آخر الأخبار

اختبارات في المقاهي.. قصص من غزة عشية امتحان الثانوية العامة

شارك

غزة – رغم أن غدا السبت هو أول أيام امتحانات الثانوية العامة في فلسطين، إلا أن الطالبة سوار محمد لم تحصل على "رقم الجلوس" الخاص بالامتحان ولا عنوان قاعة الاختبارات التي ستلتحق بها.

ستتوجه سوار في الصباح إلى "مكان عام" لم تحدده بعد، ستخرج متوترة، تبحث بين المقاهي الموجودة عن أفضلها من ناحية الجودة وثبات موجات الإنترنت الخاصة بها، وكذلك توفر الكهرباء.

سوار، الطالبة النازحة هُدم منزلها في مدينة غزة وتعيش اليوم داخل خيمة في دير البلح، وتلخص حالتها مأساة جيل كامل في قطاع غزة يتقدم -للعام الثالث على التوالي- للامتحانات عبر نظام إلكتروني عن بعد من دون قاعات مخصصة أو رعاية مؤسسية، حيث يتوجب على كل طالب أن يتدبر أمره بنفسه.

مصدر الصورة سوار محمد تعيش حالة ترقب وتوتر عشية اختبارات إلكترونية بلا قاعات مخصصة (الجزيرة)

3 أعوام بلا تعليم

وتأتي هذه الامتحانات الاستثنائية بعد 3 أعوام كاملة لم يدخل فيها هؤلاء الطلبة أي مدرسة نظامية، بل اعتمدوا على التعليم بجهود ذاتية.

تتحدث سوار -للجزيرة نت- بنبرة يملؤها التوتر والإرهاق النفسي عن رحلتها المرتقبة طوال أسبوع ونيف من الاختبارات، وهي فترة زمنية قصيرة لكنها محملة بمخاوف ثقيلة من حدوث أي "مطبات" أو عوائق تقنية مفاجئة قد تطيح بجهدها؛ كأن تنقطع شبكة الإنترنت أو ينقطع التيار الكهربائي فجأة.

ولا تتوقف معاناتها عند حدود تأمين قاعة الامتحان الافتراضية، بل تمتد لتفاصيل حياتها اليومية والمذاكرة داخل الخيمة؛ فالأجواء المحيطة لا تمنحها أي استقرار نفسي في ظل غياب الهدوء واستمرار القصف والتحليق المكثف ل لطائرات المسيرة "الزنانات" التي تلازم السماء وتضع الأعصاب في حالة توتر دائم على مدار 24 ساعة.

وتزداد المعاناة عمقا داخل خيمتها التي لا تعزل صوتا؛ حيث يتداخل ضجيج الجيران وازدحام أفراد العائلة في مساحة ضيقة مع الطنين المستمر والمزعج للطائرات المسيرة؛ مما يحرمها تماما من وجود زاوية مخصصة للمذاكرة أو أي هامش من الخصوصية التي يحتاجها أي طالب في هذه المرحلة المصيرية من حياته.

مصدر الصورة مقاعد دراسة في خيمة استعدادا لامتحانات التوجيهي (الجزيرة)

الهاتف.. المدرسة

وتتعمق فداحة المعاناة حين تلتفت سوار إلى الفجوة التعليمية الهائلة التي خلّفتها سنوات النزوح الثلاث؛ إذ لم تطأ قدماها هي وجيلها أعتاب أي مدرسة نظامية طوال المرحلة الثانوية بأكملها (الصفوف 10 و11 و12).

إعلان

وأمام هذا الانقطاع الشامل، لم يكن أمام الفتاة التي عُرفت بتفوقها الأكاديمي قبل الحرب سوى خوض معركة "التعليم الذاتي" مدفوعة بإرادتها وحدها.

وفي هذا الواقع الاستثنائي، تحوّل الهاتف الجوال إلى المدرسة والدرج والمكتبة؛ فلا وجود هنا للكتب الورقية ولا للدفاتر أو الأقلام، بل مجرد ملفات بصيغة "بي دي إف" (PDF) مكدسة على شاشة صغيرة ينهكها البحث المستمر عن وسيلة للشحن وإشارة إنترنت في مقاهٍ بعيدة.

مصدر الصورة الطالبة تالا عفانة في مقر إقامتها المؤقت ببلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، حيث تستعد لأداء امتحانات الثانوية (الجزيرة)

أحلام تحت النار

وعلى مقربة من خطوط التماس، تعيش الطالبة تالا عفانة معركة من نوع آخر؛ فالسكون الذي يحتاجه أي طالب ثانوية عامة للاستذكار يبدو ترفا مستحيلا في مقر نزوحها الحالي ببلدة الزوايدة المتاخمة ل شارع صلاح الدين.

وطوال شهر كامل، لم تتمكن تالا من دراسة كلمة واحدة خلال ساعات الليل حسب قولها للجزيرة نت؛ فأصوات إطلاق النار والانفجارات في المنطقة الشرقية المحاذية لمقر إقامتها تحولت إلى واقع يومي مرعب يدمر أي قدرة على التركيز.

وما يضاعف هذه المعاناة هو الطنين اللامتناهي والمزعج للزنانات (الطائرات المسيرة) التي تحلق بارتفاعات منخفضة تبدو وكأنها فوق سقف بيتها تماما.

هذا الحرمان الليلي يمثل حلقة واحدة من سلسلة ويلات تجرعتها تالا منذ بداية الحرب؛ فقد سلبها العدوان منزل عائلتها في شمال القطاع، وفجعها استشهاد والدها في الأسابيع الأولى من الحرب إثر قصف استهدف متجرا كان يوجد فيه.

ورغم قسوة الفقد والانقطاع الشامل عن المدارس النظامية لـ3 أعوام متتالية، إلا أن تفوق تالا القديم -حيث كانت معدلاتها لا تقل عن 98% قبل الحرب- فجّر داخلها عزيمة استثنائية.

ومع دخولها مرحلة الثانوية العامة وضعت نصب عينيها هدفا كبيرا: أن تكون من أوائل الطلبة على قطاع غزة، وهو طموح دفعت ثمنه من كدّها وصحتها؛ حيث كانت تضطر للمشي نحو 6 كيلومترات يوميا للوصول إلى مركز تعليمي وسط القطاع.

مصدر الصورة طالب الثانوية العامة عبد الله نور يستعد للتقدم للامتحانات الإلكترونية عبر الهاتف (الجزيرة)

قلق مختلف

ولا يختلف حال الطالب عبد الله نور عن زميلتيه؛ إذ يرافقه شعور عارم بالرهبة والتوتر الشديد مع اقتراب الساعات الحاسمة لانطلاق الامتحانات.

هذا التوتر لا ينبع من رهبة المادة العلمية فحسب، بل من قلق مستمر ينهش تفكيره خوفا من أي عائق تقني مفاجئ؛ ففكرة أن تفصل الإنترنت أو تنقطع الكهرباء في منتصف الاختبار الإلكتروني غدا تضعه في حالة استنفار نفسي دائم.

وحتى اللحظات الأخيرة، لا يزال عبد الله حائرا ولا يعرف أين سيقدم امتحاناته بالضبط؛ هل سيكون ذلك في المنزل أم سيتعين عليه الخروج والبحث عن "مقهى" يوفر نقطة إنترنت قوية ومستقرة لا تقطع إشارتها.

عبد الله، النازح مع عائلته في بيت جده بحي تل الهوى بعد أن دمر الاحتلال منزلهم بالكامل في حي الشجاعية، يواجه -كما قال للجزيرة نت- هذه المعركة التعليمية بجهد شخصي ومالي بحت.

فبينما غابت المدارس والدعم المؤسسي طوال 3 أعوام مضت، اضطر لطباعة الرزم التعليمية على نفقته الخاصة، والاعتماد على الهاتف النقال والالتحاق بمركز تعليمي لتعويض ما فاته. وقد فرضت أزمة الكهرباء الخانقة ظلالها الثقيلة على جدول مذاكرته؛ إذ كان انقطاع التيار الكهربائي المبكر عند الساعة التاسعة أو العاشرة ليلا يحرمه من المذاكرة.

إعلان

يستذكر عبد الله بمرارة وغصة قلب رفاق مقاعد الدراسة الذين ارتقوا شهداء، وفي مقدمتهم ابن عمه وصديقه المقرب عمر نور الذي كان طالبا متفوقا بمعدل 98% ويطمح لدراسة الطب، لكنه استشهد في 11 يناير/كانون الثاني 2025 بينما كان يدرس عبر جواله ويستعد لمرحلة الثانوية العامة، لتبقى ذكراه دافعا لعبد الله وشاهدا على أحلام جيل كامل اغتيلت تحت الركام.

مصدر الصورة مقهى في غزة يستعد لامتحانات الثانوية العامة (الجزيرة)

مستقبل مؤجل

على النقيض من سابقيه، حسم الطالب حمزة أبو بيض أمره مبكرا وقرر عدم التقدم للامتحانات كونه غير جاهز لها على الإطلاق.

فعلى مدار 3 أعوام كاملة، انقطع حمزة تماما عن المسيرة التعليمية؛ فلم تطأ قدماه مدرسة، ولم يسجل في مركز تعويضي، ولا حتى اتسعت ظروفه لمذاكرة ذاتية مستقلة، مما جعل الشاب الذي كان متفوقا قبل الحرب يشعر بأن مستقبله بات بالكامل على المحك.

وبنبرة يسكنها القهر، يشكو حمزة -في حديثه للجزيرة نت- من حجم الظلم الذي يقع عليه وعلى جيله؛ فقد استبدل مقاعد الدراسة طوال الأعوام الـ3 الماضية بأعمال معيشية شاقة فرضتها تفاصيل النزوح والبقاء؛ فبات يقضي جلّ وقته منذ الصباح الباكر في نقل وتعبئة المياه، وجمع وجلب الحطب، وإشعال النار لتأمين قوت عائلته، وهي مهام يومية تستنزف الوقت والجهد وتجعل المذاكرة مستحيلة حتى لو توفرت الكتب.

ولم تقتصر أعباؤه على المهام المنزلية، بل خاض الشاب تجربة العمل الشاق لفترة طويلة داخل أحد المخابز تحت وطأة ظروف الحرب.

أرقام واستعدادات

وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية استكمال استعداداتها لعقد امتحانات الثانوية العامة، مؤكدة أنها ستعقد إلكترونيا بالكامل لطلبة قطاع غزة، فيما ستجرى لطلبة الضفة الغربية بالطريقة الوجاهية المعتادة.

وقال الناطق باسم الوزارة صادق الخضور في تصريحات صحفية نشرتها وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا"، إن عدد المتقدمين للامتحانات يقدر هذا العام بنحو 91 ألفاً، بينهم نحو 51 ألفاً و500 في الضفة الغربية وقرابة 37 ألفاً و700 في قطاع غزة، وأقل من 2000 طالب وطالبة في الخارج، فيما حُرم 65 طالباً من التقدم للامتحانات بسبب اعتقالهم في السجون الإسرائيلية.

وأوضح الخضور أن امتحانات الضفة ستعقد داخل القاعات الدراسية حتى 8 يوليو/تموز المقبل، مشيرا إلى استكمال تجهيز القاعات وتوفير معلمين مختصين في التكنولوجيا داخل كل قاعة لمساعدة الطلبة ومعالجة أي مشكلات فنية قد تطرأ أثناء الامتحانات.

وفيما يتعلق بقطاع غزة، بين الخضور أن الامتحانات ستعقد إلكترونيا بالكامل خلال الفترة من 20 إلى 29 يونيو/حزيران الجاري، كما جرى خلال العامين الماضيين، نظرا لتعذر عقدها وجاهيا.

وأكد أن الوزارة نفذت اختبارا تجريبيا ومحاكاة للامتحانات الإلكترونية الخاصة بطلبة غزة، حيث نجحت العملية بشكل عام، وتمت معالجة جميع المشكلات الفنية التي ظهرت خلال التجربة.

مقاعد غائبة

وتأتي امتحانات الثانوية العامة هذا العام في ظل الخسائر البشرية غير المسبوقة التي تكبدها قطاع التعليم الفلسطيني خلال الحرب.

فبحسب أحدث معطيات وزارة التربية والتعليم العالي أصدرتها في 9 يونيو/حزيران الجاري، ارتفعت حصيلة الشهداء في قطاع التعليم إلى 21 ألفاً و701 من الطلبة والكوادر التعليمية في قطاع غزة والضفة الغربية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 20 ألفاً و647 طالباً وطالبة، إلى جانب تدمير مئات المدارس والمؤسسات التعليمية.

وفيما لم توضح الوزارة عدد طلبة الثانوية العامة الذين استشهدوا منذ بدء الحرب، كان وزير التربية والتعليم العالي آنذاك أمجد برهم قد أعلن في يونيو/حزيران 2024 أن نحو 4 آلاف طالب ثانوية عامة في قطاع غزة استشهدوا خلال الحرب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا