متابعة الحدث
صادقت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، برئاسة بنيامين نتنياهو، خلال ديسمبر/كانون الأول 2025، على اتفاق موسّع لتصدير الغاز الطبيعي من حقل "لفياثان" إلى مصر، في صفقة وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ إسرائيل من حيث الحجم والقيمة. وبموجب الاتفاق، ستُصدّر إسرائيل نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز حتى عام 2040، بقيمة تُقدَّر بنحو 35 مليار دولار، مستندة إلى تراجع الإنتاج المصري المحلي وارتفاع الطلب الداخلي، وإلى موقع مصر كمركز إقليمي لتسييل الغاز وإعادة تصديره إلى أوروبا. في الخطاب الرسمي الإسرائيلي، يُقدَّم الاتفاق باعتباره إنجازا اقتصاديا واستراتيجيا يعزّز مكانة إسرائيل الإقليمية، ويؤمّن عائدات ضريبية ضخمة للخزينة، ويكرّس الغاز كمحرّك رئيسي للاقتصاد خلال العقدين المقبلين.
غير أن هذه الصفقة لم تمر داخليا من دون نقاش، إذ برزت في إسرائيل مخاوف متزايدة من أن يؤدّي التوسع الكبير في التصدير إلى تقليص هامش الأمان الطاقي للسوق المحلية، لا سيما أن أكثر من 70% من إنتاج الكهرباء في إسرائيل يعتمد على الغاز الطبيعي. ويجادل منتقدو الاتفاق بأن الالتزامات التصديرية الطويلة الأمد قد تقيّد قدرة إسرائيل على امتصاص الصدمات المستقبلية، سواء تلك المرتبطة بارتفاع الطلب المحلي، أو بتأخّر تطوير حقول جديدة، أو بظروف إقليمية قد تؤثر على الإنتاج والنقل. ورغم تضمين الاتفاق بنودا تؤكد أولوية السوق المحلية وسقوفا سعرية للغاز المباع داخليا، إلا أن التجربة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن وفرة الغاز لم تمنع ارتفاع أسعار الكهرباء، وأن التوتر بين منطق الربح التجاري وحماية المستهلك ما زال قائما، كما تعكسه النزاعات المتكررة بين شركة الكهرباء الإسرائيلية وشركات استخراج الغاز.
تنبع هذه المخاوف أيضا من آلية انتقال سعر الغاز إلى تعرفة الكهرباء في إسرائيل. فشركة الكهرباء الإسرائيلية تشتري الغاز بموجب عقود طويلة الأمد مرتبطة بمؤشرات سعرية عالمية، ثم تُحتسب كلفة الوقود ضمن معادلة التعرفة التي تقرّها الهيئة الناظمة للكهرباء. وأي ارتفاع في كلفة الغاز، حتى لو كان تدريجيا أو مؤجلا، ينعكس لاحقا على التعرفة، سواء مباشرة أو عبر ما يُسمّى “تعديلات استدراكية”. وعليه، فإن توسّع التصدير، حتى مع الضمانات الرسمية، يبقى عاملا ضاغطا على منظومة التسعير، خصوصا إذا تعارضت مصالح الدولة كمصدّر مع دورها كمنظّم يحمي المستهلك.
هذا النقاش، الذي يدور في إسرائيل ضمن إطار كيان يملك أدوات القرار والتنظيم والقدرة على امتصاص الصدمات، يكتسب أبعادا مختلفة جذريا عند النظر إلى انعكاساته على الفلسطينيين. فالضفة الغربية تعتمد على استيراد ما يزيد عن 85% من احتياجاتها من الكهرباء من شركة الكهرباء الإسرائيلية، في ظل غياب شبه كامل لأي سيطرة فلسطينية على منظومة الطاقة، سواء على مستوى التوليد أو النقل أو التحكم. ولا يقتصر هذا الاعتماد على شراء الكهرباء فحسب، بل يمتد إلى التحكم بنقاط الربط، وتحديد القدرات القصوى، وإدارة التردد، وضبط أوقات الذروة، وصولا إلى استخدام فاتورة الكهرباء أداة ضغط مالي تُترجم في كثير من الأحيان إلى اقتطاعات مباشرة من أموال المقاصة.
لهذا السبب، فإن أي ارتفاع في أسعار الكهرباء داخل إسرائيل، سواء كان مرتبطا باتفاق الغاز مع مصر أو بعوامل أخرى، ينعكس تلقائيا على الفلسطينيين، دون أن تكون لهم أي قدرة على التأثير أو التفاوض. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال عام 2025، حين اضطرت الحكومة الفلسطينية إلى رفع تعرفة الكهرباء بنسبة كبيرة، مبررة الخطوة بارتفاع كلفة الشراء من الجانب الإسرائيلي، قبل أن تتحمل الخزينة جزءا من الزيادة لتخفيف العبء عن المواطنين. لكن هذا النموذج، القائم على الدعم المؤقت، لا يمكن استدامته في ظل أزمة مالية مزمنة، ما يجعل أي ارتفاع إضافي في الأسعار الإسرائيلية عبئا مؤجلا لا أكثر، يعود للظهور عند أول اهتزاز مالي.
ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الكهرباء على المستهلك المنزلي فقط، بل يمتد إلى بنية الاقتصاد الفلسطيني ككل. فالبلديات تتحمّل كلفة تشغيل مضخات المياه والصرف الصحي، والمستشفيات والمؤسسات العامة تعتمد على الكهرباء بشكل أساسي، كما أن أي ارتفاع في التعرفة ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج في المصانع وورش العمل. وفي اقتصاد هشّ يعاني أصلا من قيود الحركة والاستيراد، يتحول ارتفاع الكهرباء إلى عامل إضافي يضغط على الأسعار، ويحدّ من القدرة التنافسية، ويعمّق التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.
في مواجهة هذا الواقع، تُطرح الطاقة الشمسية بوصفها البديل الفلسطيني الممكن، وغالبا ما ينظر إليها المستوى الرسمي بتشكك، إما باعتبارها حلا غير كافٍ، أو باعتبارها خيارا تقنيا محدود الأثر. غير أن هذا التشكيك يغفل حقيقة أساسية: أن الطاقة الشمسية لا تُقاس في الحالة الفلسطينية بقدرتها على تحقيق استقلال كامل، بل بكونها الخيار الوحيد الذي لا يزال مفتوحا نسبيا في ظل انسداد بقية المسارات. فجميع البدائل الأخرى، من توليد تقليدي واسع النطاق، أو استيراد إقليمي، أو غاز طبيعي، تصطدم مباشرة بقيود سياسية وأمنية إسرائيلية تجعلها إما مستحيلة التنفيذ، أو خاضعة بالكامل لإرادة الاحتلال.
تكمن أهمية الطاقة الشمسية هنا في طبيعتها اللامركزية. فأنظمة الأسطح على المنازل، والمصانع، والمؤسسات العامة، أقل احتكاكا بالقيود الإسرائيلية من المشاريع الكبرى، وأكثر قدرة على التوسع التدريجي دون انتظار موافقات سياسية شاملة. وتشير تقديرات سلطة الطاقة الفلسطينية إلى أن استغلال أسطح المباني القائمة فقط يمكن أن يضيف مئات الميغاواط على المدى المتوسط، وهو رقم لا يغيّر المنظومة كليا، لكنه كفيل بتقليص ملموس في حجم الاستيراد من إسرائيل. وكل كيلوواط يُنتج محليا هو كيلوواط أقل شراءً، وأموال أقل تُستنزف من الخزينة، ومساحة أقل للاقتطاع من المقاصة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل العامل الداخلي الفلسطيني. فإلى جانب قيود الاحتلال، ساهم التردد وغياب الإرادة السياسية الواضحة في التعامل مع ملف الطاقة بوصفه ملف سيادة وتنمية، لا مجرد ملف تقني لإدارة أزمة، في إبطاء الاستثمار الجدي في الطاقة الشمسية. فقد اكتفت الحكومات الفلسطينية المتعاقبة بمشاريع محدودة النطاق، ومالت إلى تضخيم أثرها إعلاميا، دون تبني سياسة طويلة الأمد تهدف إلى تعظيم هذا الخيار باعتباره المسار العملي الوحيد المتاح. هذا التردد لم يخلق التبعية، لكنه ساهم في إدارتها بدل العمل المنهجي على تقليصها.
وإلى جانب القيود السياسية والإدارية، هناك جملة من العراقيل التشريعية التي تُعيق الانتقال الفعلي نحو الطاقة الشمسية على نطاق واسع. فالقانون الأساسي المنظّم لقطاع الكهرباء والطاقة المتجددة في فلسطين لا يزال غامضا ومجزّأ، مما يترك ثغرات تستغلها جهات متعددة لإبطاء تنفيذ المشاريع. لا توجد حتى الآن قانون واحد موحّد للطاقة المتجددة يُحدّد بوضوح آليات الربط بالشبكة، وشروط التراخيص، ومعايير الحوافز المالية والتغذية العكسية، ما يخلق بيئة تنظيمية غير مستقرة للمستثمرين المحليين والدوليين في هذا القطاع الحيوي.
وقد أكدت تقارير عدة أنه بالرغم من صدور إطار استراتيجي للطاقة 2025–2030، إلا أن القوانين التنفيذية المكملة لهذا الإطار لم تخرج بعد إلى حيز التطبيق بسبب تعقيدات التشريع وعدم توافق الجهات المعنية على نصوص واضحة، ما أدّى إلى تأخير إصدار تراخيص لمشاريع جديدة وتأخر تمكين الشركات من الربط الفعلي بالشبكة العامة. كما أن قانون الكهرباء الفلسطيني، الذي يعود تعديله الأصلي إلى ما قبل عقد من الزمان، لا يتضمن آليات واضحة وداعمة لتغذية الطاقة المتجددة في الشبكة، ولا يوفر حماية تشريعية للمستثمرين في حال تغيّر السياسات أو تذبذب أسعار الشراء، ما يزيد من المخاطر ويثبط الاستثمار في الطاقة الشمسية. والأهم، هو عدم وجود آليات تشريعية تلزم شركات التوزيع بقبول مشاريع التغذية العكسية بشروط عادلة ومنصفة، ما يجعل التحوّل نحو أنظمة مستقلة جزئيا صعبا من منظور عائد الاستثمار.
في المحصلة، لا يشكّل اتفاق الغاز بين إسرائيل ومصر تأثيرا سلبيا على الفلسطينيين فقط لأنه قد يساهم في رفع أسعار الكهرباء، بل لأنه يعمّق موقع إسرائيل كمزوّد طاقة إقليمي، ويكرّس الفلسطيني كمستهلك بلا قرار، أكثر انكشافا لأي تحوّل في السوق الإسرائيلية. وفي مواجهة هذا الواقع، لا تبدو الطاقة الشمسية خيارا مثاليا ولا حلا كاملا، لكنها الحل الوحيد الممكن واقعيا ضمن ميزان القيود القائم. فهي المسار الوحيد الذي يسمح بتقليص الطلب على الكهرباء الإسرائيلية من الأساس، ولو تدريجيا، ومن دون انتظار تسويات سياسية كبرى.
قد لا تمنح الطاقة الشمسية الفلسطينيين سيادة كهربائية كاملة، لكنها تمنحهم ما هو أقل طموحا وأكثر واقعية: هامش قرار، ومساحة صمود، وقدرة على تقليص الارتهان بدل الاستسلام له. وفي ظل انسداد البدائل الأخرى، فإن أي استراتيجية فلسطينية جادة للتعامل مع تداعيات اتفاقات الغاز وارتفاع أسعار الكهرباء مستقبلا، لا يمكن أن تتجاوز هذا الخيار، بل يجب أن تبني عليه، وتوسّعه، وتتعامل معه باعتباره استثمارا اقتصاديا وسياسيا في آن واحد، لا مجرد حل تقني مؤقت.
المصدر:
الحدث