وأعلن الحشد الشعبي العراقي أن عدد المشاركين في مراسم تشييع خامنئي تجاوز أربعة ملايين مشيّع في كربلاء.
وقد توافد المعزون إلى كربلاء منذ ساعات الفجر الأولى، فيما فضّل آخرون المبيت في المدينة منذ الليلة السابقة لضمان أماكن لهم داخل الحرمين أو في محيطهما مع مرور موكب التشييع.
وكان موكب التشييع قد وصل في وقت سابق إلى مرقد الإمام علي بن أبي طالب في مدينة النجف، حيث أدى مئات رجال الدين والمشيعين صلاة الجنازة على الجثمان.
ووُضعت فوق نعش خامنئي ، الذي لُف بالعلم الإيراني، عمامته السوداء، إلى جانب راية خضراء كُتب عليها "صلى الله عليك يا أبا عبد الله"، في إشارة إلى الإمام الحسين، فيما أحاطت به حشود المشيعين داخل مرقد الإمام علي.
وعقب انتهاء مراسم التشييع في النجف، نُقل الجثمان جواً إلى كربلاء، حيث حطت الطائرة التي أقلّته إيذاناً بانطلاق محطة جديدة من مراسم الوداع داخل العتبة الحسينية.
وكان الحشد الشعبي العراقي قد أعلن أن أكثر من مليونين وثلاثمائة ألف شخص شاركوا في تشييع خامنئي في النجف، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء العراقية "واع".
وأكد النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف، الأربعاء، أن مراسم التشييع الحاشدة لخامنئي في مدينتي النجف وكربلاء، عكست عمق الروابط الأخوية والثقافية والعقائدية التي تجمع الشعبين الإيراني والعراقي.
ووصل الجثمان إلى النجف مساء أمس، المدينة المطلة على نهر الفرات، والتي تُعد من أقدس المزارات عند الشيعة.
ورافق الجثمان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ، وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، ونجل خامنئي مصطفى. أما ابنه مجتبى، الذي خلفه في المنصب، فلم يظهر في العلن منذ تعيينه في مارس الماضي وسط تقارير عن إصابته في الغارة التي أودت بحياة والده وتخوّف على حياته من عملية اغتيال إسرائيلية.
وحضر مراسم الاستقبال مسؤولون عراقيون، بينهم رئيس الحكومة علي الزيدي، وقادة تحالف الإطار التنسيقي، إضافة إلى شخصيات سياسية وعسكرية أخرى.
وقد أعلنت السلطات العراقية يوم الأربعاء عطلة رسمية، إيذانًا بانطلاق المراسم عند الساعة السادسة صباحاً، أي الثالثة فجراً بتوقيت غرينتش.
تحرص القيادة الإيرانية على أن تعكس مراسم التأبين المكانة التي كان يحتلها خامنئي، الذي قاد الجمهورية الإسلامية نحو أربعة عقود. واتخذت مراسم التشييع مساراً يحمل رمزية دينية واضحة لدى الشيعة، إذ ربط بين محطات تعد من أبرز المزارات المقدسة، بدءاً من مرقد الإمام علي بن أبي طالب في النجف، مروراً بمرقدَي الإمام الحسين وأخيه العباس في كربلاء، ثم مدينة مشهد قرب مرقد الإمام الرضا.
وتحظى النجف بمكانة خاصة لدى الشيعة، إذ يوصي كثيرون منهم بأن يدفنوا في مقبرة "وادي السلام" المتاخمة لمرقد الإمام علي.
كما تعدّ النجف مقر المرجعية الأعلى في العراق، آية الله علي السيستاني، وعدد من كبار المراجع الآخرين، وقِبلة لطلاب العلوم الدينية الذين يدرسون في حوزاتها العلمية.
وقد درس فيها كبار رجال الدين الشيعة، ومنهم روح الله الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية، والمرجع اللبناني محمد حسين فضل الله، والعراقي محمد باقر الصدر، وحتى أمين عام حزب الله الراحل حسن نصر الله .
ولليوم الخامس على التوالي، امتلأت الشوارع بالجموع الغفيرة مخيطة بالشاحنة التي تحمل نعش خامنئي ملفوفاً بالعلم الإيراني.
وقد حاول البعض الاقتراب منه ولمسه، بينما حمل آخرون صوره، إلى جانب صور قادة آخرين، في مشهد تخللته تلاوة المرثيات.
ونقلت وكالة "فرانس برس" عن مرتضى المالكي (27 عاماً)، المشارك في التشييع، والقادم من مدينة العمارة جنوب العراق، قوله: "قضيت ليلة أمس في الشارع بانتظار شرف المشاركة في التشييع". وأضاف: "هذا الرجل (أي خامنئي) له فضل كبير على العراق، فقد وقف معنا أيام هجوم داعش، وهو الذي أوقف إسرائيل عند حدها".
أما حيدر جعفر، الذي قدم من البصرة، فقال: "أتوقع أن ملايين العراقيين سيشاركون في التشييع، حتى أولئك الذين لا يوالون إيران"، وذلك لأن خامنئي "قُتل بيد إسرائيلية أميركية". وتابع: "الآن صرنا نعتقد أن إيران هي عمقنا، وإذا فقدناها، انتصرت إسرائيل على المنطقة بأكملها" حسب تعبيره.
وعلى جانبي الطريق، نُصبت مئات الأكشاك والخيام، يتطوع فيها أهالي المنطقة بتقديم الطعام والشراب للمعزين دون مقابل، في عادة تشبه "المضائف" التي تنتشر في مدن العراق ولبنان وإيران إبان ذكرى عاشوراء وموسم الأربعين.
وعلى مدى عقود، شهدت العلاقة بين العراق وإيران تقلبات كثيرة. فبعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، نشبت حرب بين البلدين استمرت ثماني سنوات، من 1980 إلى 1988. وكانت هذه الحرب في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين .
لكن الأمور تغيرت بعد أن دخلت القوات الأميركية إلى العراق عام 2003. ومنذ ذلك الحين، أصبحت إيران دولة ذات نفوذ قوي في بغداد. وهذا النفوذ يكون عبر سياسيين عراقيين متحالفين معها، وعبر جماعات مسلحة موالية لها.
ولم يكن العراق بمنأى عن تداعيات الحروب في المنطقة. فقد هاجمت جماعات مدعومة من إيران أهدافاً أميركية داخل العراق. وفي بعض الدول المجاورة أيضاً.
ويتزامن تشييع خامنئي في العراق مع تجدد التوتر بين إيران والولايات المتحدة حول مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي كان نقطة خلاف أساسية خلال الحرب الإقليمية الأخيرة.
فقد أعلن الجيش الأميركي شن ضربات على أكثر من 80 هدفاً إيرانياً، رداً على هجمات استهدفت ثلاث سفن في المضيق نسبت إلى طهران. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف عشرات المنشآت العسكرية الأميركية في البحرين والكويت، رداً على الضربات.
المصدر:
يورو نيوز