د. عبد المجيد سويلم: اصطفافات غير مسبوقة قد تؤدي لمواجهات تجعل الأزمة اليمنية مفتاحاً للتحول الجيوسياسي في الإقليم..
ماجد هديب: حل الأزمة اليمنية بات ضرورة ملحّة لتجنب مزيد من التصعيد ولمنع اليمن من البقاء ساحة صراع مفتوحة..
د. ولاء قديمات: الأزمة اليمنية تكشف بوضوح هشاشة التحالفات العربية وغياب رؤية موحدة للتعامل مع الأزمات الإقليمية..
د. فادي جمعة: الأزمة اليمنية أسهمت في تعميق حالة عدم الاستقرار الإقليمي وإعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي..
د. جمال حرفوش: تآكل مفهوم الدولة الواحدة وتراجع سلطة القانون وتعدد مراكز القوة أغلق الأفق أمام بناء نظام سياسي جامع..
د. سهل دياب: عدم التدخل الأميركي بالخلافات حول انفصال جنوب اليمن يعكس اهتماماً بتغيير الخريطة الجيوسياسية..
لم تعد الأزمة اليمنية مجرّد صراع داخلي أو ساحة نزاع محلية ذات أبعاد محدودة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر بؤر التوتر تأثيرًا في المشهدين الإقليمي والدولي وصولاً إلى الأزمة الحالية وما تخللها من أزمة جديدة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإمكانية انفصال الجنوب اليمني، ما ينذر بأزمة إقليمية خطيرة.
وبحسب الكتاب والمحللين وأساتذة الجامعات، تكشف تطورات الأزمة عن تصدّع واضح في منظومة التحالفات الإقليمية، لا سيما داخل الخليج، مع بروز تباينات حادة في الرؤى والمشاريع السياسية بين أطراف كانت تُعد حلفاء رئيسيين، وقد أسهم هذا التفكك في تعميق الصراع، وإطالة أمده، وفتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية متزايدة، حوّلت اليمن إلى ساحة تنافس نفوذ، تتقاطع فيها الطموحات السياسية مع المصالح الاقتصادية والأمنية.
تحول نوعي في الأزمة اليمنية..
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن الأزمة اليمنية تشهد تحولاً نوعياً وخطيراً، يجعلها تتجاوز كونها صراعاً داخلياً أو إقليمياً محدوداً، لتتحول إلى أزمة إقليمية شاملة تهدد بنية التحالفات في الخليج والمنطقة بأسرها، وتفتح الباب أمام مواجهات كبرى تمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب.
ويوضح سويلم أن الأزمة اليمنية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج عقد كامل من الاضطرابات والحروب والتدخلات الخارجية التي تفاعلت منذ ما عُرف بـ"الربيع العربي"، في ظل ضعف الدولة اليمنية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية.
ويبيّن سويلم أن التطور الأخطر في المرحلة الراهنة يتمثل في الطموحات المتصاعدة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وسعيها للسيطرة على مناطق يمنية استراتيجية ضمن رؤية أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي.
ويلفت سويلم إلى أن هذه التحركات باتت تتقاطع مع تحالفات خاصة، خارج الإطار التقليدي للتحالف الأمريكي–الخليجي.
ويؤكد سويلم أن المملكة العربية السعودية رأت في هذه التحركات تهديداً مباشراً لمصالحها، خصوصاً في مناطق حساسة مثل حضرموت، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن الوطني السعودي، الأمر الذي فجّر أزمة حادة بين الرياض وأبوظبي، تجلت في لغة سعودية حاسمة وإجراءات عملية، قابلتها الإمارات بإعلان الانفصال الجنوبي، ولو بشكل رمزي حتى الآن.
نذر اصطفافات إقليمية جديدة..
ويعتبر سويلم أن هذه التطورات تنذر بانهيار مجلس التعاون الخليجي وتصدع تحالفاته، مرجحاً صعوبة تراجع السعودية عن مواقفها، مع محاولات لاستقطاب دول مثل الكويت وقطر وسلطنة عُمان، رغم شكوكه في مدى تجاوب هذه الدول مع الرؤية السعودية، وإن كانت ستقف في المقابل ضد السياسات الإماراتية.
ويشير سويلم إلى أن الأزمة اليمنية دخلت بذلك مستوى جديداً من التعقيد والمخاطر، مؤكداً أن موقف الحوثيين سيتأثر بطبيعة التحالفات الجديدة، ولا سيما أي حضور إسرائيلي في جنوب اليمن أو في ترتيبات البحر الأحمر وبحر العرب.
ويحذّر سويلم من أن إسرائيل والولايات المتحدة قد تستغلان هذه الفوضى للإمساك بأوراق استراتيجية في الممرات البحرية الحيوية.
ويرى سويلم أن المنطقة مقبلة على اصطفافات إقليمية غير مسبوقة، قد تقود إلى مواجهات واسعة بين دول وتحالفات متناقضة، ما يجعل الأزمة اليمنية أحد أبرز مفاتيح التحول الجيوسياسي الخطير في الإقليم، ما قد يقود إلى قرارات عربية استراتيجية جديدة لمواجهة الهيمنة الخارجية وحماية الأمن القومي العربي.
اليمن وساحة الصراعات الإقليمية والدولية...
يرى الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن الأزمة اليمنية الراهنة تُعد واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في المنطقة، نظراً لتشابك أسبابها الداخلية والخارجية، وتداعياتها التي تجاوزت حدود اليمن لتطال الإقليم والعالم، محذّراً من أن استمرارها دون حل سياسي شامل سيُبقي اليمن ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.
ويوضح هديب أن جذور الأزمة اليمنية تعود إلى عوامل داخلية متراكمة تشمل ضعف النظام السياسي، وتردي الأوضاع الاقتصادية، والانقسامات الاجتماعية، إلى جانب عوامل تاريخية مرتبطة بتكوين المجتمع اليمني وبنيته، وهو ما سهّل التدخل الخارجي والتحكم بمصير اليمن ومستقبله.
ويشير هديب إلى أن هذه العوامل الداخلية شكّلت بيئة خصبة لانفجار الأزمة مع اندلاع ما سُمّي بـ"الربيع العربي"، الذي كشف عن أزمات كامنة داخل الدولة والمجتمع، وأدى إلى إضعاف الحكم المركزي وانقسام الجيش وزيادة هشاشة الدولة.
وفي ما يتعلق بالعوامل الخارجية، يشدد هديب على أن اليمن دفع ثمناً باهظاً لمواقفه الوطنية من قضايا عربية عدة، ما جعله هدفاً لمخططات سياسية إقليمية ودولية هدفت إلى إضعاف وحدته وإعادة صياغته سياسياً واقتصادياً. ويلفت هديب إلى أن فشل المرحلة الانتقالية، التي جاءت بمبادرة خليجية، أسهم بشكل مباشر في تهيئة الظروف لسيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، معتبراً أن هذه السيطرة كانت إحدى إفرازات الربيع العربي وتداعيات التدخلات الإقليمية المتزايدة.
التدخلات الخليجية وتعقيد الصراع..
وينتقد هديب الدور الخليجي في اليمن، مؤكداً أن هذه التدخلات، رغم إعلانها دعم الشرعية، أسهمت في تعقيد الصراع وإطالة أمده، خاصة في ظل الخلافات بين دول الخليج نفسها. ويشير هديب إلى الدور الإماراتي، واصفاً إياه بأنه تعارض مع أهداف السعودية وبقية الدول الخليجية، عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتشكيل وتسليح قوى محلية خارج إطار الدولة الشرعية، ما عمّق الانقسام بين الشمال والجنوب وزاد من هشاشة المشهد السياسي.
ويلفت هديب إلى أن هذه الخلافات الخليجية فتحت المجال أمام تعزيز النفوذ الإيراني في اليمن عبر الحوثيين، ودفعت قوى دولية أخرى للتدخل، بما يفرض رؤى بعيدة عن المصالح العربية واليمنية.
وعن التداعيات بسبب الأزمة اليمنية المتصاعدة خلال العقد الماضي حتى الآن، يؤكد هديب أن الأزمة أفرزت كارثة إنسانية غير مسبوقة، تمثلت في انتشار الجوع والأوبئة ونزوح الملايين، إلى جانب انهيار الاقتصاد وتفكك المؤسسات وتصاعد التهديدات الأمنية، بما في ذلك الهجمات العابرة للحدود وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
ويرى هديب أن الأزمة اليمنية لم تعد شأناً داخلياً، بل تحولت إلى قضية إقليمية ودولية تمس الأمن والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط والعالم، مؤكداً أن حلها السياسي بات ضرورة ملحّة لتجنب مزيد من التصعيد، ولمنع اليمن من البقاء ساحة صراع مفتوحة على حساب الشعب اليمني ومستقبله.
أزمة متراكمة طويلة..
تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. ولاء قديمات أن الأزمة اليمنية تمثل واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا واستمرارية في المنطقة، موضحة أنها ليست نتاج تطورات آنية أو ظرفية، بل نتيجة تراكم طويل لعوامل داخلية وخارجية متشابكة، ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، أسهمت مجتمعة في إضعاف الدولة اليمنية وتحويلها إلى ساحة صراع مفتوحة.
وتبين قديمات أن جذور الأزمة الداخلية تعود إلى طبيعة الفاعلين السياسيين والأمنيين في الساحة اليمنية، واختلال بنية الدولة، وضعف المؤسسات، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عمّقت الانقسامات الداخلية، ما جعل اليمن أكثر قابلية للتدخلات الخارجية. وتشدد قديمات على أن الدور الإقليمي كان حاسمًا في تعقيد المشهد اليمني، سواء من خلال التنافس الإقليمي أو اختلاف مقاربات دول الخليج في التعامل مع التطورات السياسية والأمنية في البلاد.
اليمن وموقعها الجغرافي الاستراتيجي..
وتشير قديمات إلى أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لليمن شكّل عنصر جذب رئيسيًا للصراعات الإقليمية والدولية، لافتة إلى أن الأزمة اليمنية ترتبط بشكل مباشر بمحاولات إيران توسيع نفوذها الإقليمي، بما في ذلك السعي لإخراج اليمن من محيطه الخليجي، واستخدامه كورقة ضغط في معادلات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها الساحة الإيرانية وانعكاساتها على ملفات المنطقة.
وتؤكد قديمات أن الأزمة اليمنية باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن والسلم الإقليمي والدولي، لا سيما في ما يتعلق بأمن الخليج والأمن البحري في البحر الأحمر، لما لذلك من تداعيات اقتصادية وجيوسياسية واسعة النطاق.
هشاشة التحالفات العربية..
وتشير قديمات إلى أن الانقسامات داخل التحالفات اليمنية، إلى جانب التباينات داخل التحالف الإقليمي نفسه، وخصوصًا بين السعودية والإمارات، أسهمت في إطالة أمد الصراع، حيث يتركز الخلاف بين الطرفين حول إدارة الصراع وفق تصورات مختلفة للأمن القومي لكل منهما.
وفي ما يتعلق بانعكاسات الأزمة اليمنية على الواقع العربي، ترى قديمات أن الأزمة في اليمن تكشف بوضوح هشاشة فكرة التحالفات العربية، في ظل غياب رؤية عربية موحدة قادرة على التعامل مع الأزمات الإقليمية بشكل شامل، وربطها بالقضايا العربية الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وتعتبر قديمات أن هذا الفراغ العربي أسهم في تراجع الدور العربي لمصلحة قوى إقليمية أخرى، وفي مقدمتها إيران، إلى جانب تصاعد الحضور العسكري الأمريكي والإسرائيلي، بما يُبقي اليمن ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، ويعقّد فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.
استغلال الفراغ السلطوي في اليمن..
يوضح أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية، د. فادي جمعة، أن الأزمة اليمنية الراهنة ليست وليدة اللحظة، بل تمثل نتيجة لمسار تراكمي طويل بدأ مع فشل عملية الانتقال السياسي التي أعقبت ثورة عام 2011، مؤكداً أن هذا الفشل أضعف الدولة اليمنية ومؤسساتها، وفتح الباب أمام تصاعد الخلافات بين القوى السياسية، وعجز السلطة عن إدارة التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
ويشير جمعة إلى أن تطور الصراع الداخلي قاد إلى تدويله وتحوله إلى حرب ذات أبعاد إقليمية، خاصة بعد التدخل العسكري عام 2015، حين دخلت أطراف إقليمية ودولية لدعم مشاريع سياسية متباينة داخل اليمن، وفي مقدمتها التدخل السعودي الذي جاء في إطار مناهضة حكم الحوثيين ومحاولة إنهاء سيطرتهم.
ويبيّن جمعة أن مسار الصراع شهد لاحقاً تبايناً واضحاً في الرؤى بين أطراف التحالف نفسه، حيث تمسكت السعودية وحلفاؤها برؤية تقوم على الحفاظ على وحدة اليمن، انطلاقاً من اعتبارات أمنية وجيوسياسية، أبرزها أمن الحدود السعودية ورغبة الرياض في تقليص بؤر الصراع في محيطها الإقليمي.
مشروع سياسي في جنوب اليمن..
في المقابل، يشير جمعة إلى بروز مشروع سياسي موازٍ في جنوب اليمن، تقوده قوى مدعومة من الإمارات، يدعو إلى انفصال الجنوب، ما أدى إلى توترات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وبلغ حد المواجهة غير المباشرة بين السعودية والإمارات، كما ظهر في استهداف أسلحة كانت متجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويؤكد جمعة أن تداعيات الأزمة خلال العقد الماضي، كانت كارثية على اليمن، حيث شهدت البلاد انهياراً شبه كامل لمؤسسات الدولة، وتفككاً في السلطات، وتعدد مراكز النفوذ، إلى جانب تفاقم الأزمة الإنسانية غير المسبوقة، ما أضعف النسيج الاجتماعي والسياسي اليمني.
إعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي..
وحول انعكاسات الأزمة اليمنية على الإقليم، يوضح جمعة أنها أسهمت في تعميق حالة عدم الاستقرار الإقليمي، وإعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي في ظل بروز تهديدات غير تقليدية وارتفاع الكلفة العسكرية.
كما تحولت منطقة البحر الأحمر وباب المندب وفق جمعة، إلى بؤرة توتر دولي مرتبطة بأمن الملاحة والتجارة العالمية، إضافة إلى تكريس تدويل الصراع، وكشف هشاشة التحالفات الإقليمية بسبب تضارب الرؤى والمشاريع السياسية.
ويؤكد جمعة أن تعقيد الصراع وفشل الحسم العسكري دفع القوى الإقليمية والدولية إلى البحث عن مسارات دبلوماسية وتهدئة إقليمية، باعتبارها الخيار الأكثر واقعية، ليس فقط لإنهاء الأزمة اليمنية، بل كنموذج للتعامل مع صراعات إقليمية مشابهة.
بيئة خصبة لانفجار الصراع..
يؤكد أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، د. جمال حرفوش، أن الأزمة اليمنية لا يمكن فهمها بوصفها حدثًا طارئًا أو وليد لحظة سياسية عابرة، بل هي نتيجة تراكمات بنيوية عميقة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، تفجّرت ضمن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد.
ويوضح حرفوش أن الداخل اليمني عانى لعقود من ضعف الدولة المركزية وهشاشة مؤسسات الحكم، إلى جانب غياب العدالة في توزيع السلطة والثروة، وتفاقم الانقسامات القبلية والمناطقية، فضلاً عن التدهور المستمر في الأوضاع المعيشية.
ويعتبر حرفوش أن هذه العوامل مجتمعة شكّلت بيئة خصبة لانفجار الصراع المسلح، وأسهمت في تقويض أسس الدولة ووحدتها، وهو ما تجلى بإعادة طرح مفهوم تشكيل دويلات منفصلة عن بعضها البعض.
ويشير حرفوش إلى أن النزاع اليمني سرعان ما تجاوز إطاره المحلي، ليتحول إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي ودولي، تداخلت فيها الحسابات الجيوسياسية والأمنية مع المصالح الدولية، ما أدى إلى تدويل الأزمة وإطالة أمدها، وإبعادها عن مسارات الحلول السياسية الشاملة القائمة على التوافق الوطني.
وحول تداعيات الأزمة اليمنية، يصف حرفوش الوضع في اليمن بـ"الكارثي" على مختلف المستويات، مؤكدًا أن البلاد تواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل انتشار المجاعة، وانهيار شبه كامل في الخدمات الصحية والتعليمية.
تآكل مفهوم الدولة الواحدة..
وعلى الصعيد السيادي والقانوني، يشير حرفوش إلى تآكل مفهوم الدولة الواحدة، وتراجع سلطة القانون، وتعدد مراكز القوة المسلحة، فيما أدى ذلك سياسيًا إلى انسداد الأفق أمام بناء نظام سياسي جامع، وترسيخ منطق القوة بدل الشرعية الدستورية.
ويبيّن حرفوش أن انعكاسات الأزمة اليمنية الجارية لم تعد محصورة داخل حدود البلاد، بل امتدت لتؤثر بعمق في توازنات الإقليم وأمنه الجماعي.
عامل استنزاف إقليمي..
ويوضح حرفوش أن الأزمة شكّلت عامل استنزاف إقليمي، خاصة لدول الجوار وفي مقدمتها السعودية، على المستويين الأمني والاقتصادي، ما أسهم في إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية.
ويؤكد حرفوش أن الصراع عمّق حالة الاستقطاب الإقليمي، لا سيما في ظل التنافس بين محاور إقليمية متصارعة، الأمر الذي انعكس توترًا على ملفات أخرى في المنطقة، مثل العراق وسوريا ولبنان.
وعلى المستوى الدولي، يلفت حرفوش إلى أن الأزمة كشفت ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي الإنساني، حيث تُرفع شعارات حماية المدنيين، بينما تستمر الحروب بالوكالة.
ويؤكد حرفوش أن استمرار الأزمة دون حل سياسي عادل ينذر بتحويل اليمن إلى بؤرة عدم استقرار دائمة، تهدد أمن الملاحة الدولية، وتغذّي التطرف، وتقوّض أي مشروع حقيقي للاستقرار الإقليمي، معتبرًا أن اليمن بات اختبارًا حقيقيًا لإرادة الإقليم والمجتمع الدولي في تغليب الحلول السياسية على منطق السلاح.
أزمة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة..
يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور سهل دياب أن ما يجري في اليمن لا يمكن فهمه بوصفه أزمة داخلية معزولة، بل هو جزء من مشهد إقليمي ودولي شديد التعقيد، يتقاطع فيه الأمن البحري في البحر الأحمر، والتنافس على الممرات الاستراتيجية، والتحولات في العلاقات الخليجية، إلى جانب امتداداته في القرن الأفريقي، بما يشمل الصومال وأرض الصومال والسودان وإثيوبيا، ما يجعل من اليمن قضية إقليمية ذات أبعاد دولية واضحة.
ويوضح دياب أن أحد أبرز أبعاد الأزمة يتمثل في التباينات المتزايدة بين السعودية والإمارات، والتي تعكس أزمة أعمق داخل معسكر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، تتعلق بتباين الرؤى حول شكل الشرق الأوسط المنشود في المرحلة المقبلة.
ويشير دياب إلى أن جوهر هذا الخلاف يرتبط بمفهوم الأمن القومي العربي، حيث تنظر المملكة العربية السعودية إلى ما يجري في اليمن وإمكانية انفصال جنوب اليمن وإعلانه دولة مستقلة، باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وللأمن القومي العربي بشكل عام، في حين ترى الإمارات في الأزمة فرصة لتعزيز موقعها السياسي والجيوسياسي والاقتصادي، واستثمار موقعها في منظومة النفوذ الإقليمي.
ويبيّن دياب أن الإمارات حققت استفادات غير مسبوقة من نتائج الحروب والاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، مستفيدة من تراجع النفوذ الإيراني وحلفائه في بعض الساحات، ومن الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها دول مركزية مثل مصر والأردن، وكذلك من حالة الضعف التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ما دفع أبوظبي إلى السعي لملء الفراغ الإقليمي وتعزيز حضورها كلاعب مؤثر في ملفات متعددة، من بينها الملف اليمني.
ويؤكد دياب أن التعامل مع الأزمة اليمنية لا ينبغي أن يُختزل في مواجهة ثنائية تقودها دولة بعينها، بل يتطلب رؤية عربية وإسلامية شاملة، تشارك فيها دول محورية، وفي مقدمتها مصر والسعودية وتركيا، حيث أن مستوى التقارب أو التباعد بين هذه الدول سيكون له أثر مباشر على مسارات الأزمة اليمنية، وعلى طبيعة الحلول أو مآلات الصراع.
ويشدد دياب على وجود ترابط عضوي وزمني بين ما يجري في اليمن، وما تشهده الساحات الأفريقية من نزاعات في السودان وليبيا وإثيوبيا والصومال، إلى جانب الأزمات العالمية في أوكرانيا وفنزويلا، والتوترات المتصاعدة حول تايوان، والتهديدات المتبادلة مع إيران.
تحديد الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط..
ويعتبر دياب أن عام 2026 سيكون عامًا حاسمًا في تحديد الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، وسيكون عاماً مليئاً بالمفاجآت، الإيجابية والسلبية، سيتحدد وفقه كيفية إدارة القوى الإقليمية والدولية لهذه التحولات المتسارعة، مرجحًا أن يتأثر هذا المسار بشكل كبير بنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وكذلك بالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة.
ويشير دياب إلى أن الصمت الأميركي وعدم التدخل الواضح في الخلافات السعودية–الإماراتية بشأن إمكانية انفصال جنوب اليمن يعكس اهتمام واشنطن بما يجري حاليًا في إطار أهداف استراتيجية بعيدة المدى تتعلق بتغيير الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط.
المصدر:
القدس