على مدى عقود، دار الجدل في إيران حول بحر قزوين حول سؤال يبدو بسيطًا، لكنه شديد الأهمية: ما النسبة التي تستحقها البلاد من ثرواته؟
ولفهم هذا الجدل، تجدر الإشارة إلى أن بحر قزوين تطل عليه خمس دول هي إيران وروسيا وأذربيجان و كازاخستان وتركمانستان. إلا أن هذا المسطح المائي لا يُعامل بوصفه بحرًا تقليديًا أو بحيرة دولية، بل يخضع لنظام قانوني خاص اتفقت عليه الدول الخمس لتنظيم الملاحة والمياه الإقليمية والصيد والأمن واستغلال موارد البحر.
وفي عام 2018، جاءت الخطوة الأبرز في هذا المسار، عندما وقّع قادة الدول الخمس اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين في مدينة أكتاو بكازاخستان. وبموجب الاتفاقية، تمتلك كل دولة مياه إقليمية تمتد لمسافة 15 ميلًا بحريًا، تليها منطقة صيد حصرية تمتد 10 أميال بحرية إضافية. ومع ذلك، لم تقسّم الاتفاقية بحر قزوين بأكمله إلى خمس حصص وطنية ثابتة، وهو ما يعني أن تحديد نسب تقاسم موارده لم يُحسم بمجرد توقيع الاتفاقية.
قبل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، كانت إيران والاتحاد السوفيتي الدولتين الوحيدتين المطلتين على بحر قزوين.
وأعادت معاهدة الصداقة الروسية-الفارسية الموقعة عام 1921 إلى إيران حقوق الملاحة التي كانت قد قُيّدت في عهد الإمبراطورية الروسية، فيما جاءت معاهدة عام 1940 لتنظيم شؤون التجارة والملاحة بين البلدين بصورة أوسع.
غير أن أيًا من المعاهدتين لم ينص على منح إيران حصة قدرها 50% من بحر قزوين، وهو ما يكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى الخلافات اللاحقة بشأن تقاسم موارده ومياهه.
وفي هذا السياق، يقول أحمد وَخْـشـيـتـه، مدير مركز البحوث الاستراتيجية لتطوير العلاقات مع الشرق الأوسط في موسكو، في تصريح لـ DW، "إن التمييز بين تقاسم حقوق الاستخدام وتحديد حصص الملكية أمر جوهري لفهم النزاع."
أذربيجان وكازاخستان تستخرجان النفط والغاز من بحر قزوين وتعملان على زيادة المشاريع فيه.صورة من: Anatoly Ustinenko/TASS/dpa/picture allianceوأوضح وَخْـشـيـتـه أن أيًا من هذه المعاهدات لم يحدد نسبة مئوية لإيران أو الاتحاد السوفيتي، بل ركز على مبدأ الاستخدام المشترك، بدلًا من تقسيم البحر إلى حصص ملكية.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، برزت أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان كدول مستقلة، فتحوّل الإطار القانوني الذي كان ينظم العلاقة بين دولتين إلى مفاوضات معقدة بين خمس دول.
وفي ظل هذه التطورات، طالب بعض السياسيين الإيرانيين بمنح إيران حصة قدرها 50%، استنادًا إلى مشاركتها السابقة في إدارة البحر مع الاتحاد السوفيتي، في حين دعا آخرون إلى حصة تبلغ 20%. غير أن أيًا من هذين المطلبين لم يحظَ حتى الآن باعتراف دولي.
قال وَخْـشـيـتـه "إن بحر قزوين ليس بحرًا بالكامل ولا بحيرة بالكامل. وأوضح أن اتفاقية عام 2018 أرست نظامًا قانونيًا خاصًا ينظم وضع المياه وقاع البحر، إلى جانب القضايا المتعلقة بالأمن والموارد".
وبموجب الاتفاقية، لا يُقسَّم سطح بحر قزوين إلى قطاعات وطنية؛ إذ تتمتع كل دولة بمياه إقليمية ومناطق صيد خاصة بها، بينما تبقى بقية المياه متاحة للملاحة المشتركة.
أما قاع البحر، فيمكن تقسيمه بموجب اتفاقيات تبرمها الدول المطلة عليه. وتكتسب هذه الاتفاقيات أهمية كبيرة، لأن حقوق استغلال النفط والغاز في المناطق البحرية تعتمد إلى حد كبير على ترسيم هذه الحدود.
وكانت روسيا وكازاخستان وأذربيجان قد أبرمت بالفعل عدة اتفاقيات ثنائية لترسيم الحدود، بينما لا تزال الحدود الجنوبية لإيران من أكثر القضايا حساسية من الناحية السياسية.
تحظر اتفاقية عام 2018 وجود قوات مسلحة تابعة لدول من خارج المنطقة في بحر قزوين، كما تُلزم الدول الساحلية بعدم السماح باستخدام أراضيها لشن عمليات عسكرية ضد أي دولة أخرى مطلة على البحر.
لكن إيران اتهمت أوكرانيا مؤخرًا بمهاجمة سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين، ما أسفر عن مقتل أحد البحارة، في حين قالت كييف إنها استهدفت سفنًا كانت تنقل شحنات عسكرية مرتبطة بإيران وروسيا.
ويرى وَخْـشـيـتـه أن مثل هذه الحوادث توضح لماذا تعتبر طهران إبعاد القوى العسكرية الخارجية عن بحر قزوين أولوية استراتيجية.
وأضاف وَخْـشـيـتـه قد تواصل إيران التفاوض بشأن ترسيم حدود قاع البحر، لكن هناك قاعدة قانونية مشتركة قائمة بالفعل بشأن مبدأ مهم، وهو ألا يتحول بحر قزوين إلى قاعدة عسكرية لقوى من خارج المنطقة، وتُعد إيران حاليًا الدولة الوحيدة بين الدول الخمس الموقعة التي لم تستكمل إجراءات المصادقة البرلمانية على الاتفاقية.
وراء الخلافات القانونية والعسكرية توجد قضية مهمة أخرى، وهي الطاقة، خاصة النفط و الغاز . ففي هذا المجال، تمتلك كل من أذربيجان وكازاخستان موارد نفطية بحرية كبيرة، في حين تمتلك تركمانستان احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي.
ومن جهة أخرى، يرى أومود شوكري، خبير استراتيجيات الطاقة والباحث الزائر في جامعة جورج ميسون،لـ DW "أن إيران تمتلك أيضاً موارد مهمة من النفط والغاز."
ورغم اكتشاف حقل سردار جنغل عام 2012 بوصفه أهم اكتشاف لإيران في بحر قزوين، فإن عمليات تطويره شهدت تقدماً محدوداً، ولم يبدأ الحقل الإنتاج التجاري حتى الوقت الحاضر."
وبحسب التقديرات الإيرانية، قد تحتوي المنطقة على نحو ملياري برميل من النفط ، يمكن استخراج حوالي 500 مليون برميل منها، إضافة إلى وجود الغاز الطبيعي.
وفي هذا السياق، أكد شوكري "إن إيران تمتلك اكتشافات مؤكدة للنفط والغاز ، كما أن لديها آفاقاً واعدة في هذا المجال، لكن كمية الموارد التي يمكن استخراجها تجارياً من بحر قزوين لا تزال غير واضحة، كما أن معظم هذه الموارد لم يتم تطويرها حتى الآن."
يُعدّ جنوب بحر قزوين أعمق بكثير من العديد من المناطق التي طوّرتها دول الجوار الإيرانية. يقع حقل سردار جنغل في مياه يصل عمقها إلى حوالي 700 متر، ما يتطلب معدات حفر متطورة وتقنيات تحت سطح البحر واستثمارات ضخمة.
وقد جعلت العقوبات من الصعب على إيران الوصول إلى الشركات الدولية والحصول على التمويل والتكنولوجيا المتخصصة في المشاريع البحرية. إلى جانب ذلك، أمام إيران خيارات أسهل وأقل تكلفة.
ويرى شكري أن إيران تملك حقولًا نفطية وغازية ضخمة في الخليج وعلى اليابسة، وهي حقول أسهل وأقل تكلفة في التطوير من الموارد الموجودة في بحر قزوين.
ولهذا، ترى طهران أن استثمار مليارات الدولارات في مشاريع صعبة في المياه العميقة ببحر قزوين قد يكون أقل جاذبية من زيادة الإنتاج في مناطق أخرى، وخاصة حول الخليج، مثل حقل غاز جنوب فارس.
في النهاية، لا تنفرد أي دولة بالسيادة على بحر قزوين أو السيطرة على موارده، كما لا توجد معاهدة تمنح إيران أو روسيا أو أي دولة أخرى حصة ثابتة منه.
وتملك الدول الخمس المطلة على بحر قزوين مياه إقليمية ومناطق صيد خاصة بها، في حين تبقى أجزاء أخرى من البحر مفتوحة للاستخدام المشترك.
أما حدود قاع البحر، التي تحدد كثيراً من الحقوق المتعلقة بالنفط والغاز، فما زالت الدول المتجاورة تتفاوض بشأنها بشكل منفصل. وبالنسبة إلى إيران , فهذا يعني أن بعض حقوقها في الموارد البحرية لا تزال قيد التفاوض.
ومع ذلك، لم تعد مسألة حصة كل دولة من بحر قزوين هي القضية الأساسية. فاليوم، يتركز الخلاف على كيفية تقاسم موارده وإدارتها، وترسيم الحدود البحرية، ومنع وجود قوات عسكرية أجنبية في المنطقة.
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW