آخر الأخبار

منذ انتخابات 2003.. 6 أسئلة تشرح شيخوخة البرلمان اليمني

شارك

عدن- كان أدهم فهد في الخامسة من عمره حين توجه اليمنيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب في أبريل/نيسان 2003، واليوم، وقد بلغ 28 عاما، لا يزال ينتظر أول فرصة في حياته للمشاركة في انتخابات برلمانية.

خلال هذه السنوات، أكمل فهد دراسته المدرسية والجامعية، وتخرج في كلية الحقوق، وبدأ العمل في أحد مكاتب المحاماة بمدينة عدن، لكن النواب الذين انتخبوا عندما كان طفلا ما يزالون يحتفظون بمقاعدهم في مجلس لم تتجدد عضويته منذ أكثر من عقدين.

ويقول فهد، وهو ناشط شبابي، للجزيرة نت: "نشأ جيل كامل وبلغ سن الانتخاب من دون أن يشارك في اختيار أعضاء مجلس النواب، ولذلك لا يشعر كثير من الشباب بأن المجلس الحالي يمثلهم".

تكشف قصة فهد مدخلا أوسع لفهم أزمة البرلمان اليمني؛ فالقضية لم تعد مرتبطة بانتخابات مؤجلة فحسب، بل بمؤسسة تشريعية عالقة بين نص دستوري يجيز التمديد في الظروف القاهرة، وواقع سياسي وحربي عطّل التجديد والرقابة والمساءلة.

وتبرز هذه المفارقة مع احتفال العالم، في 30 يونيو/حزيران، باليوم الدولي للعمل البرلماني، الذي يوافق ذكرى تأسيس الاتحاد البرلماني الدولي عام 1889، وأقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018 لإبراز دور البرلمانات في تمثيل المواطنين والتشريع والرقابة.

ومن خلال 6 أسئلة رئيسية، يحاول هذا التقرير تفكيك واقع مجلس النواب اليمني: متى توقفت الانتخابات؟ ولماذا استمر المجلس؟ وكيف أثرت الوفاة والانقسام على بنيته؟ وما الذي بقي من دوره الرقابي؟ وهل تمثل الانتخابات الجزئية مخرجا ممكنا؟ ثم ماذا يعني كل ذلك لجيل بلغ سن الاقتراع من دون أن يختار نوابه؟

مصدر الصورة اليمنيون يتطلعون إلى برلمان فاعل يعبر عن قضاياهم ويراقب أداء الحكومة (الجزيرة)

متى توقفت الانتخابات البرلمانية في اليمن؟

أجريت آخر انتخابات نيابية يمنية في 27 أبريل/نيسان 2003، لاختيار 301 نائب في ثالث اقتراع برلماني بعد الوحدة، ووفق بيانات الاتحاد البرلماني الدولي، شارك فيها 6.1 ملايين ناخب من أصل نحو 8 ملايين مسجل، وتنافس خلالها 1536 مرشحا يمثلون 22 حزبا، إلى جانب المستقلين.

إعلان

وكان يفترض أن تنتهي ولاية المجلس عام 2009، لكن خلافات السلطة والمعارضة بشأن قانون الانتخابات وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات أدت إلى تأجيل الاقتراع عامين، ثم جاءت احتجاجات عام 2011 والمرحلة الانتقالية، قبل أن تغلق سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، والحرب التي أعقبتها، الطريق أمام أي انتخابات جديدة.

ومع تعاقب هذه المحطات، تحولت الانتخابات النيابية التي شهدها اليمن في أعوام 1993 و1997 و2003 إلى ذكرى بعيدة لجيل سابق، وتجربة لم يعرفها ملايين اليمنيين الذين بلغوا سن الاقتراع خلال العقدين الماضيين.

ويرى الناشط السياسي في عدن أكرم البجيري، في حديث للجزيرة نت، أن هذا الانقطاع الطويل خلق فجوة تمثيلية واسعة بين المجلس والمجتمع، مع تراجع صلة كثير من النواب بدوائرهم، وغياب القضايا اليومية للمواطنين عن النقاش البرلماني.

أما أدهم فهد، فيرى أن غياب الانتخابات لم يضعف الصلة بين النواب والناخبين فحسب، بل قلل أيضا من الضغط الشعبي والمحاسبة الدورية، حتى أصبح حضور المجلس لدى كثير من المواطنين مقترنا بالبيانات والمواقف الموسمية أكثر من الجلسات التشريعية والرقابية.

مصدر الصورة أكرم البجيري (يمين) وأدهم فهد (يسار) (الجزيرة)

كيف تحول التمديد الدستوري إلى أزمة سياسية؟

يحدد الدستور اليمني مدة مجلس النواب بست سنوات، ويلزم بالدعوة إلى انتخاب مجلس جديد قبل انتهاء ولايته، لكنه ينص، في الوقت نفسه، على استمرار المجلس إذا تعذر إجراء الانتخابات بسبب ظروف قاهرة، إلى أن تزول تلك الظروف وينتخب مجلس جديد.

ويحدد الدستور صنعاء مقرا للمجلس، مع جواز انعقاده خارج العاصمة عندما يستحيل الاجتماع فيها، وإذا كانت هذه النصوص قد وضعت لمنع الفراغ الدستوري، فإن استمرار الحالة الاستثنائية سنوات طويلة أثار خلافا بشأن الحدود الزمنية والسياسية للتمديد.

ويرى المحامي والخبير القانوني عبد الرحمن برمان أن الظروف القاهرة قد تبرر تأجيل الانتخابات مؤقتا حفاظا على مؤسسات الدولة، لكنها لا تمنح البرلمان تفويضا دائما، ويقول برمان للجزيرة نت: "لا يمكن فهم النص على أنه يمنح المجلس مدة غير محددة، لأن ذلك يتعارض مع دورية الانتخابات وتجديد التفويض الشعبي".

في المقابل، يتمسك عضو مجلس النواب شوقي القاضي بدستورية استمرار المجلس، مستندا في حديثه للجزيرة نت إلى تعذر تنظيم انتخابات حرة وشاملة في ظل الحرب والانقسام السياسي والجغرافي.

وبحسب القاضي، فإن المجلس ما يزال المؤسسة التشريعية المنتخبة والمعترف بها، وقد يؤدي إسقاط شرعيته من دون انتخاب بديل إلى فراغ سياسي ودستوري تستفيد منه جماعة الحوثيين.

لكنه يقر بأن استمرار المجلس بهذه الصورة وسع الفجوة مع الأجيال الجديدة، مما يفرض عليه تطوير أساليب عمله وتواصله مع المواطنين إلى حين تهيئة الظروف لانتخابات جديدة.

مصدر الصورة يمني يفرغ صندوق اقتراع قبل بدء فرز الأصوات خلال الانتخابات البرلمانية في صنعاء يوم 28 أبريل/نيسان 2003 (الفرنسية)

كم مقعدا خسره البرلمان بالوفاة والغياب؟

إلى جانب تقادم التفويض الانتخابي، فقد المجلس عشرات من أعضائه بالوفاة من دون إجراء انتخابات تكميلية لشغل مقاعدهم؛ وأفاد تحليل نشره مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية في أبريل/نيسان 2025 بوفاة 60 نائبا منذ انتخابات عام 2003، أي نحو خمسة أعضاء المجلس، فيما كان أصغر النواب الأحياء يبلغ 47 عاما وقت نشر التحليل.

إعلان

وقدر التحليل أن 132 نائبا كانوا محسوبين على الحكومة المعترف بها دوليا، مقابل 96 نائبا في مناطق سيطرة الحوثيين، في حين بقي 13 عضوا في منطقة سياسية رمادية، وتظل هذه تقديرات بحثية، في غياب قائمة رسمية محدثة ومنشورة توضح عدد الأعضاء الأحياء ومواقعهم.

ويقول القاضي إن النواب المؤيدين للحكومة ما يزالون قادرين على تحقيق النصاب القانوني، موضحا أن بعض الموجودين في مناطق الحوثيين لا يشاركون في جلسات صنعاء، بينما يقيم آخرون خارج البلاد أو ابتعدوا عن الطرفين.

غير أن احتساب النصاب ظل موضع خلاف، إذ يدور الجدل حول ما إذا كان يحسب من إجمالي أعضاء المجلس البالغ 301 نائب، أم من عدد الأعضاء الذين ما تزال عضويتهم قائمة بعد استبعاد المتوفين.

ويرى برمان أن النصاب يجب أن يحتسب استنادا إلى عدد الأعضاء الأحياء الذين ما تزال عضويتهم قائمة، ووفقا للدستور واللائحة الداخلية. ويحذر من أن القرارات الصادرة عن جلسات غير مكتملة النصاب قد تكون عرضة للطعن، خصوصا إذا تعلقت بقوانين عامة أو قضايا تمس مؤسسات الدولة.

مصدر الصورة مدينة عدن تقع في الشرق من باب المندب على بعد حوالي 170 كيلومترا (الجزيرة)

كيف انقسم مجلس النواب بين صنعاء وعدن؟

تعمقت أزمة البرلمان عقب سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، إذ انقسم أعضاؤه بين فريق بقي في العاصمة وآخر انحاز إلى الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

وبحسب القاضي، أغلق الحوثيون مقر المجلس في صنعاء عقب سيطرتهم على المدينة، قبل أن يعاد فتحه لاحقا، بعد أن كان عدد كبير من النواب قد غادر العاصمة أو توقف عن حضور جلساته.

وفي أبريل/نيسان 2019، عقد النواب المؤيدون للحكومة دورة غير اعتيادية في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت، انتخبوا خلالها سلطان البركاني رئيسا للمجلس، ثم أقروا موازنة الدولة لعام 2019.

وظل اكتمال النصاب محل خلاف، إذ ذكر تحليل لمركز صنعاء، نشر عام 2025، أن الجلسة حضرها 141 نائبا وفق أغلب المصادر، في حين أورد تقرير سابق للمركز حضور 118 نائبا فقط، أما مؤيدو الجلسة فاعتبروا أن النصاب تحقق بعد استبعاد النواب الذين توفوا قبل انعقادها.

ويؤكد القاضي أن جلسة سيئون كانت مكتملة النصاب، وأنها أعادت إلى المجلس الموالي للحكومة تمثيله في المؤسسات البرلمانية الإقليمية والدولية.

وفي 19 أبريل/نيسان 2022، اجتمع المجلس في عدن وأدى أمامه رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمين الدستورية، لكنها ظلت جلسة استثنائية ولم تؤسس لانعقاد منتظم.

وحتى 9 يونيو/حزيران 2026، كانت هيئة رئاسة المجلس ورؤساء الكتل البرلمانية ما يزالون يناقشون، عبر اجتماع مرئي، الترتيبات اللازمة لعقد جلسة جديدة، بعد أكثر من أربع سنوات على آخر اجتماع للمجلس في عدن.

مصدر الصورة تؤثر الحياة السياسية على الاقتصاد ومستوى المعيشة في الشارع اليمني (الفرنسية)

ماذا بقي من الدور الرقابي للبرلمان؟

تشمل صلاحيات مجلس النواب سن القوانين، وإقرار السياسة العامة والموازنة والحساب الختامي، ومراقبة السلطة التنفيذية، لكن غياب الجلسات المنتظمة عطل جانبا كبيرا من هذه الوظائف.

وخلال السنوات الماضية، واصلت الحكومات والسلطات المتعاقبة اتخاذ قرارات مالية واقتصادية وإدارية واسعة، من دون دورة رقابية برلمانية مستقرة تناقش الموازنات أو تستجوب المسؤولين.

ويقول القاضي إن النواب يتابعون بعض القضايا بصورة فردية، عبر التواصل مع الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي والجهات المختصة، لكنه يقر بأن هذه المتابعة لا تعوض العمل المؤسسي، ويضيف: "يظل دور المجلس في التشريع والرقابة معطلا ما دامت الجلسات لا تنعقد بانتظام".

ويشير إلى أن لجانا برلمانية واجهت عراقيل عند محاولتها الوصول إلى مؤسسات حكومية والتحقيق في ملفات مالية، معتبرا أن جهات عدة تستفيد من غياب مؤسسة رقابية يصعب التحكم في مواقف أعضائها.

إعلان

ويقول البجيري إن الحرب تفسر تعذر إجراء الانتخابات، لكنها لا تبرر تعطيل البرلمان، مؤكدا أن استمرار المجلس ينبغي أن يقترن باستئناف جلساته وتفعيل رقابته على الحكومة ومناقشة الموازنات والإنفاق العام، إلى حين الوصول إلى تسوية تتيح انتخابات جديدة.

أما برمان، فيرى أن عدم إقرار الموازنات والحسابات الختامية خلال السنوات الماضية أضعف الشفافية والرقابة على المال العام، وعطل إحدى أهم أدوات مكافحة الفساد ومساءلة السلطة التنفيذية.

مركبات عديدة تنتظر كمية وقود محدودة في العاصمة صنعاء (الصحافة اليمنية)

هل تصلح الانتخابات الجزئية لإنقاذ المجلس؟

مع استمرار الحرب والانقسام، تطرح الانتخابات التكميلية في مناطق الحكومة بوصفها خيارا لشغل مقاعد النواب المتوفين وإدخال أعضاء جدد إلى المجلس.

لكن هذا الخيار يواجه عقبات كبيرة، من بينها وقوع عدد من الدوائر الشاغرة في مناطق الحوثيين، والنزوح الواسع الذي غير التركيبة السكانية في محافظات مثل مأرب وتعز ولحج.

ويرى برمان أن الانتخابات الجزئية قد تكون ممكنة من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى ضمانات قانونية وأمنية وإدارية، وإلى توافق وطني يمنع استخدامها في تعميق الانقسام.

كما أن الاعتماد على سجلات ودوائر انتخابية تعود إلى أكثر من عقدين يثير أسئلة بشأن مكان اقتراع النازحين، وعدالة التمثيل، ونزاهة العملية الانتخابية.

أما القاضي، فيرى أن الأولوية تتمثل في توفير مقر آمن وتجهيزات إدارية للمجلس في عدن، واستئناف جلساته وتفعيل لجانه، قبل الانتقال إلى انتخابات عامة بعد استقرار الأوضاع.

رجل يمني يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع بصنعاء يوم 27 أبريل/نيسان 2003 (الفرنسية)

ماذا يعني البرلمان الحالي لجيل لم ينتخب نوابه؟

بعد 23 عاما من آخر انتخابات برلمانية، لم تعد أزمة البرلمان اليمني مجرد خلاف حول دستورية التمديد، بل أصبحت أزمة تمثيل ووظيفة معا.

فقد بلغ ملايين اليمنيين سن الاقتراع من دون أن يختاروا نوابهم، وتوفي نحو خمسة أعضاء المجلس، وانقسم الباقون بين سلطتين ومناطق متعددة، فيما تراجعت قدرة المؤسسة التشريعية على الاجتماع ومراقبة الحكومة.

ويرى برمان أن استعادة الشرعية البرلمانية تحتاج إلى اتفاق وطني يهيئ لانتخابات عامة حرة وشفافة، في حين يختصر البجيري القضية بالقول إن اليمن "لا يحتاج إلى برلمان يحتفظ باسمه فقط، بل إلى مؤسسة حاضرة تشرع وتراقب وتحاسب".

وبين مجلس ما يزال عالقا في نتائج انتخابات عام 2003، وجيل ينتظر أول صندوق اقتراع برلماني في حياته، يبدو البرلمان اليمني في اليوم الدولي للبرلمان مرآة لأزمة الدولة أكثر من كونه مؤسسة قادرة على مراقبتها ومعالجة اختلالاتها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا