آخر الأخبار

4 ملايين شجرة دمرها الاحتلال.. كواليس "هندسة الجوع" والتبعية في غزة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يكشف الدمار الواسع الذي لحق بالأراضي الزراعية والأشجار المثمرة في غزة عن أبعاد تتجاوز الخسائر المادية، إذ يرى خبراء أن استهداف الاحتلال مقومات الإنتاج الغذائي يندرج ضمن مسار يكرّس الجوع ويعمّق التبعية للمساعدات.

ورصد تقرير أعده مراسل الجزيرة غازي العلول من مدينة غزة جانبا من التحولات التي أصابت القطاع الزراعي، من خلال قصة المزارع أبو فارس الذي يستعيد عبر صور محفوظة في هاتفه مشاهد أرضه قبل الحرب، حين كانت منطقة الشيخ عجلين تشتهر بكروم العنب وأشجار التين والمحاصيل الموسمية.

ويقول أبو فارس إن المنطقة كانت وجهة للغزيين بفضل وفرة إنتاجها الزراعي، غير أن عمليات التجريف الواسعة حولتها إلى أرض قاحلة بعدما كانت مصدرا للرزق والغذاء لآلاف العائلات، ويؤكد أن الأرض التي كانت تنتج أصنافا متعددة من الخضراوات والفاكهة فقدت معظم مقوماتها الزراعية.

ولا تبدو قصة أبو فارس استثناء، إذ يواصل مزارعون آخرون محاولات إعادة إحياء أراضٍ تضررت بشدة خلال الحرب، فبالنسبة لكثيرين منهم، لم تعد الزراعة مجرد مصدر دخل، بل شكلا من أشكال التمسك بالأرض ومقاومة آثار الدمار.

وفي هذا السياق، يوضح المزارع أبو محمد، في حديثه للجزيرة، أن الأراضي التي اشتهرت لعقود بأشجار العنب والتين فقدت قدرتها الإنتاجية بعد عمليات التجريف، مشيرا إلى أن المزارعين يواجهون صعوبات كبيرة في توفير المياه ونقلها، لكنهم يواصلون العمل أملا في استعادة الأشجار والمحاصيل التي اشتهرت بها المنطقة.

حصار وتجريف متواصل

وتتزامن هذه الجهود مع أزمة حادة في مستلزمات الإنتاج الزراعي، إذ يعاني القطاع من نقص الأسمدة والبذور والمبيدات وتباطؤ دخول المعدات، وهو ما أسهم في تراجع الإنتاج الزراعي بصورة كبيرة، وفق معطيات وزارة الزراعة في غزة.

ووفق بيانات رسمية، تراجعت المساحات المزروعة إلى أقل من 15% من قدرتها الإنتاجية المعتادة، نتيجة نقص المدخلات الزراعية وتدمير مصادر المياه الصالحة للري والمخاطر الأمنية التي تواجه المزارعين، فضلا عن الاستهداف المباشر أثناء العمل في الحقول.

إعلان

وعلى مدى سنوات الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ عام 2007، واجه المزارعون قيودا متكررة على الوصول إلى الأراضي القريبة من السياج الفاصل، والتي شكّلت تاريخيا جزءا مهما من السلة الغذائية للقطاع، قبل أن تتفاقم الأضرار خلال الحرب الحالية بفعل التجريف وتدمير البنية الزراعية.

وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن إسرائيل دمّرت أكثر من 94% من الأراضي الزراعية البالغة مساحتها نحو 178 ألف دونم، ما أدى إلى انهيار الإنتاج الزراعي من 405 آلاف طن سنويا إلى نحو 28 ألف طن فقط.

كما تؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن المساحات المتاحة للزراعة انخفضت إلى أقل من 5% بعد الحرب، بينما أصبحت معظم الأراضي الزراعية مدمرة أو يتعذر الوصول إليها، وفق ما أعلنته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا) في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

استهداف منظومة الغذاء

وفي قراءة لأبعاد هذه الخسائر، يقول الدكتور فاضل الزعبي خبير الأمن الغذائي والمستشار الإقليمي للسياسات في منظمة "الفاو" إن ما جرى "ليس ضررا جانبيا"، بل استهداف مباشر لمنظومة الغذاء بأكملها فيقطاع غزة.

ويستند الزعبي إلى بيانات موثقة من "الفاو" ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، تفيد بتضرر 87% من الأراضي الزراعية و87% من الآبار الزراعية و80% من البيوت المحمية، مشيرا إلى أن قطاعا كان يوفر سبل العيش لنحو 560 ألف شخص أصبح عاجزا إلى حد كبير عن الإنتاج.

ويضيف أن نمط الدمار يكشف استهدافا ممنهجا شمل الآبار وشبكات الري ومخازن الحصاد والثروة الحيوانية والأشجار المعمرة، موضحا أن نحو 3.8 ملايين شجرة مثمرة دُمّرت، بينها نحو 1.6 مليون شجرة زيتون تحتاج إلى عقود طويلة لاستعادة إنتاجيتها.

ويرى الزعبي أن تدمير هذه المقومات لا يقتصر أثره على خسائر اقتصادية مباشرة، بل يؤدي إلى "تجفيف مقومات البقاء" ودفع السكان نحو الاعتماد المتزايد على المساعدات الغذائية، في ما يصفه بصناعة التبعية الغذائية عبر إضعاف القدرة المحلية على الإنتاج.

وفي موازاة ذلك، تواجه جهود التعافي الزراعي عقبة التمويل، فبحسب الخبير، أطلقت "الفاو" نداء عاجلا لتوفير 75 مليون دولار لدعم المزارعين بالبذور والأعلاف ومعدات الري ومدخلات الإنتاج الأساسية، غير أن التمويل المتحقق لم يتجاوز 10% من هذا المبلغ حتى الآن.

ويعزو الزعبي هذا العجز جزئيا إلى تراجع أولويات المانحين الدوليين في ظل أزمات عالمية متلاحقة، الأمر الذي انعكس على حجم الموارد المخصصة لدعم القطاع الزراعي في غزة، رغم اتساع فجوة الاحتياجات الإنسانية والغذائية.

ومع استمرار القيود ونقص التمويل واتساع رقعة الدمار، يواصل مزارعو غزة محاولاتهم إحياء ما تبقى من أراضيهم، وبين حقول فقدت أشجارها وآبار خرجت من الخدمة، يبقى الرهان قائما على استعادة جزء من القدرة الإنتاجية التي شكّلت لعقود إحدى ركائز الأمن الغذائي في القطاع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا