الحلقة الثانية
أما المثقفون والكُتّاب السياسيون والمفكّرون، في حركة فتح، فإنهم لم يشكّلوا حالة فكرية قادرة على مواجهة تخريب الوعي الجَمْعي المُمنهج الذي يستخدمه الاحتلال وأدواته، ولم يطوّروا أو يشكّلوا تياراً فكرياً ذا ثقل، يؤسّس لمناعة وطنية مطلوبة، تجعل التساوق مع حالة التعايش مع المحتلّ عملاً مرفوضاً، صعباً بل مستحيلاً
فتح بين مفهوم التحرير ومفهوم التسوية:
ولأسباب ثقيلة، سارت حركة فتح بقدميها وقطعت المسافةَ ما بين "لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف" إلى ما سُمّي "سلام الشجعان والتطبيع مع المحتلّ والاعتراف به وبما احتلّه، وهو أربعة أخماس مساحة فلسطين" دون ثمن ملموس! إن هذا الإنجرار بلا يقين ودون الاحتفاظ بأدوات النضال والثورة، وتقديم مهمة على أخرى، وتبديل فكرة التحرير، بفكرة الدولة، ضيع الفكرتين معاً (التحرير والدولة). أي لم نحقق أيّ شيء ملموس، عدا عن أننا وقعنا تحت سنابك الإبادة والتطهير العِرقي والهضم الاستيطاني.
وهذا لا يعني أنني أغضّ الطرف عمّا يفرضه الواقع من إزاحات، وما تحدثه التحوّلات الدولية والإقليمية من إكراهات وانعطافات، وما تفرزه الذات من عوامل تراجع وخيبات. لكنني أرى أننا تعجّلنا التاريخ، وحرقنا مراحل، ورُحنا إلى قَدرٍ رسمه لنا الآخرون – الأعداء - فذهبنا إليه واستمرأناه لأسباب شخصية، واستسهلنا الأمر، أو اعتقدنا، بشُبهةٍ أو سذاجة، عكس ما هو قائم وحقيقي وكائن.
وحتى لا يكون ما تمّ تحقيقه بديلاً لما نريد "السلطة بديل التحرير"،
إن حركة فتح ضرورة وطنية، وإصلاح حركة فتح واستنهاضها على أسس وطنية، ضرورة ومدخل لاستنهاض المشروع الوطني، مشروع الكلّ الفلسطيني..فمسؤوليتها أكبر من مسؤولية الآخرين، والرهان عليها أكبر وأهم من رهان الشعب على الآخرين من أحزاب وحركات فلسطينية أو على أصحاب المحاور والمشاريع العربية والإقليمية.
ونعترف؛ بأن ثمة أخطاء قد وقعت، وأن تجاوزات قد حدثت، وأن خروجا جارحاً واضحاً قد تمّ على مبادئ فتح واستراتيجياتها التي كانت تتغيّاها.. لهذا لا بدّ من المكاشفة والمصارحة، على قاعدة النقد الذاتي المسؤول والحريص المنتمي. وقد اعترف العشرات من كوادر الحركة بأن المسيرة الفتحاوية لم تكن بلا أخطاء. فـ «فتح» حركة تحرر قائمة ومؤسَّسَة على فكرة المواجهة مع الاحتلال،وفي اللحظة التي تنتهي المواجهة يزول سبب وجود الحركة -عملياً-.
وأعتقد أن أكبر أخطاء الحركة تمثّل في التنازل عن حقوق غير قابلة للتصرّف (78بالمئة من أرض فلسطين) والهبوط بالثوابت (دولة في الضفة والقطاع)، وعدم اعتماد مبدأ المأسسة، والسماح باستشراء الفساد بكل صوره، والاعتراف بالقاتل قبل نيل الحقوق. أما ما تبقى فهي أخطاء، تبدأ ولن تنتهي..لكن أبرزها، الآن، يتمثّل في: عدم تحرير فتح من قيود السلطة، لأن حركة فتح ليست نتاجاً للتسوية ولا يجوز إخضاعها لاستحقاقاتها، وخصوصاً بعد أن خرجت تسوية أوسلو عن مسارها وأهدافها الأولى.
كما انعكس غياب الرؤية السياسية والفكرية عند القيادة العليا سلباً على القاعدة،حيث تتخبط القاعدةُ الفتحاوية سياسياً وفكرياً، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها في مواجهة خصوم «فتح» لأنها لا تعرف ما يجري،وبالتالي يعتمد كل فتحاوي على اجتهاده الخاص.
من الضروري التفكير بهامش من الاستقلالية بين حركة فتح من جانب، والسلطة واستحقاقاتها والتزاماتها من ناحية المواقف والرؤية السياسية من جانب آخر، لأن إخضاع حركة فتح للسلطة والتزاماتها يُخرج حركة فتح من كينونتها، ويتعارض مع مبادئها. التداخل بين السلطة وحركة «فتح» وهيمنة الأولى على الثانية يشكّلان سبباً مهماً في إعاقة استنهاض حركة فتح وفي ضبابية الرؤية عند أبناء الحركة وفي فقدان الحركة مصداقيتها عند الجماهير العربية والإسلامية. ولأن الصراع على السلطة يدمّر حركة فتح.
وعلى الرغم من وجود خلافات داخل حركة فتح، فإنها ما زالت الفصيل الأكبر والأكثر تماسكاً. وكل ذلك لا يمنح شرعية دائمة وثابتة لحركة فتح، ولا يعطيها الأسبقية دائماً على غيرها من القوى والحركات السياسية. «فتح» تحتاج - بالإضافة إلى ما سبق كي تستحق وتتصدّر المشهد السياسي النضالي والتعبير عن نبض الشعب وتطلعاته والاستمرار في قيادة المشروع الوطني - إلى ثورة داخل الثورة، إلى النهوض من جديد وإعادة تفكيك وتركيب، وإعادة الاعتبار إلى دورها كحركة تحرر وطني، تنسلّ من القيود التي تكبّلها، ومن وَهْم التسوية مع المحتلّ، لتتقدم خَطَّ المقاومة والثورة، ضد الاحتلال، على طريق الحرية والاستقلال.
المصدر:
القدس