آخر الأخبار

ساحل باب المندب.. الحياة بين لهيب الصيف وشح القوت وظلال الحرب

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

باب المندب- على امتداد نحو 300 كيلومتر من الشريط الساحلي الممتد من منطقة "رأس العارة" ومضيق باب المندب جنوب اليمن، مرورا بمديريات "ذو باب" و المخا، والوزاعية، وصولا إلى الخوخة، وحيس، والدريهمي على مشارف مدينة الحديدة شمالا، تختلف تفاصيل الحياة عن صخب المدن وحداثتها.

وفي هذه الممتدات الساحلية، التي تضم أكثر من نصف مليون نسمة يتوزعون على عشرات القرى والمدن الساحلية، يبدو الإيقاع اليومي أشد بساطة وقسوة في آن واحد، حيث يعيش السكان بإمكانيات محدودة، مستمدين رمق حياتهم من أجور العمالة اليومية الشاقة، أو البيع المتجول، أو زراعة النخيل والبساتين الصغيرة.

ويرتبط هذا الممر الساحلي برباط جغرافي واقتصادي وثيق، فالمعاناة المعيشية التي تضغط على أسر العمال والفقراء في رأس العارة و"ذو باب" جنوباً هي ذاتها التي تثقل كاهل الأسر في الخوخة والدريهمي شمالا.

ويجمع هذه المجتمعات مصير واحد يدور في فلك غلاء المعيشة، ولهيب الصيف المناخي، وغياب الخدمات الأساسية.

مصدر الصورة مدخل سوق الخوخة (الجزيرة)

الخوخة.. صراع يومي لأجل "السبغ"

تحت حرارة الشمس اللافحة، انطلقنا من مدينة المخا الساحلية شمالاً باتجاه محافظة الحديدة. وبعد نحو 30 كيلومتراً، توقفنا في قرية "يختل" التابعة لمديرية المخا، والتي تعد بوابة التماس مع مديرية الخوخة (أولى مديريات محافظة الحديدة جنوبا).

هنا في "يختل" والمناطق المجاورة مثل "الرويس" و"الزهاري" يعيش الناس حياة ريفية ساحلية هادئة، ويتوزع نشاط نحو 15 ألف مواطن بين الزراعة التقليدية للنخيل والخضراوات، والعمل في خدمة المسافرين ونقاط البيع البسيطة مقابل أجور يومية بسيطة.

مصدر الصورة لا مجال للهو فهم يجمعون محصولهم من الأسماك في ساحل الخوخة (الجزيرة)

وإلى الشمال بنحو 50 كيلومترا وصولا إلى مدينة الخوخة، تبرز صور المعاناة اليومية بشكل أوضح بين أكثر من 100 ألف نسمة من السكان الأصليين والنازحين. ويواجه الأهالي ظروفاً معيشية ضاغطة، معتمدين كليا على ما أجور يومية لتوفير قوت الليلة.

إعلان

ووسط المدينة، وأمام بقالة متواضعة، وخلال جولة الجزيرة نت عند منتصف النهار، كانت تقف 3 نساء بدت عليهن ملامح الإرهاق الشديد، تحمل كل منهن كيساً بلاستيكياً صغيرا يضم قطعتين من السمك وحبة بطاطا وقليلا من الزيت.

تقول عائشة غالب للجزيرة نت وهي تشير إلى كيسها الصغير "لا نملك غير هذا "السبغ" (الإدام) للغداء.. الألفا ريال لم تعد تكفي لشراء وجبة متكاملة، لكن ماذا نفعل؟". تتشارك النساء الثلاث المكونات والزيت في حيلة معيشية محاطة بالمرارة، لضمان عودة كل منهن بوجبة طعام بسيطة لأسرتها.

مصدر الصورة أشجار النخيل في تهامة (الجزيرة)

لهيب الصيف

تزداد قسوة الحياة مع الظروف المناخية، إذ تسجل المناطق الساحلية في باب المندب وتهامة درجات حرارة تتجاوز 42 درجة مئوية صيفاً مع نسبة رطوبة تتعدى 80%، وهو ما يطلق عليه الأهالي "النار الحارقة".

وتتجلى المعاناة في عشرات القرى والتجمعات الساحلية الممتدة من "قطابا" و"المتينة" وصولا إلى "حيس" و"الدريهمي" حيث تحفر الحرارة تجاعيدها على وجوه العمال وحمالي البضائع وكبار السن.

مصدر الصورة عصرية لأبناء تهامة (الجزيرة)

ورغم وجود شبكات الكهرباء في بعض المراكز الحضرية، إلا أنها تظل بعيدة عن متناول أكثر من 70% من السكان الذين يقطنون "العشش" المصنوعة من قصب الذرة والقش. وليس بمقدروهم تحمل تكاليف الطاقة أو شراء أجهزة التكييف، فيكتفون بمواجهة "السعير" بإمكانياتهم البدائية.

وفي حديثه للجزيرة نت، يقول وليد سليمان، وهو من أبناء الخوخة "أعمل بالحاصل وما كتبه الله لي.. أحيانا أحصل 3000 ريال في اليوم من الحمالة والأعمال البسيطة، وأحيانا أخرى أجلس في الشارع حتى الظهيرة دون أن أجد أي عمل".

مصدر الصورة من وسط مدينة المخا (الجزيرة)

المخا.. بين إرث الماضي والحاضر

وبالعودة جنوبا إلى مدينة المخا التي يقطنها أكثر من 65 ألف نسمة، يبدو المشهد أكثر حيوية مقارنة بالمناطق المجاورة. ورغم الهجمات والتطورات العسكرية التي شهدتها المنطقة مؤخرا، لا تزال الحركة التجارية والأسواق الشعبية تحافظ على نشاطها.

ومع اشتداد الحر ليلا، يهرب العشرات من أبناء المخا والنازحين إليها إلى الأرصفة والساحات العامة للنوم في العراء طلباً للهواء، فيفرشون الكراتين أو الأغطية البسيطة على جوانب الطرقات.

يقول ماجد عبد الله، وهو من سكان المخا "أنام في الشارع وأنا مطمئن، فهنا أمان نسبي، ونهرب من الحَما (الحر الشديد) داخل المنازل". ويضيف أن المدينة شهدت تحسنا في بنيتها التحتية مقارنة بالماضي حيث "كانت المخا عبارة عن منطقة شبه ريفية تكسوها الغبار ولا نستطيع الخروج عصرا، لكن الآن مع تعبيد الشوارع وتوسع المباني أصبحت الحياة أكثر حركة".

منازل قديمة في المخا (الجزيرة)

ومن جانبه، يوضح بشار الأشعري، وهو يعمل في تجارة الملابس "الحياة في المخا تغيرت كثيرا، قبل سنوات الحرب وتحديدا منذ عام 2007، كنت أحمل كيس الملابس وأتجول به على أقدامي بين القرى والمناطق الممتدة من (ذو باب) وحتى الخوخة، وأغيب ليومين كي أبيعها. أما الآن فقد سهلت المواصلات وتعبيد الطرقات الحركة بشكل كبير".

ويردف الأشعري مستدركا "لكن في هذه الأيام، وبسبب التوترات والهجمات الأخيرة على المنطقة، تراجعت حركة السوق قليلاً. في السابق كنت أعمل بشكل متواصل من الصباح حتى الليل، أما الآن فالزبائن أقل، ونأمل أن تستقر الأوضاع مجددا".

من عادات أبناء المخا الخروج مساءً الجلوس في الأحياء المفتوحة (الجزيرة)

أطلال الذاكرة وآثار الحرب

في جولة ميدانية للجزيرة نت داخل مدينة المخا القديمة، تظهر معالم الدمار الجزئي جلية على قلاعها ومنازلها الأثرية. وبحسب روايات كبار السن من أبناء المدينة، فإن المخا تعرضت قديما لكارثة "سيل الثلوث" الشهير الذي جرف أجزاء واسعة من أحياء وقصور المدينة العتيقة وطمر بعض معالمها. لكن الحرب الأخيرة أجهزت على ما تبقى من هذا الإرث، لتشوه وجه المدينة التي أهدت العالم قهوة "المخا" (Mocha).

"قبة العمودي" بمدينة المخا القديمة بقيت أجزاء منها فيما تهدمت الأجزاء العلوية (الجزيرة)

وتجولنا في المعالم التاريخية التي أتى على ذكرها الرحالة الألماني كارستن نيبور في يوميات رحلته عامي (1762 – 1763) بدءا من السوق المركزي القديم، مروراً بجامع الشاذلي وقبة العلوي، وصولاً إلى بقايا الأسوار وأبوابها التاريخية الخمسة (العمودي، الشاذلي، فجير، صندل، الساحل).

إعلان

ويقول الشاب محمد علي علاوة للجزيرة نت "تتميز مدينتنا والشريط الساحلي بطابع خاص، فيعيش الناس بين لهيب الصيف وقسوة الظروف، لكنهم يواصلون حياتهم ببريق من الأمل. يواجهون الأهالي تحديات جليلة كضعف الخدمات والحرارة الشديدة والغلاء، إلا أن التكافل الاجتماعي يظل سندهم الأول".

قوارب الصيادين في ساحل المخا (الجزيرة)

ذو باب.. بساطة الريف وتحديات البقاء

جنوبا وعلى مسافة 80 كيلومترا من المخا، امتدت جولتنا لتصل إلى مديرية "ذو باب" (المندب) التي يقطنها أكثر من 20 ألف مواطن، وصولا إلى التخوم الساحلية لمنطقة رأس العارة. وفي هذه الرقعة الإستراتيجية المطلة على واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم، تندمج قسوة الجغرافيا الممتدة بين رمال الصحراء والساحل مع واقع معيشي معقد.

وفي "حارة المدرسة" بمركز مديرية "ذو باب" تبدو الحياة ريفية بامتياز، حيث تتداخل العشش والمنازل البسيطة المصنوعة من القش مع الطرقات الترابية. وتنقلت الكاميرا بين الأحياء والأسواق المتاخمة للشواطئ بدءا من "العيقة" ومرورا بـ "الكربة" وصولا إلى أطراف "الجبيل" و"الجرجر".

باخرة تبحر في مياه باب المندب (الجزيرة)

في هذه القرى الممتدة على طول "ذو باب" ورأس العارة، يظهر التكاتف الإنساني ليعوض النقص الحاد في الخدمات الأساسية، إذ تفتقر معظم التجمعات السكنية لشبكات المياه العذبة والنقاط الصحية المجهزة. ويقطع الأهالي مسافات طويلة عبر الطرق الترابية لجلب مياه الشرب أو نقل المرضى نحو المراكز الحضرية المجاورة.

وتقول المواطنة مريم علي (35 عاما) التي تعيش في إحدى القرى الساحلية في "ذو باب" للجزيرة نت "نعيش على بساطة العيش وحسن الجوار يتقاسم الناس هنا كيس الدقيق وشربة الماء النقي. الحَر ينهك أطفالنا داخل العشش والأسعار تطير كل يوم، لكننا صامدون وأملنا في الله كبير أن تتبدل الأوضاع إلى الأفضل".

ويتصل هذا الشريط الساحلي الممتد من رأس العارة و"ذو باب" جنوبا، مرورا بالمخا والوزاعية، ووصولا إلى الخوخة والدريهمي شمالا، بشبكة وثيقة من المعاناة الإنسانية والروابط الاجتماعية. وتشترك هذه المجتمعات المحلية في حرمانها من البنى التحتية المتكاملة لمياه الشرب والخدمات الصحية، مثلما تتشارك قيم التكافل الاجتماعي التي تمكنها من الصمود.

من جبل الشيخ سعيد في باب المندب حيث يظهر جزأ من جزيرة ميون (الجزيرة)

بين الحضور والبساطة

ومع مغيب الشمس خلف مياه الممر الدولي، وتراجع لظى الصيف ليفسح المجال لرطوبة ثقيلة تشتد مع ساعات الليل، نغادر هذا الشريط الساحلي الممتد على طول 300 كيلومتر. وينجلي المشهد عن أرض تختزن من التاريخ والحضور الجيوسياسي ما يملأ مجلدات، لكن قاطنيها يقتاتون على البساطة، ويغالبون قسوة الطبيعة وشح الإمكانيات بالصبر.

وبين حر الصيف المنهك وقسوة الواقع المعيشي، يرسخ أهالي هذا الساحل نموذجا فريدا في الصبر، ولا يطلبون أكثر من حقهم في أمانٍ يُحيد أرزاقهم اليومية عن نيران النزاعات، وخدمات أساسية تُعين أبناءهم على الحياة الكريمة.

من الشاطئ في باب المندب يظهر جبل الشيخ سعيد (الجزيرة)من وسط مدينة المخا (الجزيرة)مصنع الطوب في الخوخة (الجزيرة)أحد مظاهر الحياة في الخوخة (الجزيرة)كان يعمل في ميناء المخا فأصبح بلا وظيفة (الجزيرة)أحد شوارع المدينة القديمة في المخا (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا