الحدث الإسرائيلي
في ظل الحرب وتحول الاهتمام إلى ساحات القتال المختلفة، بات جيش الاحتلال مطالبا بالدفاع عن ضعف عدد “المناطق الداخلية” المأهولة في الضفة الغربية، مع عشرات نقاط الاستيطان والمزارع الزراعية التي أقيمت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، معظمها بصورة قانونية وبرعاية الحكومة الإسرائيلية، وفق تقرير لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية. وتقدّر المؤسسة العسكرية أن هذا الواقع سيستدعي إضافة كتائب أمن جارٍ جديدة إلى قطاع المستوطنات “الجديد-القديم”، في سياق الإلغاء العملي لخطة الانفصال التي نفذت عام 2005 في شمال الضفة الغربية.
وفي الوقت الذي تضغط فيه أوساط اليمين الإسرائيلي لغرس أعلام الاحتلال على الجانب الخاضع لسيطرة الجيش من “الخط الأصفر” في قطاع غزة، وتطالب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بإعادة إقامة مستوطنات هناك، يستعد جيش الاحتلال أيضا لترجمة إلغاء الجزء المتعلق بالضفة الغربية من خطة الانفصال، التي نفذت قبل نحو عشرين عاما، إلى خطوات ميدانية عملية. وتشير “يديعوت أحرونوت” إلى أن هذا التوجه لم يعد يقتصر على النقاشات السياسية، بل بات يترجم فعليا على الأرض من خلال تحركات عسكرية وبنى تحتية جديدة.
وفي هذا السياق، تشق قوات الاحتلال في هذه الأيام طرقا في شمال غرب الضفة الغربية، لفتح شارع التفافي يلتف حول قرية سيلة الظهر جنوب جنين، إلى جانب إقامة موقع عسكري جديد، ستتولى قواته حماية مستوطنة “سانور” التي أخليت ضمن خطة الانفصال. ووفق ما أوردته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، من المتوقع تنفيذ خطوات مشابهة في مستوطنة “حومش”، وربما أيضا في مستوطنتي “قاديم” و”جانيم”، اللتين بقيتا أطلالا لنحو عقدين، تمهيدا لإعادة بنائهما.
وتقود هذه التحركات ما يوصف داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بـ”الثورة الاستيطانية الصامتة”، بقيادة وزير المالية والمسؤول عن شؤون الضفة الغربية بتسلئيل سموتريتش، في ظل تعاظم تدخله إلى حد السيطرة الفعلية باسم الحكومة على مجمل ما يجري في المنطقة. وإلى جانب 21 مستوطنة صادقت الحكومة على إقامتها، بينها “سانور”، تمت المصادقة على إقامة 19 مستوطنة إضافية في الضفة الغربية، فيما تناقش قيادة المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال مواقع هذه المستوطنات والجداول الزمنية لإقامتها على الأرض.
وتشير التقديرات العسكرية الإسرائيلية إلى أن سلسلة العمليات الواسعة والممتدة في شمال الضفة خلال العامين الأخيرين، ولا سيما في قباطية، وفي إطار السيطرة المستمرة على مخيم جنين، شكلت خطوة تمهيدية أتاحت التوسع الاستيطاني في هذه المناطق. وبحسب التقرير، يترافق ذلك مع تعزيز قدرات الجيش في مجال الاتصالات وجمع المعلومات، بما يشمل أبراج مراقبة ورادارات ووسائل اتصال متقدمة، إلى جانب ربط المستوطنة الجديدة المزمع إقامتها في “حومش” بالمدرسة الدينية القائمة هناك، بما يجعل عام 2026 محطة مفصلية في إعادة تشكيل نمط الحياة في شمال غرب الضفة الغربية.
ويعرض التقرير صورة لمنطقة واسعة كانت مغلقة أمام الإسرائيليين، تمتد من مستوطنة “قدوميم” شمالا، وصولا إلى الجيب الاستيطاني الصغير المتبقي في الزاوية الشمالية الغربية من الضفة، والذي يضم مستوطنات محدودة مثل “ميفو دوتان” و”ريحان”. وتعد هذه المستوطنات معزولة من حيث الوصول إلى عمق الضفة الغربية، إذ لا يمكن الوصول إلى “ميفو دوتان” مثلا إلا عبر مناطق داخل الخط الأخضر، ما أدى فعليا إلى فصل هذه المنطقة عن محيطها الجغرافي.
ويقدّر جيش الاحتلال أن الحد الأدنى من التعزيز المطلوب لحماية المستوطنات التي ستعاد إقامتها يتمثل في كتيبة واحدة إضافية في المرحلة الأولى. ويعمل حاليا في فرقة الضفة الغربية 23 كتيبة، تمتد مسؤوليتها من جنوب الخليل حتى شمال جنين.
وستكون مستوطنة “سانور”، التي يعاد بناؤها بعد نحو عقدين، ضمن نطاق لواء "السامرة" في جيش الاحتلال، الذي تضاعف عدد مستوطناته خلال السنوات الثلاث الأخيرة ليصل إلى قرابة 40 مستوطنة أو نقطة استيطان. ومنذ السابع من أكتوبر، انتقل جيش الاحتلال إلى حماية المستوطنين وحركة السير على الطرق في هذه المناطق من داخل العمق الفلسطيني، عبر عمليات عسكرية متواصلة وعلى مدار الساعة داخل مناطق مصنفة “A”.
وينقل التقرير عن ضباط في الجيش قولهم إن “القدرة على الدخول إلى مخيمات اللاجئين تغيرت جذريا”، موضحين أنه “حتى قبل سنوات قليلة كنا نواجه في مخيم بلاطة إطلاق نار كثيفا وعبوات ناسفة، أما اليوم فنستطيع الدخول إليه في وضح النهار، وقد نواجه فقط رشق حجارة”. ويعزون ذلك إلى “تغيير النهج، والضغط المكثف على عناصر المقاومة، إلى جانب استمرار حرية الحركة للفلسطينيين على الطرق المشتركة وتقديم تسهيلات اقتصادية”.
وشهرا بعد شهر، يعزز جيش الاحتلال ممارسات تعيد إلى الأذهان السياسات العسكرية التي اعتمدت خلال عملية “السور الواقي” عام 2002، من بينها هدم مبان فلسطينية بحجة أنها تشكل خطرا على حركة الجنود أو المستوطنين، إلى جانب تسيير دوريات علنية داخل القرى والمدن الفلسطينية بهدف “إظهار الحضور”، وليس فقط لتنفيذ عمليات اعتقال أو مصادرة أسلحة.
وإلى جانب نحو نصف مليون مستوطن يقيمون حاليا في الضفة الغربية، يتوقع انضمام عشرات الآلاف خلال المرحلة المقبلة. وبشأن نقاط الاستيطان الجديدة، تعتمد الحماية الداخلية على فرق الحراسة المكونة من المستوطنين أنفسهم، الذين جرى تسليحهم وتجهيزهم للعمل تحت إشراف منسق الأمن المحلي، إلى جانب حماية خارجية توفرها القوات النظامية.
وخلال العامين الأخيرين، نفذ جيش الاحتلال تغييرات واسعة في منظومة فرق الحراسة، حيث جرى تزويد أفرادها بالأسلحة الفردية والرشاشات وقاذفات القنابل وأجهزة الاتصال، مع دراسة تزويدهم أيضا بقنابل يدوية وصواريخ مضادة للدروع صغيرة من نوع “لاو”. وفي موازاة ذلك، جرى توسيع التعاون مع سلاح الجو عبر إتاحة استخدام الطائرات المسيرة الهجومية والمروحيات القتالية بشكل شبه فوري، مع وجود “أهداف حساسة” يمنع استهدافها إلا بمصادقات عليا.
وتحذر صحيفة “يديعوت أحرونوت” من أن استخدام آلاف أو عشرات الآلاف من الأسلحة الخفيفة في وقت واحد قد يحدث “تغييرا جوهريا” في المشهد الأمني، في ظل غياب أي فاصل جغرافي بين الفلسطينيين والمستوطنين، مشيرة إلى أن جيش الاحتلال يتعامل في الوقت نفسه مع مئات الأسرى الفلسطينيين الذين أفرج عنهم في صفقات تبادل خلال العامين الأخيرين، ويخضعون اليوم لمراقبة أمنية مشددة وإلزام بالحضور الدوري للتحقيق لدى جهاز الشاباك.
المصدر:
الحدث