بين ألم الفقد وثقل المسؤولية.. 25% من نساء غزة أصبحن المُعيل الوحيد لأسرهنّ
نساء يرأسن ربع أسر غزة بين فقد المعيل وأعباء الرعاية
تقدّر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 86,290 أسرة في قطاع غزة ترأسها نساء، أي نحو ربع عائلات القطاع، بعدما تضاعفت نسبتها تقريبًا مقارنة بما قبل أكتوبر 2023. ويشير التقرير، المنشور في الثامن من سبتمبر 2026، إلى حاجة ثلثي هذه الأسر إلى مساعدة نقدية عاجلة، في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية نقص التمويل وصعوبات الوصول إلى تلك المساعدات.
في دير البلح، تعيل أم أحمد الغندور سبعة أفراد بعد مقتل زوجها خلال الحرب. وتقول النازحة ليورونيوز: "أبوهم انقتل في الحرب، وأنا ماخدة دور الأم ودور الأب". ومنذ غيابه، بات عليها تدبير احتياجات الأسرة ومتابعة الأبناء، في أوضاع اقتصادية تصفها بالصعبة.
وتكشف شهادات جمعتها يورونيوز من وسط القطاع كيف تتداخل مسؤولية توفير الطعام والعلاج مع رعاية الأطفال ومتابعة تعليمهم. وبين الأسر التي فقدت المُعيل، نجد أمهات يرعين أبناء من ذوي الإعاقة، وطفلة تتولى شؤون أسرتها بعد مقتل والديها.
الإعالة والرعاية على عاتق الأم
حين تعدّد أم أحمد ما تقوم به، تبدأ بتعليم أبنائها وتدريسهم، ثم تنتقل إلى توفير المياه والغاز وسائر احتياجات المنزل. وتقول: "من كل أمورهم الحياتية، أنا اللي قايمة فيها يعني بعد راح أبوهم".
تتحدث الأم عن صعوبة القيام بجميع هذه المسؤوليات، وعن حياة يومية أصبحت أشقّ وأصعب بعد فقدان الأب. وفي وصفها لما تتحمله، تتكرر مَهمّة متابعة الأبناء إلى جانب تأمين مستلزمات البيت فتقول: "في كل كبير وصغير، أنا المسؤولة عنهم".
وفي المدينة نفسها، فقدت أم أنس الصعيدي زوجها، ثم ابنها الأكبر الذي تولى إعالة الأسرة بعد والده، ثم ابنها الأصغر. وبقي معها ابن من ذوي الإعاقة يحتاج إلى مساعدتها في شؤونه اليومية ومتابعة علاجه.
"أولًا لا مصدر دخل إلنا، وثاني إشي مصاب الفقد"، تقول أم أنس ليورونيوز. وتوضح أن ابنها لا يستطيع الاعتناء بنفسه، وأنه لا يبصر بإحدى عينيه. وهي التي ترافقه إلى المستشفيات والعيادات وتتولى شراء الدواء، إلى جانب الحصول على الطعام من التكية (الجمعية الخيرية) وشراء ربطة الخبز.
وتقول: "أنا اللي بطلع بوفّر الأكل والطعام للمنزل، بوفّر لابني العلاج أنا اللي بروح أشتري". وتضيف أن الكلمات لا تكفي لوصف ما تعيشه، مع استمرار مسؤوليتها عن ابنها وحاجته إلى الرعاية.
وفي الحالتين، تتجاوز مسؤولية الأسرة مسألة توفير المال إلى الأعمال اللازمة لاستمرار الحياة اليومية. فالمياه والطعام يحتاجان إلى من يؤمّنهما، والطفل المريض يحتاج إلى مُرافق، والدراسة تحتاج إلى متابعة، وهي مهامّ تقول الأمهات إنهن يتحمّلنها بعد غياب الزوج.
ويشمل التقدير الأممي، إلى جانب الأرامل، نساءً أزواجُهن مفقودون أو معتقلون أو مصابون إصابات بالغة أو مختفون قسرًا. واستُخرج العدد بتطبيق نسبة 23%، سجّلها مسحٌ للاحتياجات في نهاية 2025، على العدد التقديري للأسر، بحسب منهجية التقرير.
وتظهر البيانات أن 68% من الأسر التي ترأسُها نساء أفادت بعدم تلبية احتياجاتها من المأوى، مقابل 55% لدى العائلات التي يرأسها رجال. كما كانت منازلها أكثر تعرضًا للضرر أو التدمير، ونزحت ثماني مرات في المتوسط منذ أكتوبر 2023، مقابل سبع مرات للأسر التي يرأسها رجال.
لارا ترعى أسرتها وهي في الرابعة عشرة
في النصيرات، تتولى لارا زقوت وحدها رعاية أفراد أسرتها. تقول الطفلة البالغة 14 عامًا ليورونيوز: "فقدت أمي وأبوي وجدّي وأختي بسبب قصف الاحتلال في قطاع غزة". وتضيف أنها أمضت مع شقيقتها فترة طويلة في قسم العناية المركزة.
يومُ لارا يتوزع بين الغسيل وجلي الأواني وإعداد الفطور وإشعال النار للطهي. وبعد أعمال المنزل، تتابع دراسة إخوتها وتسألهم عما تعلّموه. وتقول: "بدرّسهم»، ثم توضح أنها تراجع ما أخذوه في المدرسة.
وتتحمل الطفلة هذه المهام بعد فقد والديها وتجربة علاج طويلة، في عمر ما زالت تحتاج فيه إلى الرعاية ومتابعة تعليمها.
ويربط صندوق الأمم المتحدة للسكان بين فقد مقدمي الرعاية وانقطاع التعليم والفقر والنزوح، وبين زيادة المخاطر على الفتيات المراهقات وصعوبة وصولهن إلى خدمات الصحة والحماية المناسبة لأعمارهن. كما يحذر من مخاطر العنف والتحرش في المآوي وعند نقاط المياه والمرافق الصحية وتوزيع المساعدات، مع الاكتظاظ وغياب الخصوصية.
وفي تقرير آخر نشره في 17 سبتمبر، عرض الصندوق تجارب 230 امرأة في مواقع نزوح بمدينة غزة وخان يونس، استنادًا إلى مناقشات أُجريت بين ديسمبر 2025 ويناير 2026. وبيّن كيف تزيد الحرب والنزوح عوائق الوصول إلى الأمان والمساعدة، داعيًا إلى الاستفادة من تجارب النساء في تحسين الاستجابة الإنسانية.
استجابة تعوقها قيود الوصول ونقص التمويل
تطالب هيئة الأمم المتحدة للمرأة بأن تراعي الاستجابة الإنسانية مسؤوليات النساء اللواتي يرأسن أسرهن واحتياجاتهن، وتقول إنها تعمل مع منظمات محلية لتقديم مساعدات وخدمات حماية في قطاع غزة.
وفي مادة نشرتها في الثامن من سبتمبر، قالت الهيئة إن جمعية عايشة لحماية المرأة والطفل قدمت دعمًا نفسيًا وإحالات طبية وأجهزة مساعدة ومساعدات نقدية وعينية لسيّدة من ذوي الإعاقة ترعى طفلها وحدها في منطقة المواصي. ووفق الهيئة، تواجه هذه المرأة صعوبة في الانتظار طويلًا في الطوابير وسماع الإعلانات والتنقل وسط ازدحام التوزيع، لأنها تعاني ضعف في السمع والبصر.
وبحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أوتشا، المؤرخ في 11 سبتمبر، يقدم الشركاء في غزة مساعدات نقدية وقسائم للنساء والفتيات، إلى جانب الدعم النفسي ومتابعة الحالات. وتشمل الخدمات أيضًا دعم مقدمي الرعاية وأطفال من ذوي الإعاقة أو الأمراض المزمنة. لكن التقرير لا يفصّل عدد الأسر التي ترأسها نساء واستفادت من هذه الخدمات، كما لا يتيح معرفة مدى تغطيتها لاحتياجات تلك الأسر.
وتتأثر استمرارية الخدمات بالنزوح والقيود على إدخال المستلزمات. فقد أشار مكتب أوتشا إلى إغلاق أو نقل نقاط لتقديم خدمات الحماية بسبب أوامر النزوح. كما ذكر أن السلطات الإسرائيلية رفضت تنسيق إدخال شحنة أخشاب ومستلزمات إيواء، لأسباب أمنية بحسب ما أورده المكتب، بعدما سبق رفضها مرتين. وحذر المكتب من أن ذلك يحدّ من القدرة على تحسين جودة المأوى وإصلاح المساكن المتضررة قبل حلول الشتاء.
ويتزامن ذلك مع تراجع بعض المساعدات المالية. ففي الأول من سبتمبر، قال برنامج الأغذية العالمي إنه خفّض بنسبة 40% قيمة مساعداته النقدية المقدمة في شهر يوليو تموز إلى 375 ألف شخص في غزة، بسبب نقص التمويل، محذرًا من تخفيضات إضافية. وتشمل هذه المساعدات فئات مختلفة من السكان، ولا تقتصر على الأسر التي تُعيلها نساء.