في مشهد مدروس بعناية، غادر رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو مطار بن غوريون متوجهاً إلى فلوريدا يوم الأحد، حيث يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتجع مارالاغو، في زيارة تبدو في ظاهرها دبلوماسية روتينية، لكنها تحمل في جوهرها الكثير من المناورات السياسية ومحاولات كسب الوقت. فاختيار نتنياهو السفر من دون مرافقة صحفية، وامتناعه عن الإدلاء بأي تصريح قبل المغادرة، لا يمكن فصله عن إدراكه لحساسية اللحظة، ولا عن رغبته في إدارة الرسائل بعيداً عن الأضواء، خصوصاً في ظل ضغوط أميركية متزايدة لدفعه نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة.
هذه القمة، وهي الخامسة بين الرجلين منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية (20 كانون الثاني 2025)، تأتي في وقت تحاول فيه واشنطن تثبيت مسار سياسي وأمني جديد لغزة، يقوم على تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية، ونشر قوة استقرار دولية، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع. غير أن نتنياهو، المعروف بإتقانه سياسة المماطلة، يتعامل مع هذه الطروحات باعتبارها عبئاً سياسياً داخلياً أكثر منها فرصة استراتيجية، ما يجعله يميل إلى إبقائها في دائرة النقاش المفتوح من دون الالتزام الواضح بها.
حتى الآن، لم تُوقّع إسرائيل وحركة حماس رسمياً على المرحلة الثانية من الاتفاق، في ظل تبادل الاتهامات بخرق المرحلة الأولى. صحيح أن حماس لم تُعد بعد جثة أحد الرهائن، لكن في المقابل ترفض إسرائيل فتح معبر رفح في الاتجاهين، مكتفية بالسماح بحركة الخروج فقط. هذا التوازن المختل في تنفيذ الالتزامات يعكس محاولة نتنياهو الإبقاء على أوراق ضغط ميدانية، واستخدام التفاصيل الإنسانية كأدوات تفاوض، لا كاستحقاقات قانونية أو أخلاقية.
في هذا السياق، يبدو نتنياهو حريصاً على إعادة توجيه بوصلة النقاش مع ترمب نحو ملفات إقليمية أوسع، وعلى رأسها إيران وحزب الله. فإسرائيل تروّج لمخاوف من أن طهران تعيد بناء وتوسيع برنامجها للصواريخ الباليستية بعد حرب الأيام ألاثني عشر في حزيران الماضي، كما تلوّح باستئناف الحرب مع حزب الله إذا لم تلتزم الحكومة اللبنانية بنزع سلاحه وفق الجدول الزمني الأميركي. غير أن هذه اللغة التصعيدية تخدم، عملياً، هدفاً واحداً: تبرير تعطيل أي ضغط أميركي جدي في ملف غزة بحجة الأولويات الأمنية الأوسع.
اللافت أيضاً أن جدول أعمال نتنياهو في فلوريدا يبدو محدوداً إلى حد يثير التساؤل. فإلى جانب لقائه ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو، لا يملك رئيس وزراء إسرائيل مواعيد سياسية مكثفة، بل يخصص وقتاً للقاء قادة إنجيليين وفعاليات مع شخصيات يهودية ومجتمعية. هذا الاختيار ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يعكس سعيه الدائم لتعزيز قاعدته الداعمة داخل الولايات المتحدة، والالتفاف على أي ضغوط رسمية عبر الاستثمار في شبكات التأثير الديني والسياسي.
في المحصلة، تبدو زيارة نتنياهو أقرب إلى مناورة سياسية محسوبة منها إلى محاولة حقيقية لدفع مسار التسوية. فهو يسعى إلى إظهار نفسه شريكاً لواشنطن، من دون أن يقدم التنازلات المطلوبة، ويستخدم التصعيد مع إيران وحزب الله كذريعة لإبقاء غزة في حالة "اللاحسم"، حيث لا حرب شاملة ولا سلام فعلي. هذه المنطقة الرمادية هي البيئة المثالية لنتنياهو، لأنها تسمح له بالهروب من الاستحقاقات الداخلية والخارجية في آن واحد.
ما يقوم به نتنياهو ليس مجرد إدارة أزمة، بل إعادة إنتاج متعمدة لحالة عدم الاستقرار. فهو يدرك أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار يعني فتح نقاش سياسي حول مستقبل غزة، وهو نقاش يهدد تماسك ائتلافه اليميني. لذلك يفضّل الإبقاء على الاتفاق معلقاً، مستخدماً الخروقات المتبادلة ذريعة، بينما يحمّل الطرف الآخر المسؤولية الكاملة أمام المجتمع الدولي.
في المقابل، يبدو ترمب مستعداً لغضّ الطرف عن هذه المناورات ما دامت لا تصطدم مباشرة بأجندته الأوسع. فالعلاقة الشخصية مع نتنياهو، والاعتبارات الانتخابية الداخلية، تجعل الضغط الأميركي محدود السقف. والنتيجة أن غزة تبقى رهينة لعبة شد الحبال، حيث تُستخدم الملفات الإنسانية والأمنية كورقة مساومة، لا كقضية تستدعي حلاً عاجلاً وعادلاً.
المصدر:
القدس