آخر الأخبار

نبض البادية.. قلب سوريا المنسي والجغرافيا الشاسعة الغنية بالثروات والآثار

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لطالما عُرفت البادية السورية بصورتها النمطية، في كونها أراضي قاحلة تمتد على مساحات شاسعة في سوريا، لكنها لا تُذكر كثيرا على أنها منطقة جغرافية غنية تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والأمنية والبيئية والتاريخية.

وتنشر منصة "سوريا الآن" هذا الشهر، سلسلة تقارير من البادية السورية، تكشف أنها ورغم طبيعتها الصحراوية وشبه الصحراوية، لا تمثل مساحة هامشية في الجغرافيا السورية، بل تُعد منطقة إستراتيجية تربط أجزاء البلاد ببعضها، وتمتد باتجاه العراق والأردن، وتحتضن موارد طبيعية عديدة ومواقع أثرية مهمة، فضلا عن كونها موطنا لمئات آلاف السكان.

الامتداد الجغرافي

تمتد البادية السورية على مساحة تتجاوز نصف مساحة سوريا البالغة نحو 185 ألف كيلومتر مربع، وتضم مساحات تتوزع على محافظات عدة، وتحتوي في جوفها ثروات نفطية ومعدنية كبيرة.

وتقدر الهيئة العامة لـ"إدارة وتنمية وحماية البادية السورية" مساحة البادية بنحو 10.2 ملايين هكتار أو ما يعادل نحو 55% من مساحة سوريا.

وتضيف الهيئة -التابعة لوزارة الزراعة والتي تدير مشاريع زراعية ورعوية في تلك المناطق- أن عدد السكان يصل إلى نحو 1.5 مليون نسمة ثلثهم من البدو الرحل.

وتتصل البادية من الشمال الشرقي (جنوبي دير الزور) إلى الجنوب الغربي (شرقي ريف دمشق وشمالي السويداء) بمسافة تصل إلى 400 كيلومتر، وبعرض متوسط يبلغ نحو 145 كيلومترا مسايرا للحدود السورية مع العراق شرقا ومع الأردن جنوبا.

كما تضم أجزاء واسعة من محافظة حمص، وتمتد ضمن أراضي محافظة دير الزور، وتضم أجزاء من ريف دمشق ومحافظة حلب والرقة وشرقي حماة.

التركيبة السكانية

وتُعرف البادية بضعف الكثافة السكانية، إذ يتوزع نحو 1.5 مليون نسمة -يشكلون ما يقارب 158 ألف أسرة- على مساحة تزيد على 95 ألف كيلومتر مربع، وتُعد مدينتا تدمر (شرق حمص بنحو 160 كيلومترا) والسخنة (70 كيلومترا شرقي تدمر) الأكثر سكانا ضمن المدن والبلدات داخل البادية السورية، إذ بلغ عدد سكان تدمر عام 2004 نحو 77 ألف نسمة، والسخنة نحو 22 ألف نسمة.

إعلان

ويصل عدد البدو الرحل -بحسب هيئة تنمية البادية- إلى نحو 500 ألف نسمة يتنقلون بقطعانهم وخيامهم في جميع المناطق بحثا عن الكلأ والمياه لمواشيهم ويقضون معظم أوقاتهم داخل البادية معتمدين على مراعيهم وعلى الأعلاف.

وتُعد البادية بين حمص ودير الزور موطنا لعدد من العشائر والقبائل العربية مثل عنزة، كما يتمركز الفواعرة في البادية الشرقية من حمص وحتى تخوم مدينة تدمر، مع انتشار لبني خالد في أطراف حمص.

كما تنتشر في بادية حلب وحماة قبائل مثل الحديديين البدوية العدنانية الكبيرة التي تضم بطونا متعددة، فيما تستقر بمناطق أُخرى من البادية مجموعات قبلية مثل السرحان والسلوط والزويد وغيرها.

موارد اقتصادية متنوعة

تضم البادية السورية أهم حقول الغاز في سوريا، وبينها حقل الجحار الواقع غرب مدينة تدمر، وقد اكتُشف عام 2001، كما توجد حقول المهر والجزل والشاعر.

وحقل الشاعر هو أحد أكبر حقول الغاز السورية، ويقع على بعد 150 كيلومترا شمالي غربي تدمر، وتم استكشافه في ستينيات القرن العشرين، ووصل حجم إنتاجه إلى نحو 35 مليون متر مكعب سنويا، قبل أن يرتفع لمئات آلاف الأمتار المكعبة يوميا بحلول عام 2011، ثم يتباين إنتاجه لاحقا حسب الظروف التشغيلية، في المنطقة التي شهدت تحديات أمنية.

كما تحتل سوريا المرتبة الخامسة عالميا في إنتاج الفوسفات، وتمتلك احتياطيا يزيد على 1.8 مليار طن، تتركز في منطقة خنيفيس جنوبي غربي تدمر ومحيطها، وتُعدّ هذه الثروة ثاني أهم مورد طبيعي في البلاد بعد النفط والغاز.

مصدر الصورة معمل الفوسفات في مناجم الشرقية يعود للإنتاج بطاقة إنتاجية تبلغ 1.2 مليون طن سنويا (سانا)

ويتميز الفوسفات السوري بارتفاع نسبة عنصر الفوسفور النقي وانخفاض الشوائب، مما يجعله مرغوبا عالميا في صناعة الأسمدة والفوسفات الصناعي، كما أنه عنصر إستراتيجي في دعم الإنتاج الزراعي والصناعات الكيميائية.

مساحات واسعة للرعي

وتضم البادية السورية 59 محمية رعوية بمساحة إجمالية تُقدّر بنحو 693 ألف هكتار، بحسب تصريحات بيان العبد الله مدير الهيئة العامة لإدارة وتنمية البادية السورية في فبراير/شباط الماضي، موضحا أنه "تمت زراعة 284 ألف هكتار منها، إضافة إلى 136 محمية رعوية تعمل وفق النهج التشاركي بمساحة تتجاوز 1.3 مليون هكتار، نُفذ جزء كبير منها بالتعاون مع الجمعيات التعاونية الرعوية".

مصدر الصورة تأهيل أحد الآبار لمساعدة مربي الثروة الحيوانية في البادية (هيئة حماية وتنمية البادية السورية)

كما تشرف الهيئة على 9 محميات طبيعية وبيئية لإعادة توطين الأنواع المهددة بالانقراض والحفاظ على التنوع الحيوي، إضافة إلى 13 محمية لتثبيت الكثبان الرملية وحماية المراعي والتجمعات السكانية وطرق المواصلات والمنشآت الحيوية، وتدير 13 مشتلا لإنتاج الغراس الرعوية في المحافظات، يعمل منها حاليا 5 في حمص وحماة وريف دمشق ودير الزور.

ويبلغ عدد الآبار الارتوازية التابعة للهيئة 376 بئرا، يعمل منها حاليا 70 بئرا، من بينها 13 بئرا تعمل بالطاقة الشمسية.

وفيما يتعلق بالثروة الحيوانية في البلاد، والتي يتركز جزء مهم منها في البادية السورية من الأغنام والإبل، أعلنت وزارة الزراعة السورية مطلع أغسطس/آب الجاري ارتفاع عدد الأغنام في البلاد لأكثر من 14 مليون رأس، فيما وصل عدد الماعز إلى مليوني رأس في كل المحافظات عدا الحسكة والسويداء.

إعلان

وفضلا عن الثروات الباطنية والحيوانية، تتركز في البادية السورية نشاطات اقتصادية أخرى كإنتاج الملح، الذي يشكل موردا لعشرات العائلات في بعض مناطق البادية.

عقدة طرق حيوية

وتمتاز البادية السورية بموقع حيوي بين الحدود مع العراق والأردن باتجاه المناطق الداخلية وصولا إلى الساحل, وبرز خلال الأسابيع الماضية الدور الذي لعبه معبر التنف الواقع على الحدود السورية العراقية كممر لشحنات النفط العراقية باتجاه الساحل السوري.

وكشف أحمد قبجي نائب رئيس الشركة السورية للبترول لـ"سوريا الآن" في يونيو/حزيران الماضي عن "دخول ما بين 900 و1000 صهريج نفط عراقي إلى الأراضي السورية يوميا عبر معبري التنف واليعربية الحدوديين، وذلك تزامنا مع إعلان العراق عن خطة لرفع صادراته النفطية عبر سوريا إلى نحو 50 ألف برميل يوميا".

مصدر الصورة صهاريج نقل النفط العراقية تدخل عبر معبر التنف على الحدود مع سوريا يوميا باتجاه ميناء بانياس (سانا)

كما أتاح موقع البادية الممتد على طول الحدود مع العراق مرور خط نقل النفط العراقي كركوك/بانياس في عمق تلك البادية ولمسافات طويلة.

مواقع أثرية بارزة

ينظر الآثاريون إلى منطقة البادية السورية كأحد أهم المواقع على مستوى سوريا والمنطقة التي تشرح مكتشفاتها عن وجود للإنسان القديم على مدى عشرات آلاف السنين منذ بداية العصر الحجري.

وكشفت عمليات التنقيب التي جرت سابقا في المنطقة وتحديدا في قرية الكوم الواقعة منتصف الطريق بين تدمر والفرات "أدوات صوانية بين ترسبات المواقع، ما يظهر استمرار سكن هذه المنطقة منذ نحو 100 ألف سنة ومنها اتجه الإنسان نحو الشمال والشرق والغرب والجنوب" حسب ما أكده باحثون أثريون.

أما أبرز الآثار الباسقة حتى اليوم، فتتصدرها مملكة تدمر التي كانت إمبراطورية قوية (260-273 للميلاد) ومن أهم الممالك القديمة التي ازدهرت بشكل خاص في عهد الملكة زنوبيا، وتبعد نحو 215 كيلومترا شمالي شرقي دمشق.

وتنتشر أوابد تدمر على مساحة كبيرة مثل الشارع المستقيم الذي تحيط به الأعمدة وقوس النصر والمسرح والمدرج والساحة العامة والقصور والمعابد وأهمها معبد بل (بعل) والمدافن الملكية وقلعة ابن معن وتماثيل وآثار كثيرة تنطق بعظمة مدينة تدمر التي نافست عاصمة إمبراطورية روما أيام مجدها وأصبحت عاصمة لأهم ممالك الشرق.

كما تضم البادية السورية قصر الحير الشرقي في وسط البادية السورية، على بعد 105 كيلومترات، إلى الشمال الشرقي من مدينة تدمر، وعلى مسافة 60 كيلومترا جنوبي مدينة الرصافة التاريخية.

أما قصر الحير الغربي فموقعه جنوبي غربي تدمر، بناه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك سنة 109هـ على أنقاض دير بيزنطي قديم. وقد نُقلت واجهته وبعض زخارفه إلى المتحف الوطني بدمشق حفاظا عليها.

وهناك مواقع أخرى عديدة تضمها البادية، بينها قرية "حوارين" الواقعة على أطراف البادية على بعد نحو 80 كيلومترا إلى جنوبي شرقي حمص، وتتميز بأوابدها الأثرية التي تعود إلى العصر الروماني.

خاصرة رخوة

ورغم ثرواتها العديدة وتنوع المجالات الاقتصادية فيها، فإن المساحات المترامية في البادية السورية، شكلت خلال سنوات الحرب في سوريا بيئة مثالية لحركة المجموعات المسلحة العابرة للحدود وعلى رأسها تنظيم الدولة، الذي سيطر على أجزاء كبيرة من البادية في الفترات اللاحقة لعام 2014 حتى انحسار سيطرته تدريجيا وصولا لمعارك القضاء على آخر معاقله في الباغوز بدير الزور عام 2019.

وشكلت مناطق كثيرة في البادية خلال تلك السنوات منطلقا لتحركات وهجمات التنظيم، مستفيدا من ضعف القبضة الأمنية وقلة حركة السكان، حيث اتخذ عناصره بعض واحات البادية وجبالها الوعرة كمخابئ لهم، وخصوصا في محيط تدمر وجبل البشري جنوبي دير الزور، كما اعتمد التنظيم في تحركاته على القرب من الحدود وخصوصا العراقية التي أمنت له تحركا بالذهاب والإياب لسنوات عديدة.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا