في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت أبحاث تاريخية جديدة عن الحجم الهائل لتورط بريطانيا في تجارة الرقيق عبر الأطلسي، موثقة مشاركة الملوك والملكات وأعضاء البرلمان والمصرفيين والتجار ورجال الدين والنساء في منظومة الاتجار بالأفارقة واستعبادهم، التي استمرت قرابة 250 عاما وانتهت بإلغاء تجارة العبيد عام 1807.
وقالت صحيفة غارديان البريطانية -في سلسلة من 3 تقارير مفصلة- إن "سجل تجار العبيد البريطانيين "نتاج مشروع بحثي استمر 3 سنوات، قادته مجموعة من المؤرخين المتخصصين من جامعات لانكستر ومانشستر ويونيفرسيتي كوليدج لندن".
ويهدف السجل إلى تقديم أوسع صورة حتى الآن للأشخاص الذين موّلوا تجارة العبيد البريطانية، اعتمادا على سجلات الشركات وشهادات الميلاد والوفاة والزواج والوصايا والسجلات السياسية وغيرها من الوثائق التاريخية.
وبحسب غارديان، حدد الباحثون نحو 13 ألف شخص استثمروا في تجارة العبيد البريطانية، من أولى رحلات جون هوكينز في ستينيات القرن الـ16 حتى إلغاء التجارة عام 1807.
وتشير الأبحاث إلى أن السفن وشبكات التجارة البريطانية اختطفت أكثر من 3 ملايين رجل وامرأة وطفل أفريقي، ونقلوهم قسرا عبر المحيط الأطلسي إلى المزارع الاستعمارية في الأمريكتين ومنطقة الكاريبي.
ولم تكن التجارة نشاطا هامشيا أو سريا، بل ارتبطت بالملكية والبرلمان والمؤسسات المالية والنخب التجارية، بينما امتدت أرباحها وتأثيراتها إلى قطاعات واسعة من المجتمع البريطاني، بحسب غارديان.
وكشف السجل والأبحاث المرتبطة به عن تفاصيل صادمة حول عمق هذه التجارة داخل مفاصل الدولة البريطانية تاريخيا، ومن أبرزها:
وتشمل الأسماء التي ظهرت في السجل الملك جيمس الثاني، والملحن جورج فريدريك هاندل، والفيلسوف الشهير جون لوك، وكان هاندل ولوك مساهمين في "الشركة الأفريقية الملكية".
وتعود جذور الدور الملكي إلى القرن السادس عشر، عندما دعمت الملكة إليزابيث الأولى رحلات القرصان المفوض (القانوني) جون هوكينز لنقل الأفارقة المستعبدين، ووفرت له سفنا تابعة للبحرية الملكية مقابل حصة من الأرباح، وفق غارديان.
وبعد استعادة الملكية عام 1660، أصبح تورط التاج ممنهجا، مع تأسيس شركات مرخصة ملكيا للاتجار بالأفارقة.
وكانت "الشركة الأفريقية الملكية"، التي تأسست عام 1672، الأضخم بين تلك الشركات، إذ نقلت ما لا يقل عن 150 ألف رجل وامرأة وطفل أفريقي عبر الأطلسي، بحسب البحث.
وكان الملك جيمس الثاني، الذي كان آنذاك دوق يورك، حاكما للشركة ومساهما رئيسيا فيها، بينما كان ابن عمه الأمير روبرت من أبرز المشاركين فيها. وكانت اجتماعات الشركة التي اتخذت فيها قرارات بشأن تجارة العبيد تُعقد في شقة جيمس الشخصية بقصر وايتهول.
لم تقتصر هذه المنظومة على الملوك والنخب في لندن، بل امتدت إلى المدن الساحلية، خصوصا بريستول وليفربول، بحسب تقرير غارديان.
وتظهر السجلات أن التاجر ريتشارد فار -وهو في الأصل صانع حبال في بريستول أصبح أحد أكثر تجار الرقيق شهرة في المنطقة- جهّز ما لا يقل عن 38 سفينة نقلت أكثر من 10 آلاف شخص إلى المزارع.
وجهز جيمس لاروش على مدى 42 عاما، حتى وفاته عام 1770، ما لا يقل عن 105 سفن لرحلات التجارة بالرقيق، نقلت أكثر من 30 ألف شخص إلى الأسر.
وفي ليفربول، التي أصبحت مركزا رئيسيا للاتجار بالأفارقة المستعبدين ابتداء من نحو عام 1750، وجد البروفيسور إدموند سميث من جامعة مانشستر -وهو أحد كبار الباحثين في المشروع- أن 51 من رؤساء بلدية المدينة كانوا من المتورطين في تجارة العبيد، وأن سلطات المدينة مارست ضغوطا متكررة على البرلمان ضد إلغاء التجارة.
ومن أبرز الأسماء آرثر هيوود، الذي شارك في 80 رحلة بين عامي 1744 و1780، ونقل نحو 21 ألفا و648 أسيرا أفريقيا إلى مستعمرات وموانئ في الأمريكتين والكاريبي، وأسس لاحقا بنكا باسمه واسم عائلته، طبقا للتقرير.
كما شارك التاجر ويليام إيرل في 117 رحلة نقلت ما يقدر بـ36 ألفا و565 أفريقيا مستعبدا، وأصبحت عائلته، بحسب السجل، واحدة من أبرز سلالات تجار العبيد في بريطانيا.
وتؤكد غارديان أن الرحلات البحرية نفسها شديدة الوطأة؛ إذ تكشف السجلات أن روبرت هيسهام وشقيقه ويليام نقلا نحو 9 آلاف أفريقي مستعبد، تُوفي منهم نحو 1350 بسبب الظروف القاسية على متن السفن.
كما توضح قاعدة بيانات "سليف فوياجز" أن "شركة بحر الجنوب" نقلت 43 ألفا و220 أفريقيا أسيرا من غرب أفريقيا ومدغشقر إلى الكاريبي والمناطق الخاضعة لإسبانيا في الأمريكتين بين عامي 1714 و1740، بينما تُوفي نحو 7 آلاف شخص على متن سفن الشركة. ونقلت الشركة أيضا أكثر من 50 ألف مستعبد داخل الأمريكتين.
وتوضح غارديان أن هؤلاء الأشخاص كانوا يُستعبدون مدى الحياة ويُجبرون على العمل دون أجر تحت العنف الشديد، لإنتاج سلع مثل السكر والتبغ التي أصبحت جزءا أساسيا من الاستهلاك الأوروبي.
وفي عام 1750، أقر البرلمان قانونا أنهى وجود "شركة أفريقيا الملكية" وكرّس نظام "التجارة الحرة" في الاتجار بالأفارقة، بعدما كان احتكار الشركة قد أزيل على مراحل منذ أواخر القرن الـ17.
وتضمن القانون نصا يعتبر التجارة مع أفريقيا ضرورية لتوفير عدد كافٍ من الأفارقة للمزارع والمستعمرات، وبأسعار "معقولة "، وينص على أن تكون التجارة مفتوحة لجميع رعايا الملك. وبذلك، وفق غارديان، أصبحت تجارة العبيد جزءا معلنا من السياسة الاقتصادية للدولة.
كما ارتبطت تجارة العبيد بالتصنيع البريطاني خلال الثورة الصناعية، إذ كانت السفن التجارية تنطلق بسلع وبضائع، بينها أسلحة منتجة في برمنغهام، لتبادلها في غرب أفريقيا مقابل أفارقة مستعبدين، قبل نقلهم إلى المستعمرات.
وفي عام 1833، عندما ألغى البرلمان العبودية في معظم أنحاء الإمبراطورية البريطانية، دفعت الحكومة البريطانية نحو 20 مليون جنيه إسترليني لتعويض مالكي المستعبدين عن فقدان ما اعتبره القانون آنذاك "ملكية" لهم.
وتعادل هذه القيمة نحو 2.7 مليار جنيه بالقيمة الحالية (أو نحو 3.6 مليارات دولار) وفق أدنى طرق الحساب التي أوردتها غارديان. ولم يحصل المستعبدون أنفسهم على أي تعويض.
وتشير الأبحاث إلى أن ثروات المتورطين في تجارة العبيد دخلت في بنية المجتمع البريطاني، ومولت مستشفيات ومدارس ومؤسسات للرعاية، والفنون والعلوم والثقافة.
وفي مفارقة لافتة، تظهر الوصايا -وفق المشروع- أن مئات المستثمرين تركوا أموالا للفقراء عبر الكنائس والمؤسسات المحلية.
وتكشف أبحاث منفصلة ضمن المشروع عن جانب أكثر قسوة من الدور الملكي، فقد عثر المؤرخ نيكولاس رادبورن من جامعة لانكستر على رسالة من مجلس إدارة "شركة بحر الجنوب" إلى وكلائها في بوينس آيرس عام 1714، تتضمن تعليمات بوسم المستعبدين بقطعة معدنية تحمل رمز التاج البريطاني.
وقال رادبورن إن الرسالة تظهر أن أعضاء النخبة في لندن كانوا يناقشون بالتفصيل كيفية ممارسة العنف على المستعبدين في الخارج.
وجاء في الرسالة: "لقد تبين الآن أنكم لا تضعون علامة على العبيد والسبب هو أن الفرنسيين لم يكونوا يفعلون ذلك، وأن الدكتور دوفر قال إن علامتكم، نظرا إلى كبر حجمها، قد تعرض العبيد للخطر".
وأصر مجلس الإدارة على أن يتجاهل الوكلاء نصيحة الطبيب، وكتب أن الوسم بالحديد والنار كان "الطريقة الأكثر فاعلية، لتمييز عبيدنا عن الآخرين". وأرسل المديرون علامة على شكل تاج مع رسالتهم وتعليمات حول كيفية إحداث ندبة في أجساد الأفارقة المستعبدين بها.
وكتبوا: "نرفق لكم علامة فضية صغيرة. أما طريقة استخدامها، فإن الطريقة المتبعة في مراكزنا التجارية الأخرى هي وسم العبيد على الكتف الأيسر بعد تسخين العلامة حتى تحمر". ووقّعت الرسالة بعبارة: "أصدقاؤكم المخلصون، مجلس المديرين"، وفق ما نقلته غارديان.
وسم الشركة الأفريقية الملكية (الشركة الأفريقية الملكية)ويأتي نشر السجل في وقت يتصاعد فيه الجدل حول التعويضات والاعتذار عن العبودية، ففي مارس/آذار 2026، صوتت غالبية كبيرة من الدول في الأمم المتحدة لصالح إعلان، قادته غانا، وصف الاتجار التاريخي بالأفارقة واستعبادهم بأنه "أفظع جريمة ضد الإنسانية"، وفقا لغارديان.
وامتنعت بريطانيا عن التصويت، قائلة إن صياغة الإعلان تخلق "تسلسلا هرميا للفظائع التاريخية"، ومؤكدة أن العبودية وتجارة العبيد لم تكونا في ذلك الوقت انتهاكا للقانون الدولي.
وفي الأسبوع الماضي، كما يشير التقرير، قدم وفد رسمي من جامايكا التماسا إلى الملك تشارلز يطلب رأيا قانونيا بشأن شرعية الموقف البريطاني من التعويضات، وما إذا كان نقل الأفارقة قسرا إلى جامايكا يشكل جريمة ضد الإنسانية، وما إذا كانت بريطانيا ملزمة بتقديم تعويضات عن العبودية وآثارها المستمرة.
وكان تشارلز قد وصف العبودية سابقا بأنها "فظاعة مروعة"، لكنه لم يقدم اعتذارا رسميا عن دور بريطانيا أو الملكية في ممارستها.
متظاهرة ترفع لافتات تنتقد إرث العائلة الملكية المرتبط بتجارة الرقيق في عام 2023 (غيتي)وقال متحدث باسمه، ردا على تحقيق غارديان، إن الملك "ممتن" للباحثين الذين يعملون على هذا الملف ويسهمون في النقاش حول كيفية معالجة هذه القضايا.
وبذلك، يكشف "سجل تجار العبيد البريطانيين" أن الدولة التي استفادت مؤسساتها الملكية والسياسية والاقتصادية من استعباد ملايين الأفارقة لم تقدم، حتى الآن، اعتذارا رسميا عن دورها، كما رفضت الحكومات المتعاقبة فتح نقاش حول التعويضات.
وبينما تكشف الوثائق حجم تورط النخبة البريطانية والملكية في هذه المنظومة، يبقى الجدل قائما حول ما إذا كان هذا التاريخ قد انتهى فعلا بإلغاء تجارة الرقيق والعبودية، أم إن آثاره وثرواته وعلاقاته المؤسسية لا تزال حاضرة في بريطانيا الحديثة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة