آخر الأخبار

فلسطيني يكتشف تحويل البول إلى سماد

شارك

الحدث – ابراهيم أبو كامش/الخطيب

انجاز علمي نوعي وغير مسبوق على المستوى العالمي يحققه الطالب الفلسطيني عبد الحميد محمد الأحمد من بلدة كفر الديك/سلفيت بحصوله على درجة الدكتوراه من الجامعات السويدية في الهندسة البيئية، والتي استهدفت إعادة التفكير في معالجة مياه الصرف الصحي: كيف يمكن لتحويل البول إلى سماد أن يغيّر إدارة المياه والزراعة؟.

تتناول رسالة دكتوراه الأحمد، قضية بيئية وزراعية عالمية ذات أبعاد مباشرة على حياتنا اليومية، وهي كيفية إدارة المغذّيات مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم بطريقة أكثر استدامة، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بتغير المناخ، وتلوث المياه، وارتفاع كلفة الأسمدة.

إعادة التفكير في معالجة مياه الصرف الصحي

تحمل الرسالة عنوان: "إعادة التفكير في معالجة مياه الصرف الصحي: تقييم الاستدامة لأنظمة إعادة تدوير المغذّيات من مياه الصرف الصحي".

يقول د. الأحمد في مقابلة خاصة بـ (الحدث): "تفتقر أنظمة الصرف الصحي التقليدية إلى القدرة على مواجهة المشاكل البيئية الناشئة مثل تغير المناخ والتخثث (Eutrophication) - هو عملية إثراء المسطحات المائية بالمواد المغذية مثل النيتروجين والفوسفور، مما يؤدي إلى نمو مفرط للطحالب والنباتات المائية، ثم موتها وتحللها، وهو ما يستنزف الأكسجين في الماء ويخلق "مناطق ميتة"، ويحدث طبيعيا ببطء، ولكنه يتسارع بشكل كبير بفعل الأنشطة البشرية (التخثث الثقافي) مثل الجريان السطحي الزراعي والمخلفات الصناعية، مسببا اضطرابا بيئا واسع النطاق)، مما يؤثر سلبا على تحقيق أهداف التنمية المستدامة والاقتصاد الدائري."

البول يحتوي على معظم مغذّيات الزراعة

ويتابع د.الأحمد:"في أنظمة الصرف الصحي التقليدية، يتم خلط البول مع بقية مياه الصرف، رغم أن البول يشكّل جزءًا صغيرًا (أقل من١٪) من الحجم الكلي، لكنه يحتوي على معظم المغذّيات التي نحتاجها في الزراعة".

ويبين أنه بعد الخلط، تُنفق كميات كبيرة من الطاقة والمواد الكيميائية في محطات المعالجة لإزالة هذه المغذّيات، حيث يُعاد النيتروجين غالبًا إلى الغلاف الجوي على شكل غازات، بينما نستمر في إنتاج أسمدة جديدة باستخدام عمليات صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

ويؤكد د.الأحمد، بأن هذا النهج يؤدي إلى فقدان المغذّيات بدل الاستفادة منها، انبعاثات مناخية مرتفعة، وتلوث المياه بسبب المغذّيات التي لا يتم التحكم بها بشكل كامل.

فصل البول عند المصدر باستخدام مراحيض مصممة خصيصًا

ويقول:"تعتمد التكنولوجيا التي تم تحليلها في رسالة الدكتوراه على فصل البول عند المصدر باستخدام مراحيض مصممة خصيصًا، ثم معالجته لإنتاج سماد زراعي آمن وغني بالمغذّيات".

واضاف مستدركا:"تمر العملية بعدة مراحل رئيسية: تبدء بجمع البول بشكل منفصل ثم يتم تثبيته كيميائيًا إذ يتم التحكم في تحلل مادة اليوريا داخل البول لمنع فقدان النيتروجين، وذلك عبر إضافة كميات مدروسة من الأحماض. ثم يتم تركيزه وتجفيفه عبر إزالة معظم الماء باستخدام تقنيات حرارية أو منخفضة الطاقة، ما يقلل الحجم بشكل كبير ويسهّل التخزين والنقل.

النتيجة: سماد يحتوي على النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم

ويؤكد د. الأحمد، أن الناتج النهائي هو سماد يحتوي على النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، قريب في خصائصه من الأسمدة المعدنية المستخدمة في الزراعة.

ثلاث أدوات علمية متكاملة اعتمدتها الرسالة:

واشار د.الأحمد أن رسالته اعتمدت على ثلاث أدوات علمية متكاملة، اولا: تقييم دورة الحياة البيئية لقياس الأثر المناخي واستهلاك الطاقة والانبعاثات الناتجة عن النظام والعمل على تحسينه وتطوير التصميم وتكويناته لتعزيز الاستدامه وتحديد أفضل موقع للمعالجة مقارنه بالحلول التقليدية.

وثانيا: تم تحليل أنظمة الابتكار التقني لفهم العوائق التنظيمية والمؤسسية والاجتماعية التي تحد من انتشار هذه الحلول.

وثالثا: تم عمل نمذجة ديناميكيه للنظام العام لدراسة تأثير السياسات، وجودة التشغيل، وثقة المستخدمين على تبني هذه التكنولوجيا على المدى الطويل.

أهم النتائج

يقول د.الأحمد لـ(الحدث) :"أظهرت النتائج أن تكنولوجيا تدوير البول يمكن أن تقلل بشكل ملموس من الانبعاثات المناخية، خاصة عند استخدام تقنيات تركيز وتجفيف فعّالة. كما ويلعب هذا النظام دورا كبيرا في الحد من تخثث المياه وتلوثها بالمغذيات، كما بيّنت الدراسة أن التحدي الأكبر ليس تقنيًا فقط، بل مؤسسي وتنظيمي، حيث لا تزال هذه الأسمدة تفتقر إلى الاعتراف القانوني الواضح في كثير من الدول".

ويتابع قائلا:"أوضحت النمذجة الديناميكية أن الدعم السياسي، وجودة الخدمة، وقبول المستخدمين عوامل حاسمة لنجاح هذه الأنظمة".

ويؤكد أن الرسالة خلصت إلى أن هذا النهج يمكن أن يقلل الاعتماد على الأسمدة الصناعية ويحد من تلوث المياه. كما ويوفر الأمن الغذائي وخاصة في البلدان التي تعتمد على واردات الأسمدة، حيث أن هذه الواردات حساسة جيوسياسياً، إذ ترتفع أسعارها في الأوقات غير المستقرة، تُعدّ جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية مثالين جيدين على الارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة عالميا.

ماذا يعني هذا لفلسطين؟

يقول د. الأحمد:"ورغم أن هذه الرسالة والدراسات المرتبطة بها أُنجزت في السياق السويدي والأوروبي، حيث تتوفر بنى تحتية متقدمة وأطر تنظيمية مستقرة، إلا أن نتائجها لا تقتصر على هذا السياق فقط. على العكس، فإن كثيرًا من الاستنتاجات تصبح أكثر أهمية وإلحاحًا في الدول التي تعاني من شح المياه، وارتفاع كلفة الأسمدة، وضغوط متزايدة على الموارد الطبيعية."

وفي هذا الإطار، يتابع قائلا:"يبرز الواقع الفلسطيني بوصفه مثالًا واضحًا على الحاجة إلى حلول مبتكرة في إدارة المياه والمغذّيات. إذ تواجه الزراعة في فلسطين تحديات مركبة، تشمل محدودية الموارد المائية، والاعتماد الكبير على الأسمدة المستوردة، وتدهور جودة التربة والمياه بفعل التلوث".

وأضاف الأحمد مستدركا:" وهنا، يمكن لأنظمة فصل البول وإعادة تدويره أن تشكّل فرصة عملية لإعادة التفكير في الصرف الصحي كمورد محلي، يساهم في تقليل الضغط على المياه، وتوفير مصدر مغذّيات بديل للزراعة، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد ضمن حدود الواقع القائم".

ودعا د.الأحمد، لإعادة التفكير في أنظمتنا اليومية، وفي كيفية التفكير بالموارد التي تمر عبرها. وقال"فحين نربط العلم بالواقع، وننظر إلى الاستدامة كمنظومة متكاملة تشمل التقنية والسياسة والسلوك، يمكن للمعرفة أن تتحول إلى أداة حقيقية لخدمة الإنسان والأرض".

خلاصة

يقول د. الأحمد:"هذا البحث العلمي، هو دعوة هندسية–بيئية لإعادة التفكير في أنظمة الصرف الصحي بوصفها جزءًا من منظومة الموارد، لا مجرد بنية للتخلص من الفضلات. فحين نربط التحليل التقني بالتقييم البيئي طويل الأمد، ونضع التصميم والتشغيل في سياق الاستدامة، يمكن للمعرفة العلمية أن تتحول إلى أداة حقيقية لخدمة الإنسان والأرض".

وتفتح نتائج هذه الرسالة المجال أمام مزيد من البحث والتطوير في تصميم أنظمة صرف صحي تُبنى منذ البداية على مبدأ استرداد الموارد، لا على منطق الإزالة فقط. ويشمل ذلك تحسين تقنيات التركيز منخفضة الطاقة، ودمج استرداد المغذّيات مع استراتيجيات إدارة المياه والطاقة، وتطوير أطر تنظيمية تستند إلى الأداء البيئي للنظام ككل.

وبهذا، لا تُقدّم الرسالة حلًا تقنيًا منفردًا، بل إطارًا هندسيًا–بيئيًا لإعادة التفكير في الصرف الصحي كجزء من منظومة الموارد، حيث يُعاد تعريف الفضلات بوصفها تدفقات يمكن إدارتها، لا أعباء يجب التخلص منها. وعندما يُدمج التحليل التقني مع التقييم البيئي طويل الأمد، تصبح الهندسة البيئية أداة فاعلة لبناء أنظمة أكثر كفاءة، ومرونة، وانسجامًا مع حدود الكوكب.

إهداء الرسالة والانجاز والاكتشاف العلمي

يقول د. الأحمد في إهدائه الرسالة: لكل قصة ثلاثة جوانب: جانبك، وجانبي، والحقيقة الهادئة الثابتة ". ولهذا، قمتُ بإهداء هذا العمل إلى أولئك الذين لا يترددون أمام الحقيقة، والذين يسعون إليها في الظلال والصمت، ويُجلّونها لا طلبًا للراحة، بل تأكيدًا على قناعتهم، واليوم، بعد سنوات من البحث، والتجربة، والشك، والصبر، أستطيع أن أقول إن الحقيقة حين تُطلب بصدق لا تخذل أصحابها، لكنها لا تأتي بسهولة.

ويتابع:"كما وأيضا أهدي عملي إلى أمي، وأبي، ويوسف، وإلى ذكرى الحبيب طارق. هذه الرسالة لم تكن سعيًا للقب، بل محاولة صادقة لإعادة التفكير في علاقتنا بما نستهلكه، وما نهمله، وما يمكن للعلم أن يحوّله إلى قيمة. "إعادة التفكير في معالجة مياه الصرف الصحي" لم يكن مجرد عنوان أكاديمي، بل سؤالًا علميًا وأخلاقيًا عن الاستدامة، والمسؤولية، ودور الهندسة في خدمة الإنسان والبيئة. شكرًا لكل من كان جزءًا من هذه الرحلة، دعمًا، أو نقاشًا، أو صمتًا في الوقت المناسب. وشكرًا للسويد، التي كانت فضاءً للتعلّم، وللعلم الذي ما زلت أؤمن أنه الطريق الأصدق لبناء مستقبلٍ أكثر اتزانًا مع هذا الكوكب. وشكرًا لفلسطين، الأرض التي تأسستُ فيها، وتكوّنت فيها البدايات الأولى للفكر، والإصرار، والإيمان بقيمة العلم. اليوم لا أحتفل بنهاية الطريق، بل ببداية مسؤولية جديدة".

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا