في الوقت الذي يلتقي فيه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتجع مار-آ-لاغو بولاية فلوريدا، الاثنين، 29 كانون الأول 2025، لبحث الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، كانت الوقائع الميدانية على الأرض تشير إلى تصاعد الانتهاكات وتدهور الأوضاع الإنسانية، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى المسار السياسي المطروح وقدرته على الصمود.
اللقاء، الذي يأتي في ظل ضغوط أميركية لإحياء مسار التهدئة، تزامن مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في أكثر من ساحة، رغم سريان وقف إطلاق النار منذ 10 تشرين الأول 2025. ووفق معطيات رصد ميداني، نفذت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ما لا يقل عن 969 خرقاً للهدنة خلال هذه الفترة، أسفرت عن مقتل 418 فلسطينياً، في مؤشر على هشاشة الاتفاق واستمرار التعامل معه كإطار شكلي أكثر منه التزاماً عملياً.
وفي قطاع غزة، تتفاقم الأزمة الإنسانية بوتيرة متسارعة نتيجة القيود المفروضة على دخول المساعدات. فمن أصل نحو 48 ألف شاحنة مساعدات تُقدَّر الحاجة إليها لتلبية الحد الأدنى من متطلبات السكان، لم يُسمح بدخول سوى 19,764 شاحنة فقط. هذا النقص الحاد انعكس مباشرة على توفر الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب والوقود، ما أدى إلى شلل واسع في الخدمات الأساسية، خصوصاً في القطاع الصحي الذي يعمل في ظروف طوارئ مستمرة مع نقص حاد في المستلزمات الطبية والطاقة.
ويحذر عاملون في المجال الإنساني من أن استمرار هذه القيود يدفع غزة نحو حالة انهيار كامل، في ظل اعتماد مئات الآلاف من السكان على المساعدات للبقاء على قيد الحياة، وتفاقم معاناة العائلات النازحة التي تعيش في مراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، لا سيما مع تدهور الأوضاع البيئية والصحية.
في موازاة ذلك، شهدت الضفة الغربية المحتلة تصعيداً ميدانياً ملحوظاً. فقد نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي مساء الأحد عمليات دهم متزامنة في مناطق قرب رام الله وجنين، بحسب مصادر محلية وأمنية فلسطينية. وشهدت هذه العمليات انتشاراً عسكرياً واسعاً وإغلاق طرق واقتحام منازل، في سياق بات شبه يومي ويؤدي إلى رفع منسوب التوتر والاحتكاك مع السكان الفلسطينيين.
وفي مدينة طولكرم، أُصيب مواطن فلسطيني بعدما صدمت آلية عسكرية إسرائيلية سيارته، وفق ما أفادت به مصادر محلية لوكالة الأنباء الفلسطينية "وفا". ولم تتضح ملابسات الحادث بشكل كامل، إلا أنه يضاف إلى سلسلة من الحوادث التي يتعرض فيها المدنيون للأذى خلال تحركات القوات الإسرائيلية داخل المدن الفلسطينية.
إلى جانب العمليات العسكرية، تتواصل اعتداءات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية. ففي منطقة خلة السدرة، قرب بلدة مخماس شمال-شرق القدس المحتلة، هاجم مستوطنون تجمعاً بدوياً مساء الأحد، وقاموا بتخريب ممتلكات السكان، بحسب مسؤولين فلسطينيين. وتأتي هذه الاعتداءات في سياق متكرر يستهدف التجمعات البدوية بشكل خاص، وسط اتهامات بأن الهدف هو دفع السكان إلى الرحيل القسري عن أراضيهم.
وفي القدس الشرقية، أفادت مصادر فلسطينية أن مستوطنين قطعوا نحو 40 شجرة زيتون خلال ساعات الليل. وتُعد أشجار الزيتون رمزاً اقتصادياً وثقافياً للفلسطينيين، ويشكل استهدافها ضربة مباشرة لمصادر رزقهم، في ظل غياب المساءلة عن مثل هذه الاعتداءات.
التوتر لم يقتصر على الأراضي الفلسطينية، إذ امتد إلى الجبهة السورية. فقد ذكرت وسائل إعلام رسمية سورية أن قوات الاحتلال ألإسرائيلي احتجزت خمسة شبان من محافظة درعا أثناء قيامهم بجمع الفطر في أراضٍ زراعية قرب بلدة كودنا في ريف القنيطرة الجنوبي. ويعكس هذا الحادث استمرار حالة الاحتكاك في المناطق المحاذية لخط وقف إطلاق النار في الجولان المحتل.
وفي الداخل الإسرائيلي، بدأت تداعيات الحرب تنعكس على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. فقد أظهر تقرير حديث ارتفاع طلبات الانتقال إلى الخارج من قبل إسرائيليين يعملون في شركات متعددة الجنسيات داخل إسرائيل خلال العام الماضي. ويعزو التقرير هذا التوجه إلى القلق الأمني، وعدم اليقين الاقتصادي، والضغوط النفسية الناجمة عن استمرار الحرب على غزة واتساع رقعة التوتر الإقليمي.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الحديث عن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار يجري في سياق سياسي منفصل إلى حد كبير عن الواقع الميداني. فبينما تُطرح خطط للتهدئة وتثبيت الهدنة، تستمر الانتهاكات والعمليات العسكرية والاعتداءات على المدنيين، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول فرص نجاح أي مسار سياسي لا يستند إلى تغيير فعلي في السياسات على الأرض.
ويعكس التناقض بين المسار السياسي المعلن والواقع الميداني القائم فجوة متزايدة بين الخطاب والممارسة. فبينما تُناقَش المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في الغرف المغلقة، تستمر الانتهاكات على الأرض بوتيرة شبه يومية. هذا الواقع يوحي بأن الهدنة تُستخدم كأداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، ما يفرغها من مضمونها القانوني والإنساني، ويُبقي المدنيين الفلسطينيين في دائرة الاستهداف الدائم دون أفق واضح للحماية أو المحاسبة.
ويعتقد الخبراء أنه لا يمكن فصل الأزمة الإنسانية في غزة عن السياق السياسي الأوسع، إذ باتت المساعدات تُدار كملف تفاوضي لا كالتزام إنساني. وبحسب هؤلاء، فإن استمرار القيود على دخول الإغاثة، رغم التحذيرات الدولية، يشير إلى مقاربة تقوم على الضغط الجماعي بدلاً من الحلول المستدامة. وفي ظل غياب آليات رقابة فاعلة، تتحول معاناة السكان إلى عنصر ثابت في معادلة الصراع، ما يهدد بتكريس واقع إنساني هش طويل الأمد يصعب احتواؤه مستقبلاً.
المصدر:
القدس