آخر الأخبار

عيون إلكترونية بديلة للوجود الإسرائيلي في معبر رفح

شارك

حدث الساعة

تشهد أروقة المفاوضات الإقليمية تحولاً جوهرياً في طبيعة الطروحات المتعلقة بإدارة المعابر الحدودية بقطاع غزة، حيث كشفت مصادر مصرية مطلعة عن كواليس الزيارة الأخيرة لوفد إسرائيلي إلى القاهرة، والتي تضمنت نقاشات معمقة حول صيغة تقنية مبتكرة لتشغيل معبر رفح البري. وتتمحور هذه الرؤية حول استبدال الوجود العسكري الميداني الإسرائيلي بآلية مراقبة إلكترونية متطورة تسمح لتل أبيب بمتابعة حركة العبور عن بُعد، بما يضمن انسحاب القوات المادية من حرم المعبر ومحيطه، مع إعادة إحياء الدور الأوروبي في التدقيق والمراجعة الأمنية وفقاً لمرجعيات اتفاقية عام ألفين وخمسة.

هذا التوجه المصري يعكس رغبة حثيثة في كسر الجمود القائم وتجنيب المنطقة تداعيات إغلاق الشريان الوحيد للقطاع، لكنه يأتي مشروطاً بضمانات سيادية وقانونية صارمة. فالقاهرة لا تنظر إلى قضية المعبر كمجرد إجراء فني أو تنظيمي، بل تعتبرها جوهر المعركة السياسية ضد مساعي التهجير القسري. وتربط الإدارة المصرية أي تفاهمات مستقبلية بضرورة تشغيل المعبر في الاتجاهين وبصورة متوازنة، تكفل حق الفلسطينيين في الدخول والخروج دون قيود أمنية مسيسة تهدف إلى تفريغ القطاع من سكانه أو تحويل المعبر إلى أداة ضغط لتغيير الواقع الديمغرافي.

استراتيجية "التفريغ الصامت" وخلفيات الإجلاء المستمر

بينما تنشغل الأطراف الرسمية بالبحث عن حلول تقنية للمعابر، تبرز في الأفق ظاهرة "التهجير المقنع" التي تدار خلف الستار عبر شبكات معقدة ومؤسسات مغطاة برداء العمل الإنساني والطبي. وتشير المعطيات الميدانية إلى استمرار عمليات نقل للفلسطينيين نحو وجهات أفريقية ودولية بعيدة، ضمن مسارات تتسم بالسرية التامة والكتمان الشديد. هذه العمليات، التي تستفيد من حالة الانهيار الشامل لمقومات الحياة في غزة، لا تمنح المسافرين أي ضمانات للعودة، بل غالباً ما يتم إبلاغهم بالوجهة النهائية قبل لحظات من الإقلاع، مما يثير تساؤلات كبرى حول الأهداف الحقيقية لهذه المسارات غير الرسمية.

وتتواتر الأنباء عن وجود آليات تدقيق أمني تتجاوز الأبعاد الإغاثية، حيث تخضع قوائم المغادرين لفحص مسبق بعيداً عن الرقابة العامة. ويرى مراقبون أن هذا النمط من الإجلاء يمثل وسيلة لتفريغ غزة تدريجياً وبشكل ناعم، مما يجنب الاحتلال الإسرائيلي الإحراج الدولي المرتبط بالتهجير القسري المباشر، بينما يحقق على الأرض ذات النتيجة المتمثلة في إبعاد كتل سكانية وازنة عن موطنها الأصلي في ظل غياب أي أفق سياسي أو ضمانات قانونية تحمي حق العودة.

صناعة اليأس وتسويق الهجرة كحل فردي

في سياق تحليل هذه الظاهرة، يوضح صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، أن الاحتلال يعمد إلى صناعة حالة من اليأس المطلق داخل القطاع، ليدفع بالفلسطينيين نحو البحث عن أي مخرج. وفي هذه البيئة المنهكة، تبرز شركات وواجهات مدنية غامضة تسوق عروض "سفر إنساني" عبر تطبيقات التواصل المشفرة مقابل مبالغ مالية باهظة. ويؤكد عبد العاطي أن إسرائيل ليست طرفاً محايداً في هذا المشهد، إذ لا يمكن لأي فرد مغادرة القطاع دون موافقة أمنية إسرائيلية مباشرة، بل إن سلطات الاحتلال تساهم فعلياً في تسهيل نقل العائلات إلى مطاراتها ومنها إلى دول بعيدة مثل كينيا وجنوب أفريقيا.

إن اختيار وجهات جغرافية نائية ليس محض صدفة، بل هو جزء من هندسة الاقتلاع الدائم، حيث تهدف هذه السياسة إلى جعل فكرة العودة شبه مستحيلة بسبب البعد المكاني والتعقيدات القانونية المرتبطة بالإقامة واللجوء في تلك الدول. وبذلك، تتحول "فرصة النجاة" التي تسوقها تلك الجمعيات إلى عملية اقتلاع دائم تجرد الفلسطيني من هويته السياسية وتحوله إلى لاجئ في دول لا تمتلك أطر حماية واضحة، مما يرفع المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن كاهل الاحتلال أمام المجتمع الدولي.

الموقف الإقليمي وضرورة التحصين السياسي

من جانبه، يرى الدكتور مختار الغباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن محاولات فرض التهجير لا تزال قائمة في العقلية الإسرائيلية، رغم الرفض الدولي المعلن. ويشير الغباشي إلى أن الرفض الإقليمي والدولي، وإن كان موجوداً، فإنه يفتقر إلى "الأنياب" والآليات العقابية الحقيقية التي تردع إسرائيل عن المضي قدماً في مخططاتها. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبرز الموقف المصري كحائط صد أساسي ورئيسي يمنع تحويل معبر رفح إلى بوابة لتصفية القضية الفلسطينية عبر دفع السكان نحو سيناء أو الخارج.

إن الصمود المصري في رفض أي ترتيبات لا تلتزم بروح اتفاقية عام ألفين خمسة، وإصرار القاهرة على الندية في تشغيل المعبر، يمثل حجر الزاوية في إفشال مخططات الهندسة الديمغرافية. ومع ذلك، يظل التحدي قائماً في مواجهة المسارات السرية والوسطاء الذين يتاجرون بمعاناة الغزيين. فالمعركة اليوم تتجاوز تأمين الحدود لتشمل حماية الوجود الفلسطيني ذاته من استراتيجيات التفريغ التدريجي التي تتبعها تل أبيب، مما يتطلب تكاتفاً دولياً لا يكتفي بالشعارات، بل يضع آليات عملية لوقف "التهجير الصامت" وضمان استدامة الحياة والكرامة داخل قطاع غزة.

المصدر: الحدث/ وكالات

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا