في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في أسبوعه الأول في داونينغ ستريت، طرح آندي بيرنهام سلسلة قرارات سريعة: سقفا لأجرة الحافلات، وخفضا لضريبة القيمة المضافة على الكهرباء، وتخفيفا لبعض أعباء الأعمال الصغيرة، إلى جانب افتتاح مقر "رقم 10 الشمالي" في مانشستر بوصفه رمزا لمشروع أكبر عنوانه نقل بعض ثقل الحكم من لندن إلى المناطق.
لكن الصحافة البريطانية قرأت هذا الأسبوع بطريقتين متجاورتين: الأولى ترى في خطوات بيرنهام فهما حادا لقيمة السياسة التي يشعر بها الناس سريعا، والثانية تحذر من أن الاندفاعة نفسها قد تخفي ارتجالا في التمويل، وخصومات داخل الحزب، وأسئلة ثقيلة لم يعد ممكنا تأجيلها كثيرا.
يرى جوناثان فريدلاند في غارديان أن قرار بيرنهام وضع سقف لأجرة الحافلة الواحدة عند جنيهين إسترلينيين (نحو 2.6 دولار) في أنحاء إنجلترا، ابتداء من يناير/كانون الثاني، ليس خطوة صغيرة بالمعنى السياسي.
فهو – بحسب الكاتب – جزء من حزمة إجراءات عملية أراد بها رئيس الحكومة الجديد أن يمنح الناس "فسحة تنفس" وسط ضغوط المعيشة.
ويستعيد فريدلاند تجربة خفض أجور الحافلات في لندن مطلع الثمانينيات، ليقول إن بعض السياسات تبقى في ذاكرة الناس لأنها بسيطة وواضحة وتمس حياتهم مباشرة، حتى لو بدت أقل فخامة من الخطط الكبرى.
ومن هنا، يرى الكاتب أن بيرنهام يفهم جانبا مهما من الحكم: لا يكفي أن تتحدث الحكومة عن التحول الكبير، بل عليها أن تقدم للناس شيئا يرونه في جيوبهم ومشاويرهم وفواتيرهم.
وتنقل غارديان انتقاد زعيمة المحافظين كيمي بادينوك، التي وصفت خطوات بيرنهام بأنها "إجابات صغيرة عن مشكلات كبيرة" و"أفكار عمدة" لا رئيس وزراء.
غير أن فريدلاند يرى أن ما قصدته بادينوك انتقاصا قد يكون تحديدا مصدر قوة بيرنهام: أن يأتي إلى رئاسة الحكومة بحسّ سياسي قريب من الأرض، لا يحتقر التفاصيل اليومية بوصفها شأنا بلديا صغيرا.
ولا يقف فريدلاند عند الحافلات. فغارديان ترى أن جوهر مشروع بيرنهام لا يتمثل في تقليد الحكم المحلي من موقع وطني، بل في تمكينه.
لذلك بدا افتتاح مقر "رقم 10 الشمالي" في مانشستر، حيث قال بيرنهام إنه عاش "أفضل يوم في حياته"، إشارة إلى أن الرجل يريد تحويل تجربته في مانشستر الكبرى إلى نموذج أوسع للحكم.
وبحسب الكاتب، يؤمن بيرنهام بأن تفويض المدن والمناطق مزيدا من الصلاحيات قد يكون طريق بريطانيا إلى النمو الذي استعصى طويلا.
ويستند في ذلك إلى ورقة من كلّيتي هارفارد كينيدي وكينغز لندن ترى أن أزمة الإنتاجية الوطنية في بريطانيا مرتبطة بفجوة إقليمية مزمنة بين الجنوب الشرقي وبقية البلاد.
وتقول غارديان إن إعادة توازن السلطة البريطانية قد تكون البند الكبير الحقيقي في حكومة بيرنهام، حتى إن بدأت بإجراءات تبدو محدودة.
فإذا نجح مشروع التفويض، فقد يفتح الباب أمام سياسات واسعة في أنحاء البلاد، لا من مركز واحد في وايتهول، بل من مدن ومناطق تملك صلاحيات أوسع.
وفي افتتاحيتها، تلتقط غارديان الفكرة نفسها بنبرة أكثر حذرا.
فالصحيفة تقول إن بيرنهام أنهى أسبوعا من الإشارات السياسية والانطباعات الأولى بالعودة إلى مانشستر، حيث جلس العمد الإقليميون إلى جانب الوزراء في مقر "رقم 10 الشمالي"، في مشهد عدّته مثالا مبكرا على طريقته في الحكم.
وترى الصحيفة أن إجراءات الأيام الأولى، من سقف الحافلات إلى خفض ضريبة القيمة المضافة على الكهرباء وبعض الإعفاءات للأعمال الصغيرة والنوادي والمقار الترفيهية، كانت محدودة الكلفة لكنها موفقة في دلالتها؛ لأنها خاطبت حاجة الناس إلى دفع الفواتير من دون أن تنسى حاجتهم إلى شيء من الحياة والمتعة.
وتقارن غارديان هذه البداية بصورة حكومة كير ستارمر، التي ارتبطت مبكرا بقرار خفض مدفوعات وقود الشتاء.
وتقول إن بيرنهام كان مطالبا بأن يبدو مختلفا منذ اللحظة الأولى، وأنه أبدى في أسبوعه الأول قدرا من الثبات السياسي الذي افتقر إليه سلفه.
لكن غارديان تنبه إلى أن العمل الأثقل يبدأ الآن. فاستطلاعات الرأي، وفق افتتاحيتها، تشير إلى ناخبين غاضبين وقليلي الصبر، لن يمنحوا رئيس الحكومة الجديد سوى فرصة محدودة.
وتقول إن بيرنهام يريد استخدام الصيف لزيارة دوائر انتخابية رى أنها خسرت من تسوية سياسية امتدت 40 عاما، جمعت بين مركزية السلطة وخصخصة الاقتصاد وتراجع المجتمعات الصناعية.
وتضيف الصحيفة أن الرياح الاقتصادية القادمة من الشرق الأوسط، والدعوات المعتادة إلى الحذر المالي، ستختبر جرأة الحكومة الجديدة.
فخطة بيرنهام لعشر سنوات، بما فيها التفويض الجذري، والسيطرة العامة على المرافق، وإطلاق أكبر برنامج إسكان عام منذ حكومة كليمنت أتلي، ستصطدم بأعراف ومصالح راسخة لا تزول بمجرد خطاب متفائل.
أما تايمز فترسم وجها آخر للأسبوع الأول، أقل لمعانا وأكثر اضطرابا. فالصحيفة تقول إن الأيام الخمسة الأولى لبيرنهام في الحكم كانت محمومة: إقالة قاسية لموالين لستارمر، وإعادة تشكيل آلة داونينغ ستريت، وحزمة سياسات قيمتها 1.8 مليار جنيه (نحو 2.3 مليار دولار)، وافتتاح "رقم 10 الشمالي".
وبحسبها، شعر بعض فريقه بأنهم حققوا أهدافا سياسية كبرى، لكن داونينغ ستريت انزلق أحيانا إلى الفوضى بينما حاول رئيس الحكومة وحلفاؤه تنفيذ رؤيتهم بسرعة.
وتقول تايمز إن بيرنهام استخدم خطابه الأول ليقر بأنه سادس رئيس وزراء خلال عشر سنوات، في محاولة للاعتذار عما سبق وإقناع ناخبين محبطين بأن بوسعهم "الإيمان مجددا".
لكنها تشير إلى أنه أجاب عن أربعة أسئلة فقط في سبع دقائق أمام الصحفيين، قبل أن يطرح أفكارا ذات كلفة كبيرة، بينها رفع حد الإعفاء الضريبي الشخصي، واستخدام أكبر قدر من المرونة داخل القواعد المالية، وتطبيق "مبدأ هيئة الصحة الوطنية" على الرعاية الاجتماعية.
وتلاحظ الصحيفة أن بيرنهام، حين كان عمدة مانشستر الكبرى، كان يستطيع الكلام بقدر أكبر من الحرية، أما الآن فكل كلمة منه قابلة لأن تحرك الأسواق.
كما تتوقف عند التعديل الحكومي الذي أطاح 11 وزيرا، أي نحو ثلث الحكومة، من الموالين لستارمر، بما ترك له خصوما مؤثرين على المقاعد الخلفية.
وتقول تايمز إن إجراءات الأسبوع الأول فتحت سريعا سؤال التمويل. فإلغاء ضريبة القيمة المضافة على فواتير الطاقة، بتكلفة 850 مليون جنيه (نحو 1.1 مليار دولار)، قيل إنه سيمول من إلغاء خطة الهوية الرقمية التي أعدها ستارمر، لكن المدخرات لم تكن محددة بعد.
أما سقف الحافلات البالغ جنيهين، فتقدر كلفته بـ500 مليون جنيه (نحو 640 مليون دولار)، ويُفترض تمويله بتحويل منح المناخ الدولية إلى قروض، من دون إعلان شروط تلك القروض.
وتضيف الصحيفة أن خفضا بنسبة 20% في ضرائب الأعمال على الحانات سيكلف 100 مليون جنيه (نحو 128 مليون دولار)، على أن يمول من إجراءات ضد متاجر إلكترونية ومحلات السجائر الإلكترونية، لكن مصادر الإيرادات لم تكن واضحة بالكامل.
وتنقل عن مصدر في داونينغ ستريت قوله إن "لا أحد يعرف ما يجري"، وإن مشكلات التمويل حاضرة في كل مكان.
وبالمثل يقول أوليفر داف – رئيس تحرير صحيفة آي بيبر – إن بداية بيرنهام كانت "متماسكة بما يكفي"، لكنها لا تثبت بعد صلاحيته للمنصب الأعلى.
ويرى أن رئيس الحكومة سيتعلم سريعا أن كلماته قادرة على تحريك الأسواق، وأن عليه الحذر من إطلاق سياسات من دون شرح طريقة تمويلها.
ويضع داف أمامه أسئلة المرحلة المقبلة: ماذا سيفعل رئيسا للحكومة؟ كيف سيشعل النمو ويخلق ثروة جديدة؟ أين سيستثمر؟ وهل يستطيع التوفيق بين رغبته في أن يكون محبوبا وحاجة السياسة إلى اختيار رابحين وخاسرين؟ وأين سيخفض الإنفاق ليصنع مساحة لوعوده الأكبر؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة