أعلن جهاز الأمن الأوكراني، فجر أمس السبت، استهداف سفينتي شحن خاضعتين لعقوبات دولية، قال إنهما استُخدمتا في نقل شحنات عسكرية بين إيران وروسيا عبر بحر قزوين، في حين أعلنت إيران مقتل بحار وإصابة آخر جراء الهجوم.
وأكدت إيران استهداف أوكرانيا إحدى سفنها، غير أنها لم تعلن اسمها. بينما أظهرت سجلات الملاحة والملكية أن السفينتين، اللتين حددتهما وكالة "إنترفاكس الأوكرانية"، ترفعان العلم الروسي وتديرهما شركتان روسيتان.
وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لم تصدر السلطات الروسية أي تقييم رسمي لحجم الأضرار أو تكشف عن هوية الضحايا. فماذا تكشف بيانات الملاحة وسجلات الملكية عن هوية السفينتين ومسارهما؟
وأظهرت بيانات ملاحية من منصة "مارين ترافيك"، حللتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، أن آخر إشارتين علنيتين متاحتين للسفينتين وضعتهما في نطاق جغرافي واحد شمالي بحر قزوين، في منطقة تبعد نحو 31 ميلا بحريا (ما يعادل 57 كيلومترا تقريبا) عن أستراخان الروسية.
وتشير البيانات إلى أن سفينة الشحن العامة "بيغي"، التي تحمل رقم التسجيل البحري الدولي 8943210، غادرت ميناء أمير آباد الإيراني صباح 18 يوليو/تموز الجاري، معلنة ميناء أستراخان الروسي وجهة لها.
وبحلول آخر إشارة متاحة، كانت السفينة قد قطعت نحو 862 ميلا بحريا من رحلة يبلغ طولها الإجمالي 893 ميلا، ولم يتبق لها سوى 31 ميلا بحريا للوصول إلى وجهتها المعلنة.
وتشير تقديرات منصة "كبلر" إلى أن آخر شحنة تجارية رصدتها للسفينة كانت من الحبوب أو البذور الزيتية، وحملتها من ميناء أكتاو الكازاخستاني في الثاني من يوليو/تموز الجاري، قبل تفريغها في أمير آباد الإيراني يوم 13 من الشهر ذاته.
لكن البيانات المفتوحة لا تحدد نوع الشحنة التي غادرت بها "بيغي" ميناء أمير آباد الإيراني في رحلتها الأخيرة إلى روسيا.
وتدير السفينة شركة "أراباكس" الروسية، التي تتخذ من أستراخان مقرا لها، منذ فبراير/شباط 2022.
أما سفينة الشحن "بورت أوليا 2″، التي تحمل رقم التسجيل البحري الدولي 9481881، فتظهر بياناتها الملاحية مغادرتها ميناء أمير آباد يوم 13 مايو/أيار الماضي وإعلان أستراخان وجهة لها.
غير أن وجود انقطاعات طويلة في إشارات السفينة لا يسمح بالتعامل مع الرحلة المعروضة باعتبارها مسارا متصلا منذ مايو/أيار الماضي، أو تحديد الموانئ التي ربما دخلتها خلال الفترة الفاصلة.
وتعد "بورت أوليا 2" كبرى السفينتين؛ إذ يبلغ طولها نحو 123.2 مترا، وتصل حمولتها الساكنة إلى 5185 طنا. وكانت تحمل سابقا اسم "يو سي إف-1".
وتعود ملكية السفينة وإدارتها إلى شركة "إم جي فلوت" الروسية، وهي الاسم الجديد لشركة "ترانسمورفلوت"، التي أدرجتها وزارة الخزانة الأمريكية على قائمة العقوبات في مايو/أيار 2022، وحددت "بورت أوليا 2" بوصفها من ممتلكاتها الخاضعة للحظر.
وقد أدرجت الحكومة البريطانية سفينة "بيغي" على قائمة العقوبات في العاشر من سبتمبر/أيلول 2024، ضمن 5 سفن شحن روسية قالت إنها شاركت في نقل إمدادات عسكرية من إيران إلى روسيا.
وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على شركة "أراباكس" المشغلة للسفينة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وقال إن سفن الشركة، وبينها "بيغي"، نقلت عبر بحر قزوين أسلحة وذخائر إيرانية الصنع ومكونات لطائرات مسيّرة بهدف إمداد القوات الروسية في أوكرانيا.
كما أضافت كندا "بيغي" إلى قائمة السفن الروسية الخاضعة للعقوبات في فبراير/شباط 2025، بينما يقول سجل الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إن السفينة شاركت في نقل ذخائر وقذائف ودروع واقية وخوذ من إيران إلى روسيا، وهي معلومات منسوبة إلى الجانب الأوكراني ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
وبالنسبة إلى "بورت أوليا 2″، يربط سجل الاستخبارات العسكرية الأوكرانية السفينة بنقل بضائع عسكرية من إيران إلى روسيا، إضافة إلى خضوعها للعقوبات الأمريكية بسبب ملكيتها لشركة "إم جي فلوت".
ولا تعمل "بورت أوليا 2" بصورة منفردة، بل تنتمي إلى شبكة سفن وشركات تتمركز حول ميناء أوليا الروسي، أحد الموانئ الرئيسية عند دلتا نهر الفولغا شمالي بحر قزوين.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن رجل الأعمال الروسي جمال الدين باشاييف يملك -أو يسيطر على- شبكة من شركات الشحن التي تعمل من ميناء أوليا، وإن شركاته أبرمت منذ 2021 أكثر من 200 اتفاق يتعلق بالنقل البحري لبضائع عسكرية، وشاركت في إيصال مساعدات إلى منطقة "ألابوغا" الاقتصادية الروسية، التي تضم منشآت لتجميع الطائرات المسيّرة بدعم إيراني.
وحددت الخزانة الأمريكية سفنا أخرى ضمن الشبكة، بينها "بورت أوليا 3″ و"بورت أوليا 4″ و"بوريس كوستودييف" و"كومبوزيتور رخمانينوف"، وقالت إن وزارة الدفاع الروسية استخدمت "بورت أوليا 3" تحديدا لنقل صواريخ باليستية قصيرة المدى من إيران إلى روسيا.
وسبق أن استهدفت أوكرانيا سفينة من الشبكة نفسها؛ إذ أعلنت في أغسطس/آب 2025 إصابة "بورت أوليا 4" داخل ميناء أوليا، وقالت إنها كانت محملة بمكونات لطائرات "شاهد" وذخائر قادمة من إيران، بينما أقرت السلطات الروسية آنذاك بتضرر سفينة، لكنها قالت إن السبب كان حطام طائرة مسيرة أُسقطت.
كما أدرج الاتحاد الأوروبي ميناءي أمير آباد وأنزلي الإيرانيين على قائمة القيود في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قائلا إنهما استُخدما في نقل طائرات مسيّرة أو صواريخ أو تقنيات ومكونات مرتبطة بها إلى روسيا. وتظهر بيانات "بيغي" و"بورت أوليا 2″ ارتباطهما المتكرر بميناء أمير آباد.
من جانبها، وصفت وزارة الخارجية الإيرانية الهجوم بأنه عمل "عدواني" وانتهاك للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، وقالت إنه أدى إلى انفجار داخل سفينة تجارية إيرانية ومقتل بحار وإصابة آخر، قبل أن تستدعي القائم بالأعمال الأوكراني في طهران وتسلمه احتجاجا رسميا.
في المقابل، قال جهاز الأمن الأوكراني إن الهجوم نُفذ بطائرات مسيرة بعيدة المدى، وشمل -إلى جانب سفن الشحن- منصة نفطية في حقل فيلانوفسكي وقاربا صاروخيا روسيا من مشروع "مولنيا 12418″، وبرر العملية بأنها رد على استهداف روسيا الموانئ والملاحة الأوكرانية.
وقال الرئيس الأوكراني زيلينسكي إن قوات بلاده حققت "نتائج قوية" في ضربات بحر قزوين، شملت سفنا مستخدمة في شحن بضائع عسكرية مرتبطة بإيران وسفينة حربية روسية، من دون تقديم تفاصيل عن حجم الأضرار أو طبيعة الشحنات الموجودة على السفن وقت الاستهداف.
وتظل هوية السفينة التي أعلنت إيران سقوط الضحايا على متنها غير محسومة، إذ لم تذكر طهران اسمها أو رقم تسجيلها، بينما تظهر السفينتان اللتان سمتهما المصادر الأوكرانية مسجلتين تحت العلم الروسي. ولذلك، لا يمكن -استنادا إلى البيانات المفتوحة المصدر المتاحة- تحديد أي السفينتين شهدت الانفجار الذي أعلنت عنه إيران، أو استبعاد احتمال وجود سفينة أخرى ضمن الهجوم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة