آخر الأخبار

29 تشرين الثاني: تضامن عالمي وسط قرارات ناقصة واعترافات بلا أدوات

شارك

يحلّ يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني هذا العام في لحظة تتداخل فيها الكارثة الإنسانية مع ارتباك سياسي دولي غير مسبوق. فبين استمرار المجازر في غزة، وتصاعد العنف الاستيطاني في الضفة الغربية، وتوسع الفجوة بين الخطاب الدولي والواقع على الأرض، تبدو الذكرى هذا العام أقرب إلى شهادة إدانة للنظام الدولي منه إلى مناسبة تضامن رمزية.

غزة: هدَن تتهاوى فوق جثث الجوعى

بعد أكثر من عامين على الحرب، لا يزال قطاع غزة يعاني وضعاً يكشف انهيار منظومة كاملة—إنسانياً وسياسياً وأمنياً. هدنتان وُقّعتا هذا العام، الأولى بين 19 كانون الثاني و18 آذار، والثانية منذ 10 تشرين الأول، لكنهما لم تغيّرا شيئاً في الحقيقة الجوهرية: إسرائيل لم تلتزم بوقف إطلاق النار إلا كفاصل زمني قصير قبل استئناف حرب مفتوحة تحت ذرائع متجددة. أصبح وقف إطلاق النار مجرد عنوان فارغ، والهدنة مجرد استراحة محارب تستعد بعدها إسرائيل لجولة جديدة من القوة المميتة.

ومع استمرار الحصار، دخلت غزة مرحلة مجاعة مكتملة الأركان. فقد مُنعت المساعدات الغذائية والطبية لفترات طويلة، وتحوّلت آلية التوزيع الجديدة عبر "مؤسسة غزة الإنسانية" (GHF)إلى فضيحة سياسية وإنسانية. فالمراكز الأربعة التي قيل إنها أنشئت لحماية المدنيين أصبحت، وفق شهادات ميدانية وتقارير حقوقية وشهادة العقيد الأميركي أنتوني أكويلار نفسه، "حقول قتل" استُهدفت فيها الحشود الجائعة بالرصاص والقصف، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا (يجدر بالذكر أن "مؤسسة غزة الإنسانية"، غامضة التمويل والإدارة، أعلنت إغلاق أبوابها يوم 23 تشرين الثاني الحالي).

الحصار والقتل عند نقاط توزيع الطعام لم يكونا مجرد أخطاء في التنفيذ، بل جزءاً من بنية قائمة على تجويع السكان ودفعهم إلى ما وراء حدود البقاء. وفي ظل غياب الوقود، وانهيار المستشفيات، وانتشار آلاف الذخائر غير المنفجرة، يبدو أي حديث عن "إعمار" أو "مرحلة انتقالية" نوعاً من الوهم السياسي الذي لا يعكس الواقع إلا بقدر ما يبعد الأنظار عنه.

الضفة الغربية: عام الانفلات الاستيطاني الكامل

أما الضفة الغربية، فقد شهدت عاماً يُعدّ الأسوأ منذ الانتفاضة الثانية: توسع استيطاني محموم، اعتداءات يومية، بؤر جديدة تُقام بين عشية وضحاها، اعتداء على المزارعين والرعاة، وحرق للمنازل، وكل ذلك تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال.

مناطق نابلس والخليل والأغوار كانت الأكثر تعرضاً لعمليات "التطهير الهادئ" كما وصفتها منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية. وفي القدس الشرقية، استمرت عمليات الهدم وسحب الهويات وتقييد الحركة واقتحامات المسجد الأقصى، في محاولة لتغيير هوية المدينة بشكل ممنهج. المشهد في الضفة لم يعد مجرد "تصعيد"، بل تهشيم بنيوي لأي أمل في دولة فلسطينية قابلة للحياة.

قرار مجلس الأمن 2803: تفويض مقنّع يتجاهل أصل الأزمة

في هذا السياق المشتعل، جاء قرار مجلس الأمن 2803 ليُضاف إلى سلسلة القرارات الدولية التي تُعلن الكثير وتفعل القليل. فالقرار، الذي رُوّج له باعتباره خطوة نحو مرحلة انتقالية في غزة، يخلو من أهم عنصرين تحتاجهما أي عملية سياسية: وقف شامل لإطلاق النار، وآليات حماية للمدنيين. تجاهل القرار تماماً محاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتجاوز مسألة وحدة الأراضي الفلسطينية، وترك المجال مفتوحاً لتأويلات واسعة.

غير أن العطب الأكبر في القرار يكمن في منح الولايات المتحدة دوراً تنفيذياً مباشراً، يتجاوز دور الأمم المتحدة نفسها. وهنا يظهر جوهر الانتقاد: القرار لا يؤسس لعملية سلام، بل يعيد هندسة مسار سياسي يُبقي واشنطن وتل أبيب على رأس الهرم، ويُقصي الفلسطينيين عن صياغة مستقبلهم. عملياً، بدا القرار وكأنه تنظيم قانوني لواقع فرضته القوة، لا مبادرة لحل الصراع.

إن 2803 ليس خطوة ناقصة فحسب؛ بل خطوة قد تعمّق الأزمة عبر تحويل "المرحلة الانتقالية" إلى غطاء لإدامة السيطرة الإسرائيلية–الأميركية على غزة، واستنزاف الضفة بسياسات الأمر الواقع.

موجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية: إنجاز رمزي بلا أدوات

وعلى الصعيد الدبلوماسي، شكّل اعتراف دول غربية كبرى—مثل فرنسا وبريطانيا—بدولة فلسطين في 22 أيلول 2025 مفاجأة سياسية. تلتها دول أوروبية أخرى في موجة اعتُبرت أهم تحرك غربي منذ أوسلو. لكن، وعلى الرغم من الطابع التاريخي لهذه الاعترافات، فإنها جاءت بلا أدوات سياسية، وبلا التزامات تنفيذية، وبلا إطار زمني، وبلا ضغط حقيقي على إسرائيل.

ما قيمة الاعتراف بالدولة الفلسطينية بينما تُهدم المنازل في القدس، وتُبتلع أراضي الضفة بمنهجية يومية، وتُحوّل غزة إلى منطقة غير صالحة للحياة؟

وما جدوى الاعتراف حين لا تُرفق الدول المانحة له بأي إجراءات لمحاسبة الاحتلال، أو وقف الاستيطان، أو حماية السكان، أو ضمان الحق في تقرير المصير؟

بهذا المعنى، تبدو موجة الاعترافات الكبرى إنجازاً دبلوماسياً من حيث الشكل، لكنها تبقى بلا وزن سياسي ما لم تُرفق بإجراءات عملية: عقوبات على الاستيطان، حماية دولية، مسار سياسي واضح لإنهاء الاحتلال. وإلا فإنها ستظل جزءاً من "دبلوماسية الرموز" التي تُستخدم لتهدئة الضمير الغربي أكثر من كونها محاولة حقيقية لخلق دولة قابلة للحياة.

بين الرمزية والواقع: معنى التضامن اليوم

في ضوء هذه الصورة، يصبح يوم التضامن العالمي امتحاناً للأخلاق الدولية أكثر منه مناسبة سياسية. فالفلسطينيون يواجهون اليوم ثلاث كوارث مترابطة:

· مجاعة منظمة في غزة لا يمكن تبريرها،

· عنف استيطاني ممنهج في الضفة يهدف إلى اقتلاع السكان،

· قرارات ومبادرات دولية فاقدة للأدوات تعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها.

لا يكفي أن يكون التضامن مجرد تعبير عن التعاطف، بل يجب أن يكون مطالبة واضحة بوقف الحرب، ورفع الحصار، وإطلاق مسار سياسي يضع إنهاء الاحتلال في مركزه، لا في هوامشه. فبدون ذلك، ستظل الخطابات الدولية—بما فيها الاعترافات والقرارات—مجرد ضمادات لفظية على جرح مفتوح، لا تغيّر الواقع ولا تحدّ من المأساة.

وفي النهاية، يظل الفلسطينيون، رغم كل ما فقدوه خلال العامين الماضيين، حاضرين بقوة في صلب السياسة الدولية. ويأتي يوم التضامن هذا العام ليقول للعالم إن القضية لم تعد تحتمل المزيد من المواربة: فإما خطوات سياسية حقيقية، أو استمرار كارثة تُسجَّل على جبين النظام الدولي كل يوم.


القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا