بين مضيق هرمز وصواريخ الحوثيين.. كيف تسعى إيران لاستعادة زمام المبادرة في مواجهة واشنطن؟
تكشف التطورات المتزامنة في الخليج واليمن عن هشاشة الوضع الأمني في المنطقة، في وقت تسعى فيه كل من طهران وواشنطن إلى تحسين شروط التفاوض لصالحها.
تسعى إيران إلى استعادة زمام المبادرة في المواجهة مع الولايات المتحدة، عبر تصعيد الهجمات على حركة الملاحة البحرية في الخليج، بالتزامن مع تكثيف الحوثيين هجماتهم على العاصمة السعودية الرياض ، في تطورات دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع وأعادت المخاوف من اتساع رقعة الصراع في المنطقة.
نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مصادر ملاحية تعرض ناقلة نفط ومواد كيميائية لهجوم بمقذوفات قبالة السواحل القطرية، مساء الأربعاء، مما أسفر عن إصابات في صفوف طاقمها بحسب هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) وشركة "فانغارد" للاستخبارات البحرية، وأعقب ذلك هجوم للحوثيين الخميس استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض وألحق أضراراً بطائرات، وسط استنفار أمني وإجراءات احترازية.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن استهداف الناقلة، فيما رجّح مسؤولون في المنطقة وقوف إيران وراء الهجوم.
هرمز ورقة ضغط في المواجهة مع واشنطن
يأتي التصعيد في وقت تحاول فيه طهران تعزيز موقعها التفاوضي، بعدما واجهت ضغوطاً متزايدة نتيجة الحصار المفروض على موانئها وتراجع قدرتها على استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط ف ي مواجهة الولايات المتحدة.
ويرى محللون أن تكثيف الهجمات البحرية يهدف إلى كسر حالة الجمود في المضيق، ورفع كلفة المواجهة على واشنطن، ودفعها إلى التوصل لاتفاق دبلوماسي بشروط أكثر ملاءمة لإيران، كما يمكن أن يسهم ارتفاع أسعار النفط في زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة الشهر المقبل.
في المقابل، تعتقد واشنطن أن تأجيل حسم قرار استئناف العمليات العسكرية ضد إيران قد يدفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات جوهرية، خصوصاً فيما يتعلق ببرنامجها النووي.
وفي هذا السياق، حذّر أندرياس كريغ، المحاضر البارز في كلية الدراسات الأمنية بجامعة كينغز كوليدج لندن، من خطورة المرحلة الراهنة، مشيراً إلى أن إيران تصعّد ضغوطها بينما تشدد واشنطن خطابها العسكري، مؤكداً أن الطرفين لم يتخليا عن الدبلوماسية بعد.
وقال كريغ إن هذا التوازن يجعل الوضع بالغ الحساسية، إذ قد يؤدي وقوع حادث خطير واحد إلى توسيع نطاق المواجهة وتحويلها إلى حرب أوسع.
ترامب يستبعد الهجوم قبل انتخابات التجديد النصفي
على الرغم من تصاعد التوتر ، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي ، مستنداً إلى ما وصفه بإحراز تقدم في المحادثات بين الجانبين.
وكتب الرئيس الأميركي، في منشور على منصة "تروث سوشال"، أن بلاده لن تهاجم إيران في أي وقت قبل الانتخابات، مشيراً إلى أن المحادثات الجارية مع طهران "مثمرة".
وفي موازاة ذلك، رفض ترامب طلبات سعودية للحصول على تدخل عسكري أميركي مباشر ضد الحوثيين، فيما تواصل وزارة الحرب الأميركية تقديم الدعم الاستخباراتي وأشكال أخرى من المساندة.
ويعكس هذا الموقف محاولة واشنطن احتواء التصعيد ومنع اتساع الصراع قبل الاستحقاق الانتخابي، مع الإبقاء على الضغوط المفروضة على طهران لدفعها نحو تسوية سياسية.
ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف الإمدادات
انعكس التصعيد سريعاً على أسواق الطاقة، إذ ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، بنسبة 4.1% لتستقر عند 104.27 دولار للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بالنسبة نفسها، إلى 91.87 دولار.
وأثارت القفزة في أسعار الطاقة مخاوف بشأن انعكاساتها على الأسواق المالية، في ظل الضغوط التي تعرضت لها الأسهم وعوائد سندات الخزانة الأميركية.
وللحد من تأثير الاضطرابات في مضيق هرمز، اتجه منتجو النفط في المنطقة إلى الاعتماد بصورة أكبر على نقل الشحنات عبر مسارات تحظى بحماية أميركية، وإجراء عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى خارج المضيق، إلى جانب استخدام خطوط أنابيب تتيح تصدير الخام بعيداً عن هذا الممر البحري الحيوي.
كما استأنفت السعودية صادرات النفط من سواحلها على الخليج العربي والبحر الأحمر، بعد إصلاح جزء من الأضرار التي لحقت بخط أنابيب الشرق–الغرب جراء هجوم وقع الشهر الماضي.
هجمات الحوثيين توسّع دائرة التهديد داخل السعودية
بالتوازي مع التصعيد البحري، كثّف الحوثيون هجماتهم على الأراضي السعودية، في مؤشر إلى اتساع المواجهة بين الجماعة المدعومة من إيران والرياض.
وجاء هذا التصعيد الحوثي الحاد رداً على إطلاق حملة عسكرية تهدف إلى استعادة مناطق استراتيجية في اليمن، حيث يثير التواجد المسلح للجماعة على السواحل الغربية مخاوف أمنية بالغة لدى الرياض حول سلامة حركة ملاحتها البحرية عبر مضيق باب المندب، البوابة الحيوية المؤدية إلى البحر الأحمر.
وردّاً على الحملة العسكرية، صعّد الحوثيون هجماتهم الصاروخية بعيدة المدى على الرياض، التي تبعد أكثر من 500 ميل "800 كيلومتر" عن مناطق القتال في اليمن، لتتحول الضربات إلى تهديد متكرر للعاصمة السعودية.
واتهم الحوثيون، الخميس، الطائرات السعودية بتنفيذ غارات على مناطق خاضعة لسيطرتهم، شملت شبكات اتصالات في صنعاء ومطار الحديدة ومحافظة إب، مشيرين إلى سقوط ضحايا جراء تلك الهجمات.
وقال زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، في خطاب متلفز، إن الهجمات والتحذيرات المتبادلة تتصاعد، مضيفاً أن السعودية لن تتمكن من تحقيق أهدافها في "السيطرة على اليمن".
أضرار في مطار الرياض وإجراءات لحماية المدنيين
شهد مطار الملك خالد الدولي في الرياض أحدث الهجمات، الخميس، إذ تعرّضت طائرتان على الأقل لأضرار، فيما أصابت شظايا صاروخ باليستي جرى اعتراضه روضة أطفال ومجمعاً للعيادات الطبية.
ودفعت التطورات السلطات إلى اتخاذ تدابير احترازية شملت مطالبة موظفين في الحي المالي وطلاب في مدارس دولية ودبلوماسيين بإخلاء مواقعهم أو الاحتماء في أماكن آمنة.
وأفاد سكان بسماع خمسة انفجارات قوية على الأقل خلال ساعات الصباح، من دون تلقيهم تنبيهات أو تحذيرات على هواتفهم.
وفي فترة ما بعد الظهر، تعرّضت طائرة تجارية خالية من الركاب في المبنى رقم 4، المخصص للرحلات الداخلية، لأضرار جراء الهجوم، ما تزامن مع إلغاء عشرات الرحلات القادمة أو تحويل مسارها.
كما أمضى طلاب أجانب في عدد من المدارس الدولية جزءاً من فترة ما بعد الظهر داخل غرف خالية من النوافذ، في إطار إجراءات الاحتماء من الهجمات.
وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، إن المطار استُهدف بصاروخ باليستي وصاروخين من طراز كروز، بينما أعلن التحالف العسكري بقيادة السعودية اعتراض صاروخين باليستيين الخميس.
ويُعدّ هذا الهجوم الثالث من نوعه الذي يستهدف المطار منذ يوم الثلاثاء الماضي، وجاء هذا التصعيد المتسارع بعيد توعّد جماعة الحوثي بالرد على الغارات الجوية والقصف الصاروخي الذي يشنه التحالف بقيادة السعودية ضد معاقلهم العسكرية في اليمن.
تحذيرات لشركات الطيران ومخاوف من اتساع المواجهة
في ظل استمرار الهجمات، جدّد الحوثيون تحذيراتهم لشركات الطيران الدولية التي تستخدم المجال الجوي السعودي، مطالبين إياها بتعليق رحلاتها، باستثناء الرحلات التي تمر فوق مكة المكرمة والمدينة المنورة.
من جانبها، حذّرت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي شركات الطيران من أن تكرار هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتزامن مع تشغيل أنظمة الدفاع الجوي، يزيد مخاطر الخطأ في تحديد هوية الطائرات المدنية.
وفي السعودية، أصدرت السلطات تحذيرات جديدة بشأن تصوير الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة أو عمليات اعتراضها ونشر صورها، مؤكدة أن هذه الممارسات قد تعرّض مرتكبيها للمساءلة القانونية.
وتكشف التطورات المتزامنة في الخليج واليمن عن هشاشة الوضع الأمني في المنطقة، في وقت يسعى فيه كل من طهران وواشنطن إلى تعزيز موقعه التفاوضي من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
غير أن استمرار استهداف السفن والمنشآت والمطارات يرفع احتمالات التصعيد، ويضع أمن الملاحة وإمدادات الطاقة أمام اختبارات جديدة قد تتجاوز تداعياتها حدود المنطقة.