الحدث الفلسطيني
قال وزير الثقافة عماد حمدان إن يوم المخطوط العربي، الذي يحتفي به العالم العربي في الرابع من نيسان يمثل أحد أعظم شواهد الحضارة، مؤكداً أنه في فلسطين لا ينظر إلى المخطوطات باعتبارها مجرد إرث من الماضي، إنما وثيقة حيّة تؤكد حقنا التاريخي والثقافي في هذه الأرض، تدحض روايات الطمس والتزييف. فالمخطوطات امتداد لهويتنا الوطنية الفلسطينية، وشاهد على دور فلسطين المحوري في صناعة المعرفة والحضارة العربية والإسلامية على مدار القرون الماضية.
وأضاف الوزير حمدان: "لقد شكلت فلسطين عبر العصور مركزاً فكرياً وثقافياً، واحتضنت مكتباتها مخطوطات نادرة في الفقه والتاريخ والفلك والطب والأدب، خطّها علماء فلسطين وأدباؤها، كما حملت في ثنايا مكتباتها مخطوطات جاءت من عواصم الحضارة الإسلامية الكبرى. وفي قلب هذا الإرث تقف القدس، التي ظلت على مر الزمن منارة للعلم، تعج مكتباتها بالمخطوطات التي توثق تاريخها، ومكانتها، وحقّها الأصيل في أن تبقى فلسطينية عربية إسلامية؛ لكن هذا الإرث الثقافي الثمين لم يكن في مأمن من محاولات الطمس والتدمير. فمنذ عقود، عمل الاحتلال الإسرائيلي على سرقة المخطوطات الفلسطينية، فنهب جزءاً كبيراً من الوثائق والمخطوطات خلال نكبة 1948، ونقلها إلى مؤسساته الأكاديمية، في محاولة لإعادة كتابة التاريخ بما يخدم روايته الزائفة. وما يزال حتى اليوم يواصل سياساته الاستعمارية ضد ذاكرة شعبنا، من خلال إغلاق المكتبات الفلسطينية وخاصة في القدس، وفرض قيود على الأرشيفات، ومحاولة عزل تراثنا عن امتداده العربي والإسلامي.
وقال الوزير حمدان: "إن المأساة الثقافية في فلسطين بلغت ذروتها في غزة، حيث تعرضت المكتبات والمراكز البحثية التي تحتوي على مخطوطات ووثائق نادرة للقصف والتدمير خلال العدوان الإسرائيلي الأخير. لقد استهدفت صواريخ الاحتلال المكتبات العامة، ودمرت أرشيفات مهمة تحوي سجلات تاريخية، كتدمير الجامع العمري بغزة وهو من أقدم المساجد التاريخية في فلسطين، والذي كان يضم مكتبة أثرية تحتوي على الآف المخطوطات والوثائق والكتب النادرة والتي يعود تاريخها الى نحو 700 عام. إن ما حدث في غزة استهداف مقصود للذاكرة الفلسطينية، ومحاولة لمسح جزء من تاريخنا عن الوجود.
وأكد حمدان: إن تدمير المخطوطات والمكتبات هو فعل استعماري ممنهج، يعكس حقيقة الاحتلال الذي لا يكتفي بسلب الحاضر، إنما يسعى أيضاً إلى محو الماضي، واستئصال جذور الفلسطيني عن أرضه. لكنه لن ينجح، فالمخطوطات والوثائق التي نجت من تحت الركام، ستبقى شاهدة على هذه الجريمة، وسنعمل على ترميمها وإعادة نشرها، لتبقى شاهدةً على ما حدث.
وأكد الوزير حمدان أن الحفاظ على المخطوطات الفلسطينية هو جزء من معركتنا المستمرة في الدفاع عن حقنا التاريخي في هذه الأرض. إن كل وثيقة، وكل ورقة مخطوطة، هي دليل على وجودنا الممتد لآلاف السنين، وهي رد تاريخي على الاحتلال الذي يحاول طمس معالم هويتنا الوطنية.
من هنا، فإن وزارة الثقافة تضع حماية هذا الإرث على رأس أولوياتها، من خلال مشروعات التوثيق، والترميم، والرقمنة، ومن خلال المؤسسات الشريكة، ليظل التاريخ الفلسطيني مفتوحاً أمام العالم، لا تحجبه أسوار الاحتلال ولا محاولات التشويه.
وجدد الوزير حمدان دعوته إلى المؤسسات الثقافية والعلمية العربية والدولية للوقوف إلى جانب فلسطين في حماية هذا الإرث، والعمل على تعزيز الجهود المشتركة لحفظ المخطوطات المهددة، وتوثيق ما تبقى منها، ومنع استمرار سرقتها وتدميرها. كما دعا المثقفين والمؤرخين إلى تسليط الضوء على المخطوط الفلسطيني، والتعريف به، ودوره في صياغة المشهد الحضاري العربي.
وختاماً، قال الوزير حمدان :" إن الحفاظ على المخطوطات الفلسطينية رغم الحروب والاحتلال هو انعكاس لصمود هذا الشعب، الذي لا يمكن محوه من التاريخ، ولا يمكن إسكات صوته، مهما اشتد العدوان.
فكما حفظت هذه المخطوطات تاريخ أجدادنا، ستحفظ اليوم تاريخ نضالنا، وستكون دليلاً للأجيال القادمة على أن هذه الأرض لم تكن يوماً بلا شعب، ولم تكن يوماً إلا فلسطينية.