آخر الأخبار

في تصويت قد يغير مستقبل البلاد.. هل تتخلى سويسرا عن حيادها؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يتجه السويسريون إلى صناديق الاقتراع، في مشهد يكرر نفسه منذ عقود طويلة في بلد يُعد آخر معقل لممارسة الديمقراطية المباشرة عبر نظام سياسي فريد من نوعه يمزج بين هذه الآلية والديمقراطية التمثيلية، ويحتكم إلى الاستفتاء بوصفه أحد أرقى طرق المشاركة في الحكم.

لكن الاستفتاء هذه المرة يقترن برمزية الحياد الذي طالما جعل من سويسرا بلدا ثابتا بمنأى عن التقلبات والحروب والتحولات الجيوسياسية التي اجتاحت القارة منذ منتصف القرن الـ19.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "حياد نشط" أم "حياد كامل".. أي معيار يحدد تعاون سويسرا مع حلف الناتو؟
* list 2 of 2 السويسريون يصوتون على تشديد حيادهم التاريخي end of list

ويسعى داعمو الاستفتاء إلى إدراج تعديل دستوري يلزم الحكومة الاتحادية بالتقيد بمفهوم صارم لمبدأ الحياد، بينما يقر المعترضون على هذه الخطوة بأن هذا التعديل قد يضرب جوهر الحياد ومصالح سويسرا في مقتل.

حياد "ذو حدين"

أُدرج مبدأ الحياد السويسري في الدستور الاتحادي منذ عام 1848، ويحظى باعتراف دولي ومكفول بموجب القانون الدولي.

لكن الحياد -من وجهة نظر رسمية في سويسرا- لا يحتكم إلى تعريف قانوني ثابت، إذ تقول المؤسسات الاتحادية إن توظيف الحياد يجب أن يقترن بحماية أمن سويسرا واستقلالها وازدهارها، كما يمنحها امتيازا للاضطلاع بدور الوساطة.

والتزام الحياد بالنسبة للتعريف السويسري لا يعفي الدولة من الالتزام في الوقت نفسه بتعزيز النظام الدولي عبر تطبيق العقوبات الدولية. فعلى سبيل المثال، تبنت سويسرا إلى حد كبير العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي عقب الهجوم الروسي على أوكرانيا، الذي يُعد انتهاكا للقانون الدولي.

لكن الجبهة المحافظة ترى أن مثل هذه الخطوة وغيرها من التحولات التي طرأت على السياسة الاتحادية، مثل برامج التعاون العسكري الدولي والتقارب مع حلف شمال الأطلسي ( ناتو)، قد سرّعت تآكل مبدأ الحياد والإضرار بمصداقيته، وهو ما يثير مخاوف من نتائج عكسية على الأمن السويسري.

مصدر الصورة استفتاء على تشديد الحياد في سويسرا يهدد التعاون مع حلف شمال الأطلسي (غيتي)

"الحياد الصارم"

من أجل تلك الأسباب، تقدمت منظمة "برو سويس" المحسوبة على جماعات الضغط الوطنية المحافظة بمبادرة التعديل الدستوري.

إعلان

وتحظى المنظمة بدعم سياسي قوي من حزب الشعب السويسري اليميني وبدعم مالي قوي للحملة الإعلانية من قبل الملياردير والسياسي المخضرم كريستوف بلوخر، الذي عارض علنا الاصطفاف السويسري وراء الأوروبيين في تطبيق العقوبات الاقتصادية على روسيا.

وتدعو المبادرة إلى ضبط ضمانات دستورية واضحة وغير فضفاضة من أجل تطبيق أكثر صرامة لمبدأ الحياد التاريخي، وتكريس مبدأ "الحياد الدائم والمسلح" لسويسرا بشكل صريح في الدستور.

وإذا صُودق عليها، تفرض المبادرة على سويسرا عدم الانضمام إلى أي تحالف عسكري أو دفاعي أو التعاون معه، إلا إذا تعرضت لهجوم عسكري أو عند التحضير لمثل هذا الهجوم.

وسيُحظر على سويسرا، بموجب المبادرة، المشاركة في نزاعات عسكرية بين دول أخرى أو فرض عقوبات على الدول المتحاربة، باستثناء العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة والتدابير الرامية إلى منع التحايل على العقوبات. كما تقر المبادرة بأن توظيف الحياد يجب أن ينحصر في اضطلاع سويسرا بدور الوساطة.

وإجمالا، يجادل الداعمون للتعديل الدستوري بأن الحياد من شأنه أن يشكل درعا لسويسرا إذا نشب صراع عسكري أوسع نطاقا بين دول الناتو وروسيا، لهذا تقر المبادرة بأن توظيف الحياد من قبل الدولة السويسرية يجب أن ينحصر في الاضطلاع بدور الوساطة.

بين القانون والسياسة

وتبدي الحكومة الاتحادية حتى اليوم التزاما بالقواعد الجوهرية التي جرى التأسيس لها منذ مؤتمر فيينا عام 1815 من قبل القوى المنتصرة على جيوش بونابرت، مقابل التعهد الأوروبي بعدم نقل الحروب إلى أراضيها مجددا.

كما تلتزم سويسرا حتى اليوم بالحقوق والواجبات في قانون الحياد، المدون في اتفاقيات لاهاي المؤرخة في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1907، بينها الامتناع عن المشاركة في الحروب، وضمان الدفاع عن النفس، ومعاملة جميع الأطراف المتحاربة على قدم المساواة في ما يتعلق بتصدير المعدات العسكرية، إلى جانب الامتناع عن السماح بتزويد هذه الأطراف بالمرتزقة أو السماح باستغلال أراضيها لأهداف عسكرية أو عدائية.

مع ذلك، تعترف وزارة الخارجية بأن سياسة الحياد تمثل في نهاية المطاف مجمل التدابير التي تتخذها الدولة بمبادرة منها لضمان استمرارية حيادها الدائم ومصداقيته، معتمدة في تطبيقها على تحليل البيئة الدولية الراهنة، وهو ما يحيل عمليا إلى حياد أكثر مرونة.

وعلى هذا الأساس، ترى الحكومة أن تحويل الحياد إلى قاعدة دستورية صارمة من شأنه أن يفرض قيودا على البلاد في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاطر في بيئتها الأمنية.

ونتيجةً لتضارب وجهات النظر، برزت توصيات الداعمين للتعديل الدستوري ومعارضيه على طرفي نقيض، كما تبينه الاستنتاجات التالية:


* توصية المجلس الاتحادي والبرلمان:

دعا المجلس الاتحادي والبرلمان الناخبين إلى التصويت بـ"لا"، بحجة أن ممارسة الحياد قد أثبتت جدواها منذ عام 1848، إذ يمنح الدستور الاتحادي حاليا هامش التحرك اللازم، مما يتيح للمجلس، في إطار قانون الحياد، حماية مصالح سويسرا حتى في ظل الظروف المتغيرة، بينما من شأن هذه المبادرة أن تقيد هامش التحرك للدولة، وفق تقديرهم.

إعلان

* توصية لجنة المبادرة:

تدعو لجنة المبادرة إلى التصويت بـ "نعم" في الاستفتاء الشعبي، إذ ترى أن الحياد قد جنب سويسرا ويلات الحروب وأتاح لها تحقيق السلام والأمن والرخاء. وفي تقدير اللجنة تضمن المبادرة محافظة سويسرا بشكل دائم وشامل على حيادها الفريد مع احتفاظها بقدرات دفاعية مسلحة، من دون الحاجة إلى تفسيره أو تغييره تحت وطأة الضغوط الخارجية.

وتشير نتائج التصويت في المجلس الوطني (الغرفة السفلى في البرلمان السويسري) إلى تفوق "نعم" بـ120 صوتا مقابل 65 لصالح "لا"، في حين امتنع 5 نواب عن التصويت.

أما في مجلس الولايات (الغرفة العليا)، فيشير التصويت كذلك إلى تفوق "نعم" بـ29 صوتا مقابل 10 أصوات لصالح "لا"، في حين امتنع 5 عن التصويت.

مبادرة "الأمن الغذائي"

يصوت الناخبون السويسريون في الاستفتاء أيضا على مبادرة "الأمن الغذائي"، وهي مبادرة تقدمت بها لجنة مواطنين مستقلة تضم ناشطين بيئيين بدعم سياسي من حزب "الخضر الصغار" اليساري.

وتستند المبادرة إلى حق الشعب السويسري المنصوص عليه في الدستور الفدرالي في الحصول على كميات كافية من المواد الغذائية عالية الجودة وبأسعار معقولة، وهو ما يلزم الحكومة الاتحادية بتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق ذلك.

وتنتج الزراعة السويسرية حاليا ما يقل قليلا عن نصف الاحتياجات الغذائية، في حين يُستورَد الباقي من الخارج.

مصدر الصورة مقترح في الاستفتاء في سويسرا لخفض المنتجات الحيوانية (الفرنسية)

إلى ماذا تهدف المبادرة؟

تهدف المبادرة إلى زيادة الإنتاج المحلي للمواد الغذائية لتصل إلى نسبة لا تقل عن 70% من المواد المستهلكة داخل سويسرا، والحد من الاعتماد على المنتجات المستوردة من الخارج.

ولتحقيق هذه الغاية، تقترح المبادرة تقليص المنتجات الحيوانية مثل اللحوم والبيض والحليب، مقابل العمل على زيادة المنتجات النباتية، وهو ما يتيح إطعام عدد أكبر من الناس باستخدام المساحة الزراعية ذاتها.

وعلاوة على ذلك، تسعى المبادرة إلى تعزيز حماية البيئة ومياه الشرب المتأتية من المياه الجوفية من التلوث، والحفاظ على خصوبة التربة والتنوع البيولوجي، من خلال حث المزارعين على الحد من استخدام مبيدات الآفات والأسمدة.

وتضع المبادرة أمام الحكومة سقفا زمنيا لا يتجاوز 10 سنوات لتحقيق هذه الأهداف.

ما رأي الحكومة والأحزاب؟

تشاطر الحكومة الاتحادية المبادرة في بعض جوانبها، لكنها تبالغ في تقديرها في لائحة الأهداف المعلنة وفي إمكانية تحقيقها خلال 10 سنوات.

ويعترض أيضا كل من المجلس الاتحادي والبرلمان على هذه المبادرة، وحجتهم في ذلك أنه إذا صُودق عليها سيتعين على الدولة التدخل بشكل أكبر في الزراعة وفي العادات الغذائية للسكان، مع تعميم الاستهلاك لكميات أكبر من المواد النباتية مقابل استهلاك أقل للمنتجات الحيوانية، وهو ما قد يترتب عليه تكلفة مالية باهظة.

وعلى عكس مبادرة "الحياد"، لا تطرح مبادرة "الأمن الغذائي" انقسامات سياسية وحزبية بشأنها، إذ أفضى التصويت عليها في البرلمان بغرفتيه إلى فوز ساحق لـ"لا" من دون تسجيل اعتراض أو امتناع عن التصويت.

مع ذلك، يعطي النظام السويسري في النهاية الكلمة للشعب لتقرير مصير المبادرتين عبر صندوق الاقتراع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا