طهران – تضع العقوبات الأمريكية الجديدة على شركات السيارات والسكك الحديدية وموّردي القطع الخارجيين سلسلة الإنتاج والنقل في إيران أمام ضغوط إضافية، في قطاع يعاني أصلا مشكلات في التوريد والتمويل. وبين احتمال تعثر وصول المكونات وارتفاع كلفة الشحن، يبقى السؤال عما تضيفه الإجراءات الأخيرة إلى أزمات سابقة، وكيف يمكن أن تنعكس على المصانع والمستهلكين؟

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 1 أكتوبر/تشرين الأول الجاري استهداف شركات السيارات الإيرانية "إيران خودرو" و"سايبا" و"إيران خودرو ديزل" و"بارس خودرو" و"زامياد"، فضلا عن شركتي الدراجات النارية "نيرو موتور شيراز" و"نيرو موتور دماوند". وشملت العقوبات كذلك شركة السكك الحديدية الإيرانية وشركة قطارات الركاب "رجا" وشركة "راه آهن حمل ونقل"، إضافة إلى خمسة موردين في إندونيسيا والإمارات وتركيا وهونغ كونغ، تقول الخزانة الأمريكية إنهم وفروا مكونات للشركات الإيرانية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 حرب الممرات البحرية.. كيف تستعيد الجغرافيا قوتها القديمة؟
* list 2 of 2 ترمب: تهديدات مرتبطة بإيران وراء سحب القاذفات من بريطانيا end of list

وبالتوازي، أخضعت واشنطن قطاعيْ السيارات والسكك الحديدية لإطار العقوبات بموجب الأمر التنفيذي 13902، بما يتيح استهداف كيانات بسبب عملها في القطاعين، من دون إدراج جميع الشركات العاملة فيهما تلقائيا.

وتقول الخزانة الأمريكية إن تراجع إيرادات النفط في ظل الحصار البحري زاد من اعتماد طهران على هذه الصناعات، وتصف قطاعيْ السيارات والسكك الحديدية بأنهما من أبرز مصادر الإيرادات والقدرة اللوجستية المتبقية. وتقدم الولايات المتحدة استهدافهما بوصفه وسيلة للضغط على قنوات تعتمد عليها إيران لاستمرار النشاط الاقتصادي والالتفاف على العقوبات.

مصدر الصورة العقوبات الأمريكية الجديدة استهدفت شركات سيارات أساسية في إيران على رأسها "إيران خودرو" (الجزيرة)

قطاع يعاني سابقا

وتضم صناعة السيارات الإيرانية شركات كبرى تنتج مركبات محلية، ومصانع لتجميع الطرازات الأجنبية، وشبكة من منتجي القطع والمكونات. وبحسب الصحفية والخبيرة المتخصصة في القطاع سارا غضنفري، فقد عزز انسحاب الشركات الأجنبية من إيران بعد عام 2018 حضور الشركات الصينية ونشاط تجميع مكونات السيارات، بينما ظل الإنتاج يعتمد على استيراد بعض المكونات والآلات.

إعلان

وتُظهر بيانات سابقة عن إصدار حزمة العقوبات الجديدة أن هذه الصناعة الإيرانية دخلت العقوبات الجديدة وهي تواجه تراجعا في الإنتاج. فوفقا لتقرير لمركز أبحاث البرلمان نقلته وكالة "إيسنا" للأنباء الإيرانية في سبتمبر/أيلول الماضي، فقد بلغ إنتاج مختلف أنواع السيارات نحو 926 ألف مركبة في السنة الإيرانية 1404 المنتهية في مارس/آذار الماضي، مقابل مليون و121 ألف مركبة في السنة السابقة؛ أي بانخفاض يقارب 17.4%.

ويربط العرض الذي نشرته وكالة "إيسنا" هذا التراجع في الإنتاج بعوامل بينها صعوبات توفير النقد الأجنبي، وحرب الأيام الاثني عشر (شنتها إسرائيل على إيران بين 13 و24 يونيو/حزيران 2025) وانفجار ميناء الشهيد رجائي (26 أبريل/نيسان 2025). ولذلك تمثل الأرقام خلفية عن وضع قطاع السيارات في إيران قبل سريان العقوبات الأخيرة، ولا تقيس نتائج العقوبات السابقة.

ضغط على المكونات

وتقول غضنفري -في تصريح للجزيرة نت- إن الصناعة الإيرانية تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، وإن تأثير القيود السابقة ظهر عبر صعوبة التحويلات المالية وتوفير المكونات، وتراجُع تعاون الشركات الأجنبية.

مصدر الصورة داخل أحد مصانع شركة "إيران خودرو" لصناعة السيارات (الجزيرة)

وترى أن استهداف الموردين الخارجيين في الحزمة الجديدة للعقوبات قد يزيد صعوبة توفير مكونات السيارات المجمعة، لكنها تؤكد أنه من المبكر الآن الحكم على حجم الأثر، وأن نسبة أي تأخير إلى هذه الإجراءات تتطلب مراجعة سلسلة الإمداد، ومواعيد إرسال الشحنات لدى كل شركة.

وبحسب المتحدثة نفسها، فإن الضغوط تشمل أيضا استيراد الآلات اللازمة لإنتاج القطع وتحديث معدات المصانع، بينما يزيد ارتفاع سعر الدولار كلفة الحصول عليها. وقد ينعكس تعثر الدفع والشحن على موعد وصول المكونات وبرامج الإنتاج والتسليم.

وتربط قدرة الشركات الإيرانية على مواصلة الإنتاج بمدى تحقق التصنيع المحلي فعليا، موضحة أن الاعتماد على المكونات المستوردة قائم لدى شركات السيارات المحلية والخاصة والعاملة في مجال التجميع.

وتقول غضنفري إن القطع الأكثر اعتمادا على الخارج ستكون أكثر عرضة للتعثر، إذ قد تجعل القيود على التحويلات المالية والشحن والتعامل مع الموردين توفيرها أكثر صعوبة.

لكن القيود الخارجية تتداخل مع مشكلة السيولة؛ إذ تشير المتحدثة إلى أن مديونية شركات السيارات لمصنعي القطع تحدّ من الأموال المتاحة لشراء المواد ومواصلة الإنتاج، وتجعل مواجهة اضطرابات الإمداد أكثر صعوبة.

السكك الحديدية بعد العقوبات

وفي الجانب اللوجستي، تقول غضنفري إن اضطراب المنافذ الجنوبية والمسارات البحرية دفع شركات السيارات والقطع إلى توسيع الاعتماد على النقل البري والسكك الحديدية والمنافذ الشمالية. وترى أن استهداف الشركات الحديدية يضيف مخاطر إلى هذه البدائل، فيما قد يرفع تعدد مراحل النقل وإعادة تحميل الشحنات الكلفة، ويطيل زمن التوريد.

وكانت هذه المسارات تواجه اختناقات قبل العقوبات الأخيرة. ففي تقرير منشور في أغسطس/آب الماضي، قال مدير التجارة الخارجية في شركة السكك الحديدية شهريار نقي زاده إن ازدحام نحو 50 قطارا عند حدود الصين وكزاخستان رفع زمن الرحلة إلى 35 يوما، مع استمرار المسار والسعي إلى تنويع الممرات لتقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية. وهذه إفادة عن وضع سابق للحزمة الجديدة، وليست دليلا على أثرها.

مصدر الصورة إحدى قاطرات القطار المخصص لنقل البضائع بين إيران والصين (الصحافة الإيرانية-أرشيف)

ويمتد جانب آخر من الملف إلى صيانة القاطرات ومستلزماتها، إذ تمتلك إيران قدرات إصلاح محلية لهذه القاطرات، فشركة "راه آهن كشش"، المتخصصة في تشغيل القاطرات وصيانتها، تعلن قدرتها على إجراء إصلاحات بمستويات مختلفة لنحو 50 قاطرة سنويا. وهو رقم للقدرة المعلنة لدى شركة واحدة، ولا يمثل حجم الإصلاح المنفذ أو قدرة الشبكة الإيرانية كاملة.

إعلان

وبذلك يرتبط تقدير المخاطر على النقل السككي بمدى استمرار توفير مستلزمات التشغيل والصيانة، إلى جانب انتظام الشحن عبر الحدود، ولا يعني إدراج الشركات العاملة في قطاع السكك ضمن قائمة العقوبات أن خطوط القطارات أُغلقت، أو أن حركة البضائع عبر السكك الحديدية توقفت بشكل تلقائي.

الأسعار والصيانة

وتحذر غضنفري من ضغوط إضافية على أسعار السيارات وقطع الغيار وخدمات الصيانة إذا ارتفعت كلفة التوريد، وتتوقع أن تطلب الشركات زيادات في الأسعار، ولكنها تدعو إلى الحفاظ على استقرار السوق في ظل ركود البيع والشراء، وضعف القدرة الشرائية للمواطنين الإيرانيين.

وتشير إلى وجود نقص في قطع بعض السيارات المجمعة وصعوبات في الإصلاح وتأخر في التسليم، مع تأكيدها أن القطاع واجه مشكلات مماثلة سابقا، وأن الحكم على نتائج الحزمة الجديدة للعقوبات يحتاج إلى وقت.

كما تبدي قلقا بشأن جودة المكونات المتاحة وانعكاسها على سلامة السيارات، وترى أن تعزيز التصنيع المحلي قد يقلل الاعتماد على الخارج، وتقترح استيراد السيارات الاقتصادية بوصفه خيارا مكملا للإنتاج المحلي لتخفيف الضغوط على السوق.

وتكشف هذه المعطيات عن صناعة تدخل مرحلة الضغط الجديدة وهي تعاني من تراجع الإنتاج ومشكلات التمويل والإمداد، وعن مسارات نقل بديلة تواجه اختناقات سابقة. وأما مقدار ما ستضيفه العقوبات الأخيرة إلى كلفة السيارات والشحن والصيانة، فيتوقف على استجابة الموردين وانتظام المدفوعات ووصول المكونات، قبل أن تظهر الآثار في بيانات الإنتاج والتسليم والأسعار.