آخر الأخبار

الجغرافيا السياسية للشر.. جزيرة إبستين نموذجًا

شارك

صدر العدد الجديد من مجلة "لباب" للدراسات الاستراتيجية، وهي دورية محكمة تصدر عن مركز الجزيرة للدراسات، وقد احتوى العدد على دراسة لللدكتور محمد خليل المختار تحمل عنوان "الجغرافيا السياسية للشر: جزيرة ابستين نموذجا"

تنطلق الدراسة من ملاحظة أن الجزر ارتبطت عبر التاريخ بالمجهول، والأسطورة، والمنفى، والعزلة، غير أن الدولة الحديثة أعادت توظيف هذا الإرث الجغرافي والرمزي في سياقات جديدة، فلم تعد الجزيرة مجرد فضاء للأسطورة، وإنما أصبحت، في حالات متعددة، فضاءً للاستثناء، يعاد داخله تشكيل العلاقة بين السلطة والقانون والرقابة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الاتفاق الروسي-الأفغاني.. رسائل تتجاوز السلاح
* list 2 of 2 الحرب مع إيران وأزمة القرار الأمريكي.. التداعيات الإستراتيجية على أمن الخليج end of list

وانطلاقًا من هذا التحول، تقدم الدراسة مفهوم "الجغرافيا السياسية للشر" بوصفه إطارًا تفسيريًّا لفهم الكيفية التي تتحول بها بعض الفضاءات الجغرافية إلى أدوات لإنتاج الاستثناء، وإدارة النفوذ، وتهيئة البيئات التي تحتضن ممارسات يصعب أن تجد مكانًا لها داخل المجال العام.

وتؤكد الدراسة أنها تركز على الحالة الغربية الحديثة، وتحاكمها إلى الفكر الغربي نفسه، دون أن تمتد إلى المراحل التاريخية السابقة، ولا إلى مرجعيات أخلاقية أو حضارية خارج الإطار الغربي. فهي لا تستند إلى منظومات قيمية أخرى، وإنما تناقش منتجًا نشأ داخل السياق الغربي، وتخضعه للنقد انطلاقًا من معاييره الفكرية والأخلاقية ذاتها.

وتوضح الدراسة أن المقصود ليس الزعم بأن الجغرافيا تنتج الشر بذاتها، أو أن بعض الأماكن شريرة بطبيعتها، وإنما أن بعض الفضاءات الجغرافية ارتبطت تاريخيًّا بوظائف سياسية وقانونية واقتصادية جعلتها أكثر قابلية لاحتضان أنماط محددة من الممارسات.

ومن هذا المنظور، تصبح الجغرافيا عنصرًا فاعلًا في تشكيل الأحداث، وإعادة توزيع العلاقة بين القوة والقانون والمجتمع، وليست مجرد مسرح محايد تدور عليه الوقائع.

وترى الدراسة أن ما تسميه "جزر الشر" يتميز بتراجع الرقابة، وضعف إنفاذ القانون، وانحسار الرؤية الكاشفة، بما يجعل هذه الجزر فضاءات للاستثناء تتجسد فيها العزلة والتحكم والسرية. وتربط بين هذا الواقع الحديث وبين حضور الجزيرة في المخيال القديم، لكنها تؤكد أن الدولة الحديثة وشبكات المصالح أعادت توظيف هذه الفضاءات لأداء وظائف استثنائية تبدو، ظاهريًّا، خاضعة للقانون، بينما توفر في الحقيقة قدرًا من الانفلات منه.

إعلان

ولذلك تعتبر الدراسة أن غوانتانامو، وجزر التجارب النووية، وجزر الاقتصاد السري، ليست سوى نماذج مختلفة لوظيفة واحدة، تتغير أدواتها بينما تبقى بنيتها ثابتة.

وتبين الدراسة أنها تنطلق من جزيرة إبستين باعتبارها واقعة مؤسسة، لا لأنها حالة منفردة، وإنما لأنها تكشف بنية جيوسياسية تتكرر بأشكال مختلفة في فضاءات أخرى.

تستعرض الدراسة قصة جزيرة ليتل سانت جيمس، الواقعة ضمن جزر العذراء الأمريكية، والتي لم تكن معروفة خارج نطاق ملاكها وزائريها حتى اشتراها رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين عام 1998. وتوضح أن الجزيرة تحولت تدريجيًّا من جزيرة خاصة شبه مجهولة إلى واحدة من أكثر الجزر إثارة للجدل، لا بسبب موقعها الجغرافي، وإنما بسبب الوظيفة التي أدتها داخل شبكة معقدة من العلاقات والممارسات الإجرامية.

وتعرض الدراسة ما انتهت إليه الدعاوى التي رفعتها ناجيات، وما توصل إليه الادعاء الأمريكي، من أن الجزيرة لم تكن مجرد مقر إقامة خاص، وإنما شكلت فضاءً منظمًا للاتجار الجنسي، وخاصة استغلال القاصرات، إذ تضمنت الشهادات وقائع تتعلق بفتيات تراوحت أعمار بعضهن بين الحادية عشرة والثانية عشرة، واستمر هذا النشاط رغم تسجيل إبستين مجرمًا جنسيًّا في جزر العذراء منذ عام 2010.

كما تشير الدراسة إلى أن سجلات الطيران أظهرت زيارات شخصيات دولية بارزة للجزيرة، في حين تحدثت بعض الناجيات عن تعرضهن لاعتداءات أو تحرشات جنسية ارتكبها بعض الزائرين.

وتضيف الدراسة أن الوقائع لم تبق في نطاق الشهادات الفردية، بل دعمتها التحقيقات الرسمية، التي أظهرت أن الجزيرة كانت تدار بطريقة وفرت للنشاط الإجرامي قدرًا كبيرًا من الاستمرار والحماية، وأن إبستين كان يستقدم قاصرات بصورة متكررة على متن طائرته الخاصة دون أن يحول ذلك دون استمرار نشاطه سنوات طويلة.

كما تتناول الدراسة التطورات التي أعقبت اعتقال إبستين ووفاته عام 2019، فتشير إلى مداهمة مكتب التحقيقات الفيدرالي الجزيرة لجمع الأدلة، ثم إلى التسوية التي أبرمتها حكومة جزر العذراء الأمريكية عام 2022 مع تركة إبستين، والتي تجاوزت قيمتها 105 ملايين دولار، وشملت نصف عائدات بيع الجزيرة، في إطار دعاوى تتعلق بالاتجار الجنسي والاعتداء على عشرات الفتيات والأطفال.

وتستكمل الدراسة هذا العرض بالإشارة إلى نشر لجنة الرقابة في مجلس النواب الأمريكي، في ديسمبر/كانون الأول 2025، صورًا ومقاطع مصورة التقطتها سلطات جزر العذراء، أظهرت مرافق الجزيرة والأماكن المرتبطة بالتحقيقات، ثم تشير إلى تحقيقات لاحقة، منها تحقيق مجلة WIRED، كشفت بيانات هواتف محمولة لما يقرب من مئتي زائر للجزيرة قبل وفاة إبستين، بما أبرز اتساع شبكة المترددين عليها.

كما تعرض الدراسة إصدار وزارة العدل الأمريكية، في يناير/كانون الثاني 2026، ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المرتبطة بالقضية، تضمنت تفاصيل إضافية عن شبكة علاقات إبستين ومحاولات زيارة شخصيات عامة للجزيرة، مع التأكيد أن التحقيقات المتعلقة بما ارتكب فيها من جرائم لا تزال مستمرة، رغم بيع الجزيرة في إطار التسوية المشار إليها.

مصدر الصورة ملفات إبستين معروضة للجمهور في مدينة نيويورك (الأناضول)

ثانيًا: الجغرافيا السياسية للشر.. التأصيل النظري

تنتقل الدراسة بعد عرض حالة جزيرة إبستين إلى بناء الإطار النظري الذي تفسر من خلاله هذه الظاهرة، وتوضح أن المقصود بـ "الجغرافيا السياسية للشر" هو المجال الذي تنتظم داخله الممارسات المنافية للأخلاق والقانون والنظام العام، وهو مجال تتراجع فيه رقابة المجتمع، وتضعف فيه سلطة القانون، فتتشكل داخله شبكات مصالح تتبادل المنافع المحظورة قانونًا أو المقيدة في المجال العام.

إعلان

وترى الدراسة أن هذا المجال يقوم على إيجاد بيئة تبتعد بدرجات متفاوتة عن الأطر القانونية والشرعية المعتادة، ولا يرجع ذلك إلى حتمية جغرافية أو قدرية، بل إلى فعل بشري منظم يقوم على العزلة المادية، وإحكام السيطرة على منافذ الدخول، وانحسار الاختصاص القضائي الفعلي، وارتفاع مستويات السرية، وتشتيت المسؤولية، واستخدام وسائل متعددة للتضليل المقصود. ومن ثم، فإن الجغرافيا هنا لا تخلق الشر، وإنما تهيئ المجال الذي يسمح له بالعمل بعيدًا عن الرقابة والمساءلة.

وتؤسس الدراسة هذا التصور على أربعة مداخل فكرية رئيسة، يمثلها كل من ديفيد هارفي، وميشيل فوكو، وجورجيو أغامبن، وإيف الكوست. فهؤلاء، من وجهة نظر الباحث، يقدمون أدوات تفسيرية يمكن من خلالها فهم العلاقة بين الجغرافيا والسلطة والقانون والاستثناء، وبناء نموذج يفسر ظاهرة "جزر الشر".

المجال بوصفه أداة للسلطة

تبدأ الدراسة بأطروحة ديفيد هارفي، الذي ينظر إلى إعادة تشكيل المجال باعتبارها وسيلة دائمة لإنتاج السلطة. فالرأسمالية، بحسب هذا التصور، تبحث عن تجاوز أزماتها عبر إنتاج جغرافيات جديدة، بما يسمح بتسريع حركة رأس المال، واستيعاب فوائض الإنتاج، وتحويل المجال نفسه إلى أداة للتراكم الاقتصادي، لا مجرد إطار محايد للنشاط الإنساني.

وتوضح الدراسة أن المجال، في هذا الفهم، يتحول إلى مركز للقوة، وسلعة قائمة بذاتها، ويصبح تشكيله وإعادة تنظيمه جزءًا من آليات الهيمنة السياسية والاقتصادية.

ومن هنا تبدو الجزر، بما تتمتع به من عزلة واستثناء وضعف في مستويات الرقابة، فضاءات مناسبة للاستثمار الرأسمالي الذي يستفيد من محدودية الرقابة القانونية والمجتمعية، بما يتيح الاحتكار، والانفراد بالربح، والتهرب من الضرائب والرسوم، ويعزز في الوقت نفسه نفوذ السلطة وحلفائها.

من الاستثناء المؤقت إلى الاستثناء الدائم

ثم تنتقل الدراسة إلى مفهوم الاستثناء، وتوضح أن الاستثناء، في القانون وقواعد الحكم، يعني تعليق القاعدة القانونية بقاعدة أخرى، بحيث يتحول ما يبدأ إجراءً مؤقتًا فرضته ظروف الطوارئ إلى حالة دائمة تستمر حتى بعد زوال أسبابها.

وبهذا تصبح مجالات الاستثناء جزءًا من النظام نفسه، لا خروجًا عليه، لأنها تنشأ بقرار سياسي وتترسخ بالممارسة المتكررة.

وترى الدراسة أن الجزر المعزولة تمثل البيئة الأكثر قابلية لهذا النوع من الاستثناء، لأنها محدودة المنافذ، ويسهل التحكم فيها، كما أن عزلتها الطبيعية تجعلها أكثر استعدادًا لاستقبال أنماط من الممارسات يصعب تنفيذها داخل المجال الاجتماعي المفتوح.

وتربط الدراسة ذلك بأفكار ميشيل فوكو، الذي يرى أن السلطة تمارس حضورها من خلال إنتاج المعرفة والانضباط والتصنيف، وتحديد الفضاءات التي تدار فيها الأجساد، سواء كانت سجونًا أو معسكرات أو مؤسسات أخرى، بما يجعل الجزيرة فضاءً يمكن ضبطه من الخارج، بينما تتراجع داخله الرقابة المجتمعية، فتتحول إلى مجال للانضباط دون مساءلة، وللرقابة دون رقيب.

"سفينة المجانين" ونفي الآخر

وتفرد الدراسة مساحة واسعة لتحليل تصور ميشيل فوكو في كتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، ولا سيما صورة "سفينة المجانين" التي عدها الباحث نموذجًا مبكرًا لفكرة الإقصاء الجغرافي. فالمجنون، في هذا التصور، لا يقتل ولا يدمج داخل المجتمع، وإنما ينفى إلى فضاء عائم لا ينتمي إلى اليابسة ولا إلى البحر، فيبقى معلقًا بين عالمين، خارج المجال الاجتماعي، دون أن يكون قد خرج تمامًا من سلطة المجتمع.

وترى الدراسة أن هذه السفينة تمثل "منفى متحركًا"، فإذا كان المنفى التقليدي يتمثل في جزيرة معزولة، فإن فوكو ينقل الفكرة إلى فضاء متحرك تؤدي فيه السفينة وظيفة الجزيرة نفسها، بوصفها مجالًا للعزل والإقصاء.

إعلان

ومن هذا المنظور، تقرأ الدراسة جزيرة إبستين باعتبارها امتدادًا حديثًا للبنية نفسها؛ فهي جزيرة ثابتة تؤدي وظيفة الإقصاء والعزل التي أدتها "سفينة المجانين" في التصور الفوكوي، وإن اختلفت الوسائل والسياقات.

كما توضح الدراسة أن السلطة، في هذا النموذج، لا تمارس الإقصاء عشوائيًا، بل تحدد بنفسها الفضاء الذي يجري فيه، وتجعل من السفينة أو الجزيرة مجالًا استثنائيًا تحكمه قواعد مختلفة عن المجال العام. ولذلك لا يعالج فوكو الجنون باعتباره ظاهرة طبية، وإنما بوصفه مادة تكشف كيفية إنتاج السلطة للمعنى، وإعادة ترتيب المجتمع من خلال الفصل بين المقبول والمرفوض، وبين المعقول واللامعقول، وبذلك تصبح "سفينة المجانين" تجسيدًا للعلاقة بين السلطة وإنتاج الآخر وإقصائه.

وتواصل الدراسة بناء إطارها النظري بالانتقال من فوكو إلى جورجيو أغامبن، لتبين أن فكرة الاستثناء لا تقتصر على العزل الجغرافي، وإنما تمتد إلى تعليق القانون نفسه داخل فضاءات بعينها.

تعليق القانون.. أغامبن وحالة الاستثناء

ترى الدراسة أن جورجيو أغامبن يجعل جوهر السيادة قائمًا على القدرة على تعليق القانون داخل حيز جغرافي محدد. فالدولة لا تظهر سيادتها فقط من خلال احتكار العنف أو سن القوانين، وإنما أيضًا من خلال قدرتها على إنشاء فضاءات يبقى فيها القانون قائمًا من الناحية الشكلية، بينما تُعلَّق آثاره العملية.

وهكذا تتحول حالة الاستثناء من إجراء مؤقت فرضته ظروف طارئة إلى تقنية دائمة من تقنيات الحكم، فيغدو الاستثناء جزءًا من البنية الطبيعية للدولة الحديثة.

وتوضح الدراسة أن السلطة، وفق أغامبن، لا تُعرَّف بحدودها القانونية وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج مناطق تقع بين القانون واللاقانون، بحيث تصبح صاحبة القرار في تطبيق القاعدة أو تعليقها. وفي هذه المناطق يُختزل الإنسان إلى ما يسميه أغامبن "الحياة العارية"؛ أي الإنسان المجرد من الضمانات السياسية والحقوقية، فيخضع للسلطة دون أن يتمتع بالحماية القانونية الكاملة.

ولهذا يعد أغامبن المعسكر، لا المحكمة ولا السجن، النموذج السياسي الأبرز للحداثة، لأنه يمثل المكان الذي تستمر فيه حالة الاستثناء بصورة دائمة.

وتضيف الدراسة أن مفهوم الاستثناء لا يقتصر على معسكرات الاعتقال أو مناطق الحرب، بل يمتد إلى فضاءات أخرى، مثل مناطق الاحتلال، ومراكز الاحتجاز الواقعة خارج الاختصاص القضائي، وبعض الجزر المعزولة التي تُدار وفق نظم قانونية استثنائية.

ومن ثم يصبح تصور أغامبن أداة لتفسير الكيفية التي تتحول بها الجغرافيا إلى وسيلة لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والقانون والإنسان.

من نفي الآخر إلى تعليق القانون

تعقد الدراسة مقارنة بين فوكو وأغامبن، وترى أن كليهما ينطلق من فكرة الإقصاء، لكن كلًّا منهما يعالجها من زاوية مختلفة. ففوكو يركز على نفي الآخر وإبعاده عن المجال الاجتماعي، بينما ينشغل أغامبن بكيفية تعليق القانون داخل المجال الذي يُنفى إليه ذلك الآخر. وبهذا يصبح الاستثناء عند أغامبن امتدادًا للبنية التي وصفها فوكو، لكن في إطار قانوني وسياسي أكثر وضوحًا.

وترى الدراسة أن جزيرة إبستين تقدم نموذجًا يمكن قراءته في ضوء هذين التصورين معًا؛ فهي من جهة فضاء للعزل والإخفاء، ومن جهة أخرى مجال تتراجع فيه الرقابة، وتضعف فيه فاعلية القانون، فتتوافر فيه شروط استمرار ممارسات لا يمكن أن تستمر بالسهولة نفسها داخل المجال العام.

ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن الجزيرة ليست معسكرًا بالمعنى الذي يقصده أغامبن، وإنما تستفيد من الآليات التي تنتجها حالة الاستثناء، دون أن تتطابق معها تطابقًا كاملًا.

إيف الكوست.. الجغرافيا أداة للقوة

ثم تنتقل الدراسة إلى إيف الكوست، الذي ترى أنه نقل الجغرافيا من كونها علمًا وصفيًّا إلى كونها أداة لإنتاج القوة وإدارة الصراع.

فالجغرافيا، وفق هذا التصور، ليست معلومات محايدة عن التضاريس والأنهار والحدود، وإنما وسيلة لاتخاذ القرار السياسي والعسكري، وعنصر من عناصر القوة الوطنية. ولذلك فإن الخرائط، في أصلها، وثائق تخدم السلطة، وترسم مجالات النفوذ، وتحدد ما يجب إظهاره وما ينبغي إخفاؤه.

وتوضح الدراسة أن الحقيقة الجغرافية، عند الكوست، ليست معطى طبيعيًّا ثابتًا، وإنما نتيجة لاختيار سياسي يحدد ما يثبت على الخريطة، وما يُهمل، وما يبرز، وما يخفى، بما يجعل الجغرافيا فعلًا سياسيًّا بامتياز. ومن هنا تصبح السيطرة على المكان طريقًا إلى السيطرة على الإنسان، لأن التحكم في المجال يعني، في الوقت نفسه، التحكم في من يعيش داخله.

إعلان

وانطلاقًا من هذه الأسس النظرية مجتمعة، ترى الدراسة أن سؤال "لماذا الجزيرة؟" ليس سؤالًا جغرافيًّا خالصًا، بل هو سؤال يتعلق بالسلطة والهيمنة.

فالجزر تمنح العزلة، والتحكم، والسرية، وتخفف من وطأة الرقابة والسيادة، فتتحول إلى منصات للاستثناء تؤدي وظائف يصعب القيام بها في المجال المتصل بالدولة والمجتمع. ولهذا تخلص الدراسة إلى أن جزيرة إبستين ليست مجرد واقعة جنائية معزولة، وإنما نموذج حديث لما تسميه "الجغرافيا السياسية للشر"، حيث تتداخل العزلة الجغرافية، والاستثناء القانوني، وشبكات النفوذ، والسردية الإعلامية، في بنية واحدة تسمح بإنتاج فضاءات يصعب إخضاعها للمساءلة الكاملة.

مصدر الصورة جانب لملفات إبستين معروضة للجمهور في مدينة نيويورك (الأناضول)

ثالثًا: نماذج الجغرافيا السياسية للشر

بعد أن تنتهي الدراسة من بناء إطارها النظري، تنتقل إلى اختباره من خلال ثلاث حالات مقارنة، هي: غوانتانامو، وجزر التجارب النووية، وجزر الاقتصاد السري.

وترى أن اختلاف وظائف هذه النماذج لا ينفي وحدة البنية التي تقوم عليها، لأن القاسم المشترك بينها هو توظيف الجغرافيا لإنتاج فضاءات استثنائية يعاد فيها تشكيل العلاقة بين السلطة والقانون ورأس المال والرقابة.

غوانتانامو.. استغلال الجغرافيا لتعليق القانون

تبدأ الدراسة بقاعدة غوانتانامو، وتعتبرها النموذج الأوضح لفكرة "استغلال الجغرافيا لتعليق القانون".

فالمكان، في هذه الحالة، لا يكتسب أهميته من موقعه العسكري فقط، وإنما من الوضع القانوني الخاص الذي أُنشئ له، بحيث أصبح مجالًا استثنائيًّا تتجاوز فيه السلطة حدود القضاء العادي، وتعيد رسم العلاقة بين القانون والسيادة والأمن.

وتوضح الدراسة أن غوانتانامو تتمتع بتركيب قانوني خاص؛ فهي جزيرة مؤجرة للولايات المتحدة، لكنها ليست جزءًا من المجال القانوني الأمريكي التقليدي، وهو ما أتاح للإدارة الأمريكية إنشاء نظام قانوني استثنائي يختلف عن القواعد المعتادة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.

وبهذا أصبحت الدولة هي التي تحدد طبيعة القانون، وإجراءات التقاضي، وحدود الولاية القضائية، من دون رقابة وطنية أو دولية كاملة.

وترى الدراسة أن هذا النموذج يجسد بصورة مباشرة أطروحة جورجيو أغامبن حول تعليق القانون، كما يجسد في الوقت نفسه رؤية إيف الكوست للجغرافيا بوصفها أداة لإنتاج القوة وإعادة تعريف المجال، إذ لم تعد القاعدة مجرد موقع عسكري، وإنما تحولت إلى نموذج يبين كيف يمكن للجغرافيا أن تعيد صياغة الحدود الفاصلة بين القانون والاستثناء.

وتخلص الدراسة إلى أن غوانتانامو تكشف أن الجغرافيا ليست وصفًا محايدًا للمكان، وإنما أداة لإعادة توزيع السلطة وإنتاج فضاءات قانونية مختلفة.

جزر التجارب النووية.. الجغرافيا في خدمة القوة

وتنتقل الدراسة إلى جزر التجارب النووية، وترى أن اختيار الجزر لإجراء التجارب الخاصة بتطوير الأسلحة النووية لم يكن اختيارًا عشوائيًّا، وإنما جاء نتيجة حسابات إستراتيجية دقيقة، جمعت بين اعتبارات الأمن، والعزلة، وإدارة المخاطر، والسيطرة السياسية.

فالجزيرة، بما توفره من بعد عن الكتل السكانية، ومن سهولة التحكم في الدخول إليها والخروج منها، أصبحت المكان الأنسب لإجراء تجارب ذات آثار مدمرة يصعب تنفيذها داخل المجال المتصل بالمجتمع.

وتوضح الدراسة أن هذه الحالة تجسد بصورة واضحة ما ذهب إليه إيف الكوست من أن الجغرافيا ليست علمًا وصفيًّا، وإنما أداة لإنتاج القوة والهيمنة.

فاختيار الجزر لم يكن بسبب طبيعتها الجغرافية وحدها، وإنما لأنها تمنح الدولة القدرة على إدارة النشاط بعيدًا عن المجال العام، وتقليل الرقابة، والتحكم في المعلومات، وإخفاء جانب من الآثار المترتبة على تلك التجارب. وبذلك تصبح الجزيرة جزءًا من منظومة إنتاج القوة، لا مجرد مسرح تجري عليه الأحداث.

وتؤكد الدراسة أن الوظيفة هنا تختلف عن وظيفة غوانتانامو، لكنها تقوم على البنية نفسها؛ ففي الحالتين تُستخدم الجغرافيا لإيجاد مجال استثنائي، تختلف فيه قواعد العمل والرقابة عن المجال العام، وإن كان الهدف في الأولى قانونيًّا وأمنيًّا، وفي الثانية عسكريًّا وتقنيًّا.

جزر الاقتصاد السري.. الاستثناء في خدمة رأس المال

تنتقل الدراسة إلى النموذج الثالث، وهو جزر الاقتصاد السري، وترى أنه يمثل صورة مختلفة من صور "جزر الشر".

فهو لا يرتبط بالجريمة المنظمة كما في جزيرة إبستين، ولا بتعليق القانون كما في غوانتانامو، ولا بتطوير وسائل الدمار كما في جزر التجارب النووية، وإنما يجسد منطق الاستثناء في المجال الاقتصادي والمالي.

وتوضح الدراسة أن هذه الجزر تقوم بوظيفة اقتصادية محددة، تتمثل في توفير بيئة قانونية وضريبية وتنظيمية مختلفة عن المحيط الذي تنتمي إليه، بما يسمح بجذب رؤوس الأموال، وإخفاء الملكيات، وتقليل الالتزامات الضريبية، وإدارة أنشطة مالية لا تجد البيئة نفسها داخل الدول ذات الرقابة المشددة.

ومن ثم، فإنها تؤدي وظيفة "الجزر الوظيفية" التي يعاد تصميمها لخدمة أهداف اقتصادية بعينها، مستفيدة من العزلة والخصوصية القانونية.

وترى الدراسة أن هذا النموذج يؤكد أن فكرة "الجغرافيا السياسية للشر" لا تقتصر على الجرائم أو الاستخدام العسكري، وإنما تشمل كل فضاء جغرافي يُعاد تشكيله ليؤدي وظيفة استثنائية تقوم على تقليص الرقابة، وإعادة توزيع العلاقة بين السلطة والقانون والمصالح الاقتصادية.

فالعنصر المشترك بين هذه النماذج جميعًا ليس طبيعة النشاط، بل البنية التي تسمح بقيامه داخل فضاء معزول تحكمه قواعد تختلف عن المجال العام.

مصدر الصورة زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي، تشاك شومر يعانق داني بنسكي، إحدى الناجيات من قضية إبستين (رويترز)

خامسًا: جزر الشر الحديثة.. المقارنة والتفسير

تؤكد الدراسة أن قيمة النموذج الذي تنطلق منه لا تتوقف عند تفسير حالة جزيرة إبستين، وإنما تظهر في قدرته على تفسير حالات أخرى تبدو مختلفة في ظاهرها، لكنها تقوم على المنطق نفسه. فغوانتانامو، وجزر التجارب النووية، وجزر الاقتصاد السري، تمثل تطبيقات متنوعة لبنية واحدة، تتداخل فيها العزلة، والاستثناء، والسلطة، والرقابة المحدودة. غير أن جزيرة إبستين تظل، في نظر الباحث، النموذج التطبيقي الأكثر اكتمالًا لهذا التصور؛ فهي لا تمثل مجرد جزيرة خاصة ارتبطت بجرائم جنسية أو باسم مالكها جيفري إبستين، وإنما تجسد مفهوم "الجغرافيا السياسية للشر" في صورته العملية.

فمنذ أن اشترى إبستين جزيرة ليتل سانت جيمس عام 1998، لم يكن التحول الحقيقي في المكان ذاته، بل في الوظيفة التي أُسندت إليه؛ إذ انتقلت الجزيرة من كونها ملكية خاصة شبه مجهولة في جزر العذراء الأمريكية إلى فضاء يؤدي دورًا يتجاوز حدود الجريمة الفردية، ليصبح نموذجًا يفسر كيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى عنصر فاعل في إنتاج الاستثناء، وإعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والقانون والرقابة.

وترى الدراسة أن أهمية الجزيرة لا تعود إلى موقعها الطبيعي، وإنما إلى الكيفية التي جرى بها توظيف هذا الموقع؛ فقد وفرت العزلة، والسرية، والقدرة على التحكم في الداخل، وصعوبة الرقابة المجتمعية مقارنة بالأماكن المفتوحة والمتصلة بالمراكز الحضرية، وهو ما هيأها للتحول إلى عقدة تشغيل داخل شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ. فخصائصها الجغرافية، من محدودية منافذ الدخول والخروج، وبعدها النسبي عن العمران، وإمكان إحكام السيطرة على الحركة داخلها، جعلتها بيئة ملائمة لعمل شبكات خاصة بعيدًا عن أنظار المجتمع.

ومن هذا المنظور، لم تكتسب الجزيرة قيمتها من طبيعتها الجغرافية وحدها، وإنما من تحول تلك الطبيعة إلى شرط بنيوي يسمح بإنتاج الاستثناء؛ فالمكان يحد من الرقابة، ويوفر درجة عالية من الخصوصية، ويمنح القائمين عليه قدرة أكبر على التحكم في من يدخل إليه وما يجري داخله، الأمر الذي يفسر، في نظر الدراسة، استمرار نشاطه سنوات طويلة قبل أن ينكشف.

ولهذا ترى الدراسة أن التركيز على الأشخاص وحدهم لا يكفي لفهم هذه الظواهر، وأن السؤال لا ينبغي أن ينحصر في جيفري إبستين أو في هوية المترددين على جزيرته، وإنما يجب أن يتجه إلى البنية التي سمحت للجزيرة بأن تؤدي هذه الوظيفة سنوات طويلة، وإلى الشبكات التي وفرت لها الحماية والاستمرار.

ومن هنا تنتقل الدراسة من تحليل الحدث إلى تحليل البنية، ومن مساءلة الفرد إلى مساءلة البيئة التي جعلت استمرار هذه الشبكة ممكنًا، معتبرة أن البحث في الجغرافيا السياسية يقتضي الانتقال من الفرد إلى الشبكة.

وفي هذا السياق، تستعين الدراسة بنظرية "مجتمع الشبكات" لمانويل كاستلز، وترى أن جزيرة إبستين لا تمثل مركز الشبكة، وإنما عقدة عالية الكثافة داخلها؛ فهي نقطة التقاء للنفوذ، والمال، والسلطة، والمتعة المحرمة، والصمت أو التواطؤ.

ولذلك لا ينبغي النظر إليها بوصفها الفاعل الوحيد، بل باعتبارها إحدى العقد التي تضمن استمرار عمل الشبكة وتماسكها.

كما يفسر هذا الفهم استمرار الجدل حول القضية رغم وفاة إبستين، لأن اختفاء الفرد لا يعني اختفاء البنية التي أنتجت الظاهرة أو سمحت باستمرارها، وهو ما يجعل تحليل الشبكات أكثر أهمية من الاقتصار على تتبع المسؤولية الفردية.

وانطلاقًا من ذلك، ترفض الدراسة اختزال الجزيرة في صورة "جزيرة الرذيلة" أو "الجزيرة الشريرة"، وترى أن هذا الوصف، على الرغم من جاذبيته الإعلامية، لا يفسر الظاهرة، بل قد يحجبها، لأنه يحول الجزيرة إلى أسطورة غامضة، ويصرف الانتباه عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بكيفية تشكل الشبكة، وطبيعة الحماية التي تمتعت بها، والظروف القانونية والمؤسسية التي سمحت باستمرارها. ولذلك تدعو إلى النظر إلى الجزيرة باعتبارها بناءً سياسيًّا ومؤسسيًّا يكشف آليات إنتاج فضاءات الاستثناء أكثر مما يكشف طبيعة الجرائم التي ارتكبت داخله.

وتربط الدراسة هذا الفهم بأفكار ميشيل فوكو، فتستحضر مفهوم "سفينة المجانين"، معتبرة أن جزيرة إبستين تمثل التحول الجيوسياسي الحديث لهذه البنية؛ فهي ليست مجرد موقع جغرافي، وإنما فضاء ثابت للعزل والإخفاء داخل شبكة السلطة، تمارس فيه آليات الاستثناء والإقصاء بعيدًا عن المجال العام.

كما تستعين بمفهوم "اقتصاد الحقيقة" لتفسير الكيفية التي أُدير بها الجدل حول الجزيرة؛ فالسلطة، وفق هذا التصور، لا تعرض الواقع كاملًا، وإنما تتحكم فيما يظهر وما يُحجب، ولذلك انصرف النقاش العام إلى الأشخاص والوقائع الجنائية، بينما بقيت البنية التي أنتجت الجزيرة وحمتها أقل حضورًا في المجال العام.

وتخلص الدراسة إلى أن سؤال "لماذا الجزيرة؟" ليس سؤالًا جغرافيًّا مجردًا، بل يتعلق بالسلطة والهيمنة.

فالجزر تمنح العزلة، والتحكم، والسرية، وتخفف من مستويات الرقابة، فتتحول إلى منصات للاستثناء تؤدي وظائف يصعب القيام بها داخل المجال المتصل بالدولة والمجتمع. ومن ثم فإن جزيرة إبستين ليست، في نظر الباحث، مجرد حادثة جنائية استثنائية، ولا عودة إلى الأسطورة التقليدية عن "جزيرة الشر"، وإنما تمثل صيغة حديثة لهذه الأسطورة بعد أن تحولت إلى مؤسسة تعمل داخل شبكة من النفوذ والعلاقات، وتتجسد فيها "جزيرة الشر" بوصفها عقدة شبكية تسمح بتراكم السرية، وإعادة إنتاج الاستثناء، وتوفير شروط الإفلات من المحاسبة، وهو ما جعلها الواقعة المؤسسة التي بنى عليها مفهوم "الجغرافيا السياسية للشر".

مصدر الصورة صورة أرشيفية لإبستين نشرتها وزارة العدل الأمريكية (رويترز)

الخاتمة

تخلص الدراسة إلى أن جزيرة إبستين لا تمثل حادثة جنائية معزولة، وإنما تصلح نموذجًا لتفسير ظاهرة أوسع أطلقت عليها "الجغرافيا السياسية للشر"، وهي الظاهرة التي تتحول فيها بعض الفضاءات الجغرافية إلى مجالات للاستثناء والعزل، يعاد داخلها تشكيل العلاقة بين السلطة والقانون والرقابة.

وترى الدراسة أن الجزر لا تنتج الشر بطبيعتها، وإنما تكتسب هذه الوظيفة عندما تُوظف سياسيًّا وقانونيًّا واقتصاديًّا لتصبح فضاءات منخفضة الرقابة، وقابلة لاستيعاب أنشطة لا يمكن ممارستها بالقدر نفسه داخل المجال العام.

ولهذا فإن تفسير الظاهرة لا يبدأ من خصائص المكان الطبيعية، بل من الوظائف الجيوسياسية التي يؤديها.

وتؤكد الدراسة أن الإطار الذي بنته، بالاستناد إلى ديفيد هارفي، وميشيل فوكو، وجورجيو أغامبن، وإيف الكوست، ومانويل كاستلز، يبين أن العلاقة بين الجغرافيا والسلطة والقانون ليست علاقة عرضية، وإنما علاقة بنيوية، تجعل من بعض الفضاءات أدوات لإنتاج الاستثناء وإدارة القوة وإعادة توزيع النفوذ.

ومن هذا المنطلق، فإن جزيرة إبستين تمثل، في نظر الباحث، حالة كاشفة لبنية أوسع تتكرر بصور مختلفة في عالم السياسة والاقتصاد والأمن، أكثر مما تمثل واقعة استثنائية منفصلة.

وتخلص الدراسة إلى أن الإجابة تكمن في الوظيفة التي تؤديها الجزيرة أكثر مما تكمن في خصائصها الطبيعية. فهي توفر العزلة، والتحكم، والسرية، وتخفف من مستويات الرقابة والسيادة الفعلية، فتتحول إلى منصة للاستثناء يصعب تحقيق وظيفتها في المجال المتصل بالدولة والمجتمع.

ولهذا تؤكد الدراسة أن جزيرة إبستين ليست مجرد حادثة جنائية استثنائية، ولا عودة إلى الأسطورة التقليدية عن "جزيرة الشر"، وإنما تمثل صيغة حديثة لهذه الأسطورة بعد أن تحولت إلى مؤسسة تعمل داخل شبكة من النفوذ والعلاقات، وتتجسد فيها "جزيرة الشر" بوصفها عقدة شبكية تسمح بتراكم السرية، وإعادة إنتاج الاستثناء، وتوفير شروط الإفلات من المحاسبة، وهو ما جعلها، في نظر الباحث، الواقعة المؤسسة التي بنى عليها مفهومه لـ "الجغرافيا السياسية للشر".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا