امتاز معظم رجال العمليّة السياسيّة العراقيّة بعد العام 2003 بميزات بعيدة عن روح السياسة لأنّ أكثريّتهم لا علاقة لهم أصلا بالسياسة وفنونها، وفجأة وجدوا أمامهم خزائن مفتوحة ويمكن نهبها عبر بوّابة العمل السياسيّ والحزبيّ!
حتّى نُحدّد أصل المشكلة العراقيّة نحاول قراءة المعادلة السياسيّة، التي تَنقسم اليوم إلى كيانات شيعيّة وكرديّة وسنّيّة وأقلّيّات، وهذا الواقع لا يُمكن القفز عليه حتّى لمَن يحاول الحديث بروح جامعة لأنّه سيصطدم بحقائق سياسيّة مُرعبة!
غالبيّة "شيعة السلطة" نجحوا في حيازة حصّة الأسد لهم من الصفقات السياسيّة والأمنيّة والواردات العامّة، وكذلك ضمان الولاء الجماهيريّ بمساندة الخطاب الدينيّ، وهذا ممّا أثبتته التجارب!
وبموازاة ذلك، فإنّ القيادة الكرديّة نجحت في بناء منظومتها الخاصّة بما يحفظ استقلاليّتها شبه التامّة وقدرتها على التحرّك بجدارة بعموم المشهد السياسيّ، الداخليّ والخارجيّ!
أما أكثريّة سنّة العراق، من السياسيّين والجماهير، فَهُم مجرّد جمهور "غفير" مهضوم الحقوق، وسُمِح لهم لاحقا بمشاهدة المباراة السياسيّة من خارج الملعب، رغم شرائهم لبطاقات الدخول، ومع ملاحظة أنّ بعض "ساسة السنّة" هم جزء من المشكلة، وليسوا جزءا من الحلّ!
وعلى غرار "الإطار التنسيقيّ الشيعيّ" الحاكم، أعلنت بعض القيادات السنّيّة وبرعاية السياسيّ خميس الخنجر تشكيل "المجلس السياسيّ الوطنيّ"، وذلك "لتوحيد المواقف وتعزيز النفوذ التفاوضيّ"، ويضمّ المجلس نحو 70 نائبا من أصل 329!
ولسنا هنا بصدد الحديث عن "المجلس السنّيّ" الجديد لأنّني كتبت المقال قبل أسبوعين، وبالتالي ما أقوله هو مقترح عامّ لجميع "سنّة العراق"، بعيدا عن النهج الطائفيّ ومحاولات تمزيق الوطن!
واقعيّا، وبعيدا عن المنصب المرتقب لـ"سنّة العراق"، سواء أكان رئاسة البرلمان أو الجمهوريّة، نتساءل: ما الذي جناه "السنّة" من العمليّة السياسيّة منذ العام 2005؟
وهذه الأيّام ستبدأ محاولات التئام مجلس النوّاب السادس وبداية لعبة التحالفات، وذلك بعد أن قرّرت المحكمة الاتّحاديّة يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، انتهاء صلاحية مجلس النوّاب، وتحويل صلاحيّة مجلس الوزراء لحكومة تصريف أعمال.
وقبل انطلاق مارثون تشكيل المجلس المقبل، شكّل "الإطار الشيعيّ" لجنة لمقابلة المرشّحين لرئاسة الوزراء، وخصوصا بعد إعلانهم تشكيل "الكتلة الأكبر" بأكثر من 185 مقعدا، بما فيها كتلة رئيس الحكومة محمد شياع السوداني!
فأين الحصّة الحقيقيّة لسُنّة العراق داخل المعادلة السياسيّة؟ السياسة الفاعلة أساسها الحزم والصدق، والقول بأنّها تستمرّ بالتراخي والكذب جزء من المؤامرة؛ لأنّ الضعيف والكذّاب سينشر الخوار في الأرجاء، وسيخدع جمهوره ويخون وطنه، ولا يمكن أن يَنقلب إلى مقام الأقوياء الصادقين بمُجرّد ترشيحه للبرلمان.
وللأسف لاحظنا بعض خطباء الجوامع "السنّيّة" أخذوا آيات قرآنيّة مباركة تتعلّق بسيّدنا موسى وغيره من الأنبياء، عليهم السلام، وحاولوا بواسطتها حثّ الجماهير للتصويت لبعض الفاسدين والمتلاعبين بقضايا الوطن والمواطن وكأنّهم من الأولياء، وهذا قياس مع الفارق!
وهذا الحال المركّب بحاجة لحلول دقيقة ولهمّة وعقول متفتّحة، وضمائر صافية وقلوب نقية، للوصول لأرضيّة فيها الكثير من التوافقات بين القيادات التي تحظى بمقبوليّة جيّدة داخل العراق وخارجه، للعمل على تأسيس "مجلس لسنّة العراق"، ليكون الأرضية الصلبة للحلّ المنشود!
ويفترض تجميع أغلب القيادات الرصينة، وترتيب خطط معالجة الخلل عبر خطوات مدروسة قد تستمرّ لثلاث أو أربع سنوات، وليكون اللّبنة المتينة لمشروع سياسيّ خالٍ من الضعفاء والفاسدين!
وهذا المجلس المقترح والذي يُفترض أن يجمع قادة السنّة الذين يمتلكون قاعدة شعبيّة حقيقيّة سيكون بداية مرحلة التصحيح؛ لأنّ الخراب تغلغل حتّى لأكثريّة الجماهير، وبالتالي الموضوع معقّد وبحاجة لجهود نبيلة لإصلاح الخلل وإلا سنبقى ندور بذات الدوّامة لسنوات وسنوات!
ونؤكّد بأنّ أيّ مشروع خارجيّ للحلّ هو مشروع ترقيعيّ، والمشاريع الحقيقيّة هي المشاريع الواقعيّة الداخليّة القريبة من الناس وهمومهم ومآسيهم، وليست المقترحة من أُناس يعيشون في فضاءات وعوالم خياليّة وضبابيّة!
سنّة العراق يمكن أن يجتمعوا حينما يتركون الأنانيّة والنظرة للعمليّة السياسيّة على أنّها بوّابة للمناصب والنهب واستغلال الناس، وأظنّ بأنّ الوصول لمثل هؤلاء الأنقياء مهمّة دقيقة وبحاجة لصبر وتكاتف للجهود، ولا شكّ بوجودهم داخل العراق وخارجه!
مَن يريد أن يعالج الجراحات السنّيّة عليه أن يَطرح المعضلات بلا رتوش ومجاملات، وخصوصا ونحن أمام واقع مرير، حيث آلاف عوائل الشهداء قد ضاعت، وأغلب عوائل السجناء صارت في مهبّ الريح، والكثير من المهجّرين المظلومين تاهوا في دروب الغربة والفاقة، فما الذي قدّمه غالبيّة زعماء السنّة لهؤلاء؟
المشكلة العراقيّة معقّدة وبحاجة لجهود حقيقيّة من القيادات المؤثّرة والنخبّ الأصيلة للوصول إلى أرضيّة مشتركة، ومن ثمّ الانطلاق للتصحيح عبر تثقيف الجماهير التي ساهمت في تعقيد المشكلة بانتخابها للفاسدين والمخرّبين، وهذا الأمر ربّما من الصعوبة بمكان لأنّ السياسيّ الفاسد والمتنفّذ يمتلك ملايين الدولارات والقوّة القانونيّة، وغيرها من الأدوات الفاعلة التي تُرْعِب الناس، وتُغْرِيهم، ولهذا فإنّ القضيّة معقّدة!
وصدقا، يمكن لقائد أصيل ونزيه أن يكون النواة الصلبة للتجمّع السنّيّ المقترح! الدولة الجامعة العادلة هي الأساس الرصين لعمليّة سياسيّة متينة، وغيابها بداية الانهيار والضياع للوطن للمواطنين!
المصدر:
القدس