ أو محاولة عودة النظام بوجه جديد عبر الجناح العسكري الموالي لمادورو، وهو خيار يستبعد الديك نجاحه في ظل الرفض الأمريكي.
اتجاه العالم نحو استقطاب ثلاثي..
ويعتبر الديك أن ما جرى مع مادورو في ظل إدارة ترمب الثانية وعودته إلى واجهة المشهد السياسي تعني قلب المعادلات التقليدية، وتعزيز نهج "أمريكا أولاً" القائم على القومية الاقتصادية واستخدام القوة الخشنة عند الضرورة، وتراجع دور العولمة والمؤسسات الدولية.
ويشير الديك إلى أن العالم يتجه نحو استقطاب ثلاثي تقوده الولايات المتحدة وروسيا والصين، كلٌ في محيطه الإقليمي، في ظل نظام دولي أقل استقراراً وأكثر ميلاً لإعادة توزيع القوة، حيث يعلو صوت الإرادة الفردية على حساب القواعد والمؤسسات.
توسيع دائرة الفوضى الدولية..
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة يشكل استمرارًا لسياسة "البلطجة الأمريكية" على المستوى الدولي، موضحًا أن هذه السياسة تكشف عن ضعف المنظومة الدولية وعدم قدرة الأمم المتحدة والدول الكبرى على مواجهة الانتهاكات الأمريكية بشكل صريح وعلني.
ويشير الصباح إلى أن الجرائم الأمريكية لم تتوقف عند حدود فنزويلا، بل شملت ملفات متعددة، حيث جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بين جريمة اختطاف مادورو واغتيالات شخصيات دولية مثل قاسم سليماني وأبو بكر البغدادي، في رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة تمارس سياساتها حيث تريد وبالشكل الذي تريد، دون احترام لأي معايير قانونية أو دولية.
ويوضح الصباح أن المبرر المعلن حول تجارة المخدرات لمادورو لم يكن الهدف الحقيقي، بل كان استهداف إدارة الدولة والسيطرة على ثرواتها، بما في ذلك الموارد النفطية والمعادن، لفرض النفوذ الأمريكي بشكل كامل.
ويؤكد الصباح أن هذا النهج يوسع دائرة الفوضى الدولية ويخلق عالمًا جديدًا قائمًا على القوة والبلطجة، بعيدًا عن القانون الدولي والمساءلة، محذرًا من أن استمرار الصمت الدولي يمنح الولايات المتحدة القدرة على توسيع نفوذها وفرض سيطرتها على الحروب والصراعات حول العالم، بما في ذلك مناطق النزاعات في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
على أعتاب مرحلة جديدة..
ويلفت الصباح إلى أن العالم على أعتاب مرحلة جديدة تختلف عن فترات ما بعد الحربين العالميتين، حيث لم يعد التركيز على النفط ومصادر الطاقة التقليدية فقط، بل امتد إلى المعادن النادرة والموارد الحيوية المرتبطة بـ"اقتصاد المعرفة"، والذي بات يمثل محور الهيمنة الاقتصادية العالمية، مؤكداً أن الهدف الأمريكي هو احتكار هذا الاقتصاد الجديد والسيطرة على مستقبله العالمي.
ويحذر الصباح من أن غياب مواجهة حقيقية للولايات المتحدة قد يؤدي إلى نظام عالمي شبيه بغابة تحكمه قوانين الوحشية والبلطجة، حيث تنتصر القوة على القيم الإنسانية.
ويشدد الصباح على الحاجة الملحة لظهور نموذج عالمي بديل يقوم على الأخلاق والروح والقيم الإنسانية والمعرفة، ليكون قادرًا على مواجهة احتكار القوة والسيطرة الأمريكية، وضمان مستقبل أكثر عدالة واستقرارًا للبشرية، بعيدًا عن فرض الإرادات بالقوة والأسلحة.
ويؤكد الصباح أن السياسة الأمريكية الحالية تمثل إعلانًا مفتوحًا عن حرب كونية غير تقليدية، تهدف إلى تعزيز نفوذ الولايات المتحدة وسيطرتها على الموارد الحيوية والاقتصاد العالمي، ما يضع العالم أمام تحديات أخلاقية واستراتيجية غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الدولية.
ويوضح الصباح أنه بعد الحرب الأبشع على قطاع غزة والإبادة التي تعرض لها طوال العامين الماضيين ولا زال يعيشها بأشكال مختلفة حتى الآن مع صمت مطلق من كل العالم، لا يبدو أن هناك جهة ما يمكنها أن تقف في مواجهة الولايات المتحدة بشكل واضح وصريح وعلني.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا