آخر الأخبار

مدينة صور.. الحرب تعيد رسم المشهد خلال دقائق من إنذار الإخلاء الإسرائيلي

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

صور- بعد مرور مئة يوم على الحرب، تبدو مدينة صور جنوب لبنان وكأنها دخلت مرحلة من الإرهاق الطويل بعد أن تعلمت العيش بين الإنذارات المتقطعة والقلق الذي لا يغادر تفاصيل يومها، والذاكرة المثقلة بصور النزوح المتكرر.

خلال هذه الأشهر، تغيرت إيقاعات الحياة تدريجياً في المدينة؛ فالأسواق التي كانت تعج بالباعة والمشترين خفتت شيئاً فشيئاً، والأحياء التي كانت تضج بالحركة باتت أكثر صمتاً، فيما تحول الانتظار إلى جزء ثابت من يوميات السكان.

في هذا السياق الثقيل، جاء إنذار الجيش الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، بإخلاء المدينة وأحياء واسعة منها والمخيمات المحيطة، ليعيد خلط كل شيء من جديد.

لم يكن الإنذار مجرد رسالة عابرة في هاتف أو بيان يقرأ على عجل، بل لحظة قلبت المشهد في المدينة خلال دقائق، ودفعت السكان إلى مواجهة السؤال نفسه الذي يتكرر مع كل تصعيد: إلى أين يذهبون هذه المرة؟.

ترقب وقلق جماعي

ما إن انتشر التحذير حتى بدأت ملامح المدينة تتبدل بسرعة؛ في الشوارع الرئيسية داخل صور، خفت الحركة تدريجياً، وبدت الوجوه مشدودة نحو الهواتف وشاشات الأخبار، في محاولة لفهم ما الذي ينتظرهم. أما أصحاب المحال التجارية فترددوا بين الإغلاق السريع أو الاستمرار لساعات إضافية، وكأن التمسك بالوقت محاولة أخيرة لتأجيل ما هو قادم.

في سوق المدينة، أغلقت بعض المحال على عجل، بينما بقيت أخرى مفتوحة بشكل جزئي، أصحابها يراقبون الشارع أكثر مما يراقبون الزبائن. وفي الأزقة القريبة، كانت أحاديث الإخلاء أعلى من أي صوت آخر؛ قلق يتنقل بين الناس، ويترك أثراً واضحاً على الوجوه التي بدت مرهقة من كثرة التحذيرات.

مصدر الصورة آثار غارة إسرائيلية قرب الموقع الأثري لميدان سباق الخيل الروماني في مدينة صور جنوب لبنان (الفرنسية)

أسئلة صعبة

على الطرق المؤدية إلى خارج المدينة، بدأ مشهد مختلف يتشكل بسرعة: سيارات محملة بما تيسر من أمتعة؛ حقائب صغيرة، ووثائق، وأغراض أساسية جُمعت على عجل. وعائلات كاملة غادرت منازلها بحثاً عن أماكن أكثر أماناً، بعضهم اتجه إلى منازل أقارب، وآخرون إلى مدارس تحولت إلى مراكز إيواء مؤقتة في مدينة صيدا، فيما اختار آخرون بلدات أبعد عن دائرة التهديد.

إعلان

داخل سيارة متوقفة على جانب الطريق، كانت أم محمد تحاول تهدئة طفليها اللذين يطرحان أسئلة متلاحقة لا تجد لها إجابة. تقول للجزيرة نت إن أصعب ما في اللحظة ليس مغادرة المنزل بحد ذاته، بل عدم معرفة إن كانت العودة ممكنة.

وتضيف أن العائلة عاشت أياماً طويلة من التوتر خلال الأشهر الماضية، لكن الإنذار الأخير جعل قرار الرحيل حتمياً، رغم قسوته.

لكن، لم يغادر الجميع. فأمام منزله في أحد أحياء المدينة، كان أبو مصطفى -رجل مسن- يقف متأملاً الشارع الذي عاش فيه عقوداً، يقول للجزيرة نت إنه شهد حروباً سابقة ومر بتجارب مشابهة لكن مغادرة البيت تظل قراراً ثقيلاً لا يُتخذ بسهولة، خصوصاً مع تقدم العمر وارتباط الإنسان بمكانه وذكرياته.

وبين البقاء والمغادرة، يبدو الرجل وكأنه يوازن بين خوفين، لا أحد منهما أقل وطأة من الآخر.

فقدان الرزق

ولا تتوقف تداعيات الإنذار عند حدود الخوف على الحياة فقط بل تمتد إلى تفاصيل العيش اليومي. بالنسبة لكثيرين، يعني الإخلاء فقدان مصدر الرزق أيضاً. فأصحاب المتاجر الصغيرة، من العمال، والصيادون، وسائقو سيارات الأجرة، جميعهم وجدوا أنفسهم أمام خسائر إضافية تتراكم فوق واقع اقتصادي صعب أصلاً.

يقول أبو سليم، وهو سائق سيارة أجرة في صور، للجزيرة نت إن يومه تبدل بالكامل منذ لحظة صدور الإنذار. منذ الصباح، وهو ينقل العائلات إلى مناطق أكثر أمناً، في حركة لا تهدأ.

ويضيف "الناس خائفة، وكل واحد عم يدور على مكان يروح عليه، في عائلات ما كانت تتوقع إنها تترك بيتها بهالسرعة وخاصة في الحارة المسيحية".

يتوقف قليلاً قبل أن يضيف "أصعب شي لما تشوف الأطفال يسألوا أهلهم وين رايحين ومتى راجعين، وما حدا عنده جواب، كل مرة منمرق فيها بهالتجربة، الوجع نفسه بيرجع".

ومع تزايد حركة المغادرة، تبدو المدينة وكأنها تعيش ساعات معلقة بين مكانين: بيوت تُغلق على عجل، وشوارع أقل ازدحاماً، ومحال تُطفأ أضواؤها واحداً تلو الآخر. خلف هذا المشهد، يحمل الناس معهم ما استطاعوا حمله فقط؛ بعض الأغراض، وبعض الذكريات، وكثيراً من القلق.

في لحظة كهذه، لا يبدو السؤال مجرد فضول عابر بل هاجساً جماعياً يرافق الجميع: متى تنتهي هذه الدائرة، ويعود سكان صور إلى بيوتهم وحياتهم التي علقتها الحرب على حافة الانتظار؟.

الحرب بالأرقام

في ظل الحرب المستمرة على لبنان، تبرز منطقة جنوب الليطاني كإحدى أكثر المناطق تأثراً بالتصعيد، إذ تضم 178 بلدة ويقطنها نحو 566 ألفاً، ما يعادل قرابة 9.4% من سكان لبنان، بحسب أرقام الدولية للمعلومات.

وتعكس هذه المعطيات حجم الكتلة السكانية التي تتأثر مباشرة بتداعيات الحرب، من نزوح واعتداءات متكررة وضغط متزايد على البنية الاجتماعية والاقتصادية في الجنوب.

تقع 52 بلدة ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، ويعيش فيها أكثر من 236 ألفا، بينما ظل نحو 566 ألفاً في منطقة جنوب الليطاني، ويشكّل سكان جنوب الليطاني نحو 9.4% من سكان لبنان؛ أضرار وعمليات تهجير واسعة طالت عشرات البلدات الجنوبية.

وفي قضاء صور وحده، يبلغ عدد السكان نحو 243 ألفا، فيما تسجّل المدينة نحو 97 ألفا.

مصدر الصورة أضرار جسيمة طالت المباني السكنية في مدينة صور جراء الغارات الإسرائيلية (الجزيرة)

خسائر طائلة

وقدرت شركة "الدولية للمعلومات" أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب في لبنان تجاوزت 21 ملياراً من الدولارات حتى نهاية مايو/أيار 2026، بينها نحو 4.6 مليارات دولار خسائر مباشرة، في ظل تدمير قرابة 27 ألفاً من الوحدات السكنية، وتضرر واسع طال البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.

إعلان

وفي حصيلة ميدانية متصلة، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة أنّ إجمالي ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ 2 مارس/آذار وحتى 9 يونيو/حزيران ارتفع إلى 3666 شهيداً و11321 جريحاً.

وأشار المركز إلى أنّ القطاع الصحي دفع بدوره ثمناً مباشراً، إذ بلغ عدد شهدائه من فرق الإسعاف والطواقم الطبية والتمريضية 131، فيما سُجلت 392 إصابة في صفوفهم. كما تضرر 17 مستشفى، وأُجبرت 3 مستشفيات على الإقفال نتيجة الاعتداءات والتهديدات المتكررة.

وفي موازاة ذلك، تواصلت تقديرات الأضرار الناتجة عن الفترة الأولى من الحرب، والتي يُشرف عليها المجلس الوطني للبحوث العلمية بالتعاون مع البنك الدولي و منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وتشير هذه التقديرات إلى خسائر قطاعية واسعة، أبرزها نحو 1.5 مليار دولار في قطاع الإسكان، و500 مليون دولار في الإنتاج الزراعي، إضافة إلى 100 مليون دولار في القطاع الصحي، و30 مليون دولار في التعليم، و41 مليون دولار كأضرار مباشرة في الأصول الزراعية.

وامتدت تداعيات الحرب إلى البنية التحتية والخدمات العامة، مع تسجيل نحو 100 مليون دولار خسائر في قطاع النقل، و43 مليون دولار في قطاع المياه، و100 مليون دولار في قطاع الطاقة، إلى جانب احتراق نحو 2000 هكتار من الغابات، وتفاقم التلوث البيئي، وتراكم ملايين الأمتار المكعبة من الركام والأنقاض.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان أمريكا اكسيوس إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا