رفضت محكمة تونسية الطعون المقدمة في ما يُعرف بقضية " التآمر على أمن الدولة 1 "، لتصبح بذلك الأحكام الصادرة بحق عدد من قادة المعارضة والمتهمين في الملف باتة وغير قابلة لأي وجه من أوجه الطعن.
وكانت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب قد أصدرت، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أحكامًا نهائية في حق المتهمين في هذه القضية، تراوحت بين 5 أعوام و45 عامًا من السجن، مع النفاذ العاجل بحق عدد منهم، إلى جانب مصادرة أملاك عدد من المتهمين وإخضاعهم للمراقبة الإدارية.
يضم الملف أكثر من 40 شخصًا، بينهم معارضون سياسيون ورجال أعمال وغيرهم، منذ بدء الإيقافات في فبراير/شباط 2023.
وتتعلق التهم التي وجهها القضاء إلى المعارضين السياسيين وبقية المتهمين بـ"التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وتكوين وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية والانضمام إليه، إضافة إلى ارتكاب الاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة أو حمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضًا بالسلاح، وإثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي المرتبطة بجرائم إرهابية والإضرار بالأمن الغذائي والبيئة"، وفق مصادر قضائية.
ومنذ انطلاق القضية، أثارت الأحكام الصادرة فيها جدلًا، في ظل رفض واستياء من جانب قوى سياسية ومنظمات حقوقية تونسية ودولية.
واعتبرت عدة منظمات حقوقية تونسية ودولية وأحزاب سياسية تونسية أن "أحكام قضية التآمر 1 تعسفية، وأن الملف فارغ ولا يتضمن أي إدانة"، كما قالت إن "التهم ملفقة وهدفها تصفية المعارضة السياسية في البلاد وتجريم النشاط السياسي السلمي"، وتصاعدت تبعًا لذلك الدعوات إلى الإفراج عن المتهمين.
وتزامن انعقاد جلسة التعقيب مع دعوات أطلقتها عدة أحزاب تونسية وجمعيات ومنظمات من أجل "إعلاء قيم العدالة والإنصاف وسيادة القانون وإيقاف مسار الظلم وتجريم المعارضة السياسية السلمية".
وقالت شخصيات حقوقية وسياسية إن جلسة 3 سبتمبر/أيلول تمثل "امتحانًا لاستقلال القضاء في البلاد".
وانتظمت، الخميس، وقفة تضامنية أمام محكمة التعقيب في تونس، شارك فيها عدد من النشطاء تضامنًا مع عائلات السجناء السياسيين.
وقال محامون إنهم أُبلغوا بموعد جلسة النقض قبل ثلاثة أيام فقط، معتبرين أن ذلك لم يمنحهم الوقت الكافي للتحضير.
وقالت المحامية هيفاء الشابي إن "القضية كلها بدأت بطريقة غريبة بدوافع سياسية وتعليمات من وزارة العدل".
من جهته، قال عز الدين الحزقي، والد المعارض جوهر بن مبارك، الذي كان حاضرًا بين المتظاهرين أمام المحكمة، إنه "فخور" بأن نجله وغيره من المنتقدين للرئيس قيس سعيّد يقبعون في السجن لأنهم "دافعوا عن وطنهم".
وأضاف: "نحن نعارض انقلاب الرئيس وكل القوى التي تعرقل تقدّم تونس".
وقالت المنظمة إن القرار "يكرّس مسارًا خطيرًا من توظيف منظومة العدالة لاستهداف المعارضين والمنتقدين السلميين وإسكات الأصوات المخالفة".
وأضافت أن القضية "شابتها منذ بدايتها انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، في ظل ملاحقات استندت إلى تهم ذات دوافع سياسية وأفضت إلى أحكام قاسية بالسجن بحق شخصيات معارضة ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان".
ودعت العفو الدولية السلطات التونسية إلى "إلغاء هذه الإدانات والأحكام الجائرة، والإفراج فورًا ودون قيد أو شرط عن جميع المحتجزين تعسفًا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، ووضع حد لاستخدام منظومة العدالة كأداة لقمع المعارضة وترهيب المنتقدين".
وقال المحامي كريم المرزوقي، عضو هيئة الدفاع، إن المسار القضائي الذي وصفه بـ"الخاضع منذ البداية لإرادة السلطة السياسية" انتهى . وأضاف: "لكن لا ينتهي النضال من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين".
من جانبه، قال المحامي وأستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ إن "الطعن رُفض ما كان متوقعًا، رغم ما أثبته الدفاع من خروقات مست ضمانات المحاكمة العادلة، وهضم لحقوق الدفاع، وضعف في التعليل، وهي نقائص لم تكن هامشية ولا عرضية".
وفي تدوينة على حسابه بموقع فيسبوك، قال محفوظ: " عندما تتقدم السياسة على العدالة، يصبح القانون مقيّدًا، ويصبح القضاء، مهما كانت النصوص، محاصرًا بحدود السلطة. وقد أثبت التاريخ أن القضاء الذي يُطلب منه خدمة السياسة لا يستطيع أن يحميها إلى ما لا نهاية".
أما الصحافية أميرة محمد فقالت: "قرار محكمة التعقيب اليوم يؤكد أن النظام يزداد غطرسة وجبروتاً، ويواصل نهج الظلم والتنكيل لتغطية فشله، ولا سبيل لخلاص تونس سوى رحيله". وأضافت: "أطلقوا سراح تونس. الحرية للمظلومين والمظلومات."
تُعد قضية "التآمر على أمن الدولة" من أبرز الملفات القضائية وأكثرها إثارة للجدل في تونس.
وتعود بداياتها إلى فبراير/شباط 2023، عندما صدر بلاغ مقتضب يفيد باعتزام مجموعة من الأشخاص "التآمر على أمن الدولة"، بحسب رواية السلطة، قبل أن تشمل القضية أكثر من 40 شخصًا من معارضين سياسيين ورجال أعمال وغيرهم.
وتقوم القضية، بحسب ما يرد في الانتقادات الموجهة إلى الملف، على شهادات مجهولة الهوية، فيما تنفي السلطات التونسية اتهامات توظيف القضاء سياسيًا.
وترتبط خلفية الملف بالتغيرات السياسية التي شهدتها تونس منذ 25 يوليو/تموز 2021، عندما أقدم الرئيس قيس سعيّد على اتخاذ إجراءات استثنائية شملت حلّ البرلمان، قبل إقرار دستور جديد عبر استفتاء شعبي في العام التالي، أعقبته انتخابات تشريعية.
ومنذ ذلك الحين، شدد سعيّد في مناسبات عدة على استقلال القضاء، ونفى تدخله في عمله أو توظيف المؤسسة القضائية لملاحقة معارضيه وخصومه السياسيين.
وفي المقابل، تعتبر قوى سياسية تونسية معارضة، من بينها حركة النهضة، أن الإجراءات التي اتخذها الرئيس تمثل تكريسًا لـ"حكم فردي مطلق"، بينما ترى أطراف أخرى أنها تمثل "تصحيحًا لمسار ثورة 2011" التي أطاحت ب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
وحذرت منظمات دولية، من بينها منظمة العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش"، مما اعتبرته تراجعًا في الحريات المدنية وتزايدًا في القيود على العمل السياسي، وسط اتهامات للرئيس قيس سعيّد بالانزلاق نحو "نهج سلطوي"، خصوصًا بعد إقراره دستور 2022 الذي عزز صلاحيات الرئاسة.
في سياق متصل بالوضع داخل السجون التونسية، صرّح رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي، الخميس، بأن عشرين سجينًا قضوا في تونس خلال الأسابيع القليلة الماضية، التي شهدت موجة حر شديد فاقمت، وفق قوله، ظروف السجن الصعبة أصلًا.
بالتوازي، تتفاقم أزمة المياه في تونس مع نقص حاد في المياه المعدنية ، ما دفع مواطنين إلى الاصطفاف أمام المتاجر والتنقل بين مناطق عدة بحثاً عن قوارير المياه.
في المقابل، تحدث الرئيس التونسي قيس سعيّد عن "أعمال مدبّرة هدفها تأجيج الأوضاع"، مؤكداً أن "الأفعال" هي ما يحتاجه التونسيون.
وتنتقد أحزاب معارضة هذا الطرح، معتبرة أن تحميل الأزمة لـ"المتآمرين" لا يعفي السلطات من مسؤوليتها.
المصدر:
يورو نيوز