في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
المخا- على طول الساحل الممتد من الموانئ القديمة جنوبي البحر الأحمر إلى مضيق باب المندب، لم يعد صفيح المياه ينعكس على وجوه الصيادين كسابق عهده. فمع تصاعد التوترات العسكرية والأمنية في أحد أشد الممرات الملاحية ازدحاما وحساسية في العالم، تتحول كل رحلة صيد إلى رهان مفتوح بين البقاء والغرق.
كيف يتعامل الصيادون التقليديون مع هذا الواقع الميداني؟ وإلى أي حد أثرت عسكرة المياه على مصادر رزقهم اليومية؟
قامت الجزيرة نت، بجولة ميدانية فجرا من مدينة المخا التاريخية، في اتجاه الجنوب على طول الطريق الساحلي لمسافة تقارب 5 كيلومترات باتجاه باب المندب، وصولا إلى مركز الإنزال السمكي في منطقة "واحجة" التابعة إداريا لمديرية ذوباب ب محافظة تعز.
تبدأ رحلة معظم الصيادين هنا مع انكسار الشفق وغروب الشمس وتنتهي مع بزوغ الفجر، في حين يضطر آخرون للإبحار في رحلات تمتد أسابيع نحو أعماق المياه الإقليمية.
في الساعات الأولى من الصباح كانت الساحة المتاخمة للكورنيش الصخري تكتظ بالصيادين وتجار الأسماك فور وصول المراكب المتهالكة التي خاضت طوال الليل عباب البحر.
عند الساعة السادسة صباحا، ترتسم أولى مشاهد الحكاية على الشاطئ. يجلس أطفال الصيادين فوق الرمال السمراء بالقرب من ميناء الإنزال، يقلّبون أبصارهم في أفق البحر المنتفخ بالموج، بانتظار ظهور القوارب الخشبية لآبائهم. يتأهب الأطفال للركض نحو المياه لمساعدة الآباء في حمل الغلة وتقسيمها داخل السلال البلاستيكية الزرقاء، قبل نقلها إلى الساحة الرئيسية حيث تصطف سيارات الشحن المبردة.
يتزاحم التجار لشراء الأسماك الطازجة، في حين يترقب الأطفال طلوع آبائهم سالمين من القوارب، فالبحر اليوم لم يعد يسلم أسراره لأحد، ولا أحد يعلم ما إذا كان الزورق المغادر سيعود أم سيصير أثرا بعد عين.
يجلس الطفل محمد سعيد على الشاطئ بجوار سلة فارغة، ممسكا بطرف ثوبه المقصوص، ويقول للجزيرة نت بنبرة طفولية ممزوجة بالترقب "أجلس هنا منذ السادسة صباحا أرقب الموج وأنتظر عودة أبي، كي يعطيني مصروف اليوم، ثم نوالي (نذهب) سويا إلى البيت لنفطر".
عاد الأب سعيد عوض، وهو صياد أربعيني من أبناء المخا، وقد خُطّت على وجنتيه خطوط الإرهاق وارتسمت على شفتيه آثار الملح والجهد. رافقناه على متن قاربه المتذبذب فور وصوله إلى الشاطئ ليحكي لنا تفاصيل ليلته. يقول إن الوضع "مستقر ومقدور عليه قبل التصعيد الأخير والأحداث المتسارعة في البحر، لكن الآن انقلب رأسا على عقب لم نعد نلمس أي استقرار أمني، والوسائل المتاحة لدينا معدومة".
ويضيف أنه فيما مضى كان يخرج للبحر ويعود بالقارب ممتلئا بشتى أنواع الأسماك، أما اليوم فلا يرجع إلا بالشيء الزهيد بسبب الخوف والذعر من الضربات الصاروخية وتبادل القصف، مرددا "لم نعد نعرف كيف نسعى خلف رزقنا".
يتحدث سعيد بلسان متيبس ونبرة يائسة؛ لا فرق بين هيئته وهيئة مقاتل خرج للتو من خطوط التماس، إذ صارت رحلة الصيد التقليدية معركة غير متكافئة يخوضها صياد لا يملك سوى قارب خشبي ومحرك متهالك؛ فمن جهة يحاصر القوارب خطرُ الألغام البحرية العائمة، ومن جهة أخرى تتهددها الزوارق المفخخة والانفجارات السطحية التي تعد الكابوس الأكثر رعبا للبحارة البسطاء.
وكان الجيش اليمني قد أعلن، في بيان رسمي يوم الخميس 13 أغسطس/آب 2026، أن القوات البحرية وخفر السواحل "دمرت 3 زوارق محمّلة بالمتفجرات في البحر الأحمر مجهزة لتنفيذ أعمال عدائية في المياه الإقليمية" وذلك عقب اشتباكات جرت في عرض البحر.
في الماضي القريب، كان الصياد سعيد عوض يقطع عشرات الأميال البحرية ليصل بقاربه إلى أعماق المياه الدولية وصولا إلى الحدود البحرية لإريتريا ومشارف القرن الأفريقي حيث المصايد الغزيرة. أما اليوم، وفي ظل الانتشار العسكري المكثف وإعلان بعض المناطق مرافق خطرة، تقزمت خطوط سير القوارب لتقتصر على حافة الشريط الساحلي.
يضيف سعيد وعيناه تلاحقان موجة هادئة بينما يداه ما تزالان ممسكتين بمقبض محرك القارب: "كنا نبحر نحو أي جهة نرغب فيها، نصل إلى مسافات بعيدة جدا ونغوص في الأعماق. أما الآن، فنبحر لمسافة ميل أو ميلين قريبين ونضطر للعودة سريعا"، ويضيف "البحر أضحى ساحة خوف دائم، ساعة يُقال لنا إن الشاطئ ملغم، وساعة يطلبون منا الاستدارة والهرب.. نخرج ونحن نعلم علم اليقين أن فرصة عودتنا تساوي فرصة هلاكنا".
وعن التهديدات المباشرة التي تواجه مجتمع الصيادين، يوضح سعيد أن الخوف لا يأتي من الطبيعة وإنما من الآلة العسكرية؛ فالزوارق السريعة المفخخة والتحركات المفاجئة للمسيّرات الحربية تجعل القوارب الصغار هدفا وعرضة للنيران الخاطئة. ويلفت إلى أنه عند حدوث أي تصعيد ميداني أو اشتباك سفن، يُفرض حظر إبحار تلقائي يُجبرهم على الالتصاق بالشاطئ.
يتابع قائلا: "هذه الهجمات والاضطرابات تقطع شريان حياتنا تماما. حتى قوت اليوم البسيط الذي نسد به رمق عائلاتنا لم نعد قادرين على تحصيله. نقضي الليل كاملا وسط الأمواج العاتية، والصيد الفعلي لا يتجاوز ساعتين، بينما تذهب بقية ساعات الليل في المناورة والهروب والبحث عن مسار آمن".
الصيادون يواصلون عملهم رغم المخاطر الأمنية (الجزيرة)انتقلنا للجانب الآخر وسط مركز الإنزال السمكي نفسه، وكان الصياد "محمد أحمد عسلو" (55 عاما) يجلس على كرسي تقليدي مصنوع من سعف النخل وأغصان الخشب. قال عسلو، للجزيرة نت، بصوت خافت مجهد تحمل كلماته حسرة عميقة "عيالي راحوا (ماتوا) في البحر.. أخذهم الحرب والتصعيد. حلت علينا كارثة حقيقية".
ويوضح عسلو "هناك من تدمرت قواربهم التي يملكونها، وهناك أسر فقدت معيليها وأبناءها في عرض المياه. وأنا واحد ممن دفعوا هذا الثمن الباهظ، فقدت ابني البكر في رحلة صيد سابقة، ولم يتبقَّ لي من أبنائي الذكور سوى هذا الولد الذي يرافقني الآن ليحميني من قسوة العمل".
ويشير عسلو إلى أن مناطق باب المندب لا تملك بدائل اقتصادية ولا أراضي زراعية، وأن الجميع في المنطقة صيادون، أبا عن جد، "أنا صياد في هذا البحر منذ أن فتحت عيني على الدنيا، واليوم نجد أنفسنا محاصرين بين غلاء المعيشة الكارثي وبين حرب البوارج والمسيّرات. لا نطالب بغير الأمان لنتمكن من الصيد لنعيل أطفالنا".
صيادان يحملان سلة الصيد (الجزيرة)على ساحل "الكربة" بمديرية ذوباب، وصولا إلى شواطئ المخا التي شهدت مناطق متاخمة لها ضربات واستهدافات ميدانية في 11 أغسطس/آب 2026، بدت حركة القوارب شبه واقفة.
كان خالد سعيد يتكئ على قارب مائل، يضرب كفا بكف من شدة الإحباط حين قال لنا "أصرف على الرحلة الواحدة مبالغ خيالية مقارنة بالعائد. قد تتجاوز كلفة الديزل والزيوت والمؤن والمصاريف التشغيلية للرحلة الواحدة نحو 500 ألف ريال يمني (بالعملة الجديدة المتداولة في المنطقة)، ثم أعود بغلة لا تغطي ربع هذا المبلغ".
ويخبرنا خالد أن الصياد يستدين تمويل رحلته لعدة أيام، ويغامر بروحه في الأعماق، ليعود محصلا للديون لا للأرباح.
قوارب الصيادين محملة بما تيسر من الأسماك لحظة الوصول (الجزيرة)من جانبه، يرسم عاقل جمعية الصيادين في المخا، الشيخ "هاشم الرفاعي"، صورة شاملة لواقع القطاع السمكي بالساحل الغربي، يقول للجزيرة نت "كانت المخا تُعتبر المركز الرئيسي والشريان الأكبر لتغذية المحافظات بالأسماك، لكن اليوم نرى أن أكثر من نصف قوارب الجمعية متوقفة تماما عن الإبحار".
ويوضح أن الصياد التقليدي بات واقعا بين فكي بؤس: إما أن يتجاوز مسافة الـ5 أميال المسموحة له بحثا عن السمك فيتعرض للقصف أو الألغام ويموت في البحر، أو أن يلتزم الساحل الضحل الخالي من الأسماك ويعود لبيته فارغ اليدين، ويتراكم عليه الدَّين.
مقر الإنزال السمكي في واحجة-المخا (الجزيرة)وفي محاولة لمتابعة الجانب الرسمي، تواصلت "الجزيرة نت" مع قيادة قطاع خفر السواحل في البحر الأحمر للحصول على توضيحات بشأن نطاقات الإبحار الآمنة الخاضعة للحماية، والتدابير المتبعة لحماية الصيادين المحليين، إلا أنها لم تتلقَّ ردا حتى لحظة نشر هذا التقرير.
مع انقضاء ساعات الصباح الأولى، وانسحاب آخر الشاحنات المبردة من مرسى "واحجة"، تخلو الساحة من الباعة وتنطفئ جلبة الأسواق. ويبقى أطفال الصيادين حاملين سلالهم الزرقاء التي لم تجد ما يملأ حوافها.
وعلى حافة الماء، تتلاطم القوارب الخشبية المتهالكة مع أمواج باب المندب كأجساد أرهقها الخوف، بعد أن تراكمت على أصحابها الديون؛ تظل حائرة بين شاطئ ضحل شحت خيراته وتفاقمت أزماته، وبحر متحول من شريان رزق وفيض خير إلى خط تماس حارق يتربص فيه الموت بالبسطاء.
قارب صياد يبحر في البحر أثناء الذهاب للصيد (الجزيرة)من داخل مقر الإنزال السمكي في واحجة المخا (الجزيرة)شباك الصيد والأسماك على قارب صياد (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة