تشير القراءات التحليلية الصادرة عن كبار المحللين والمسؤولين الإسرائيليين في 25 مايو/أيار 2026 إلى أن إسرائيل تعيش أزمة خيارات حقيقية في جبهتها الشمالية، فما يسمى "اتفاق وقف إطلاق النار" تحول عمليا إلى حرب استنزاف يومية ومميتة.
وفي مقال تحليلي بصحيفة "يديعوت أحرونوت" يصف المحلل السياسي البارز ناحوم برنيع، وهو من أهم الصحفيين الإستراتيجيين في إسرائيل، هذا الواقع بأنه فشل متراكم.
ويقول برنيع معلقا على تآكل الردع: "بقدر ما كان الغضب عظيما، وبقدر ما كان الزئير عظيما، ستكون الهزيمة فادحة… بدون خطة بديلة، نغرق في حرب أبدية على ثلاث، وربما أربع جبهات، نسيطر على أراضٍ ليست لنا، بجنود لا نملكهم، في حرب دموية، ضد أعداء لا نعرف كيف نردعهم".
هذا الاعتراف يعكس عمق الأزمة الإستراتيجية؛ حيث عجزت الآلة العسكرية عن تحقيق حسم حقيقي، وبات التهديد بالانزلاق نحو مواجهة شاملة مدفوعا بانسداد الأفق السياسي والعسكري، وسط غياب رؤية واضحة للخروج من "الفخ" ومواجهة جبهات متعددة في آن واحد.
ميدانيا، فرض حزب الله معادلة ردع نوعية عبر الاستخدام المكثف لسلاح الطائرات المسيّرة الانقضاضية، مما أحدث تحولا عميقا في تكتيكات المعركة.
وفي تقرير للمراسل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أليشع بن كيمون نشر في 25 مايو/أيار، يوضح كيف تحول هذا التهديد من مجرد إزعاج تكتيكي إلى خطر وجودي يربك تحركات القوات في عمق الجنوب اللبناني وعلى الحدود: "إذا كان يُنظر إلى تهديد الطائرات المسيّرة في الماضي من قِبل القوات المقاتلة على أنه تهديد تكتيكي، فإن تسلسل الأحداث وإدراك أن هذا التهديد يُحدث تغييرات في أنشطة القوات، يعني أنه أصبح تهديدا إستراتيجيا… يومًا بعد يوم، يحسن حزب الله استخدام الطائرات المسيّرة المتفجرة، ويخوض معركة شرسة مع قوات الجيش".
مضيفا: "وقد أدى هذا السلاح الجوي إلى إبطاء عمليات التطهير والهندسة الإسرائيلية، وتحولت القوات الآلية إلى أهداف سهلة".
وفي السياق ذاته، نقل المحلل السياسي يارون أبراهام عبر "القناة 12" الإسرائيلية في 25 مايو/أيار، اعترافا صارخا من مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى مشارك في المشاورات الأمنية المحدودة، وصف فيه العجز أمام هذه المسيرات بقوله: "نحن الآن عاجزون أمام واقع مميت، أشبه بلعبة روليت حقيقية… الحقيقة هي أن أيدينا مكبلة، وهذا الوضع يجب أن يتغير الآن".
وتشكل الخلافات العميقة بين المستويين العسكري والسياسي وقودا إضافيا لفرص تدحرج المواجهة الشاملة. فالجيش يشعر بـ "تكبيل اليدين" ويريد توسيع العمليات وقصف بيروت لترميم الردع، بينما تتردد القيادة السياسية بقيادة نتنياهو خوفاً من التبعات وتنتظر التنسيق الكامل مع واشنطن.
ويكتب المحلل العسكري لصحيفة "إسرائيل هيوم"، يواف ليمور، وهو خبير بارز في الشؤون الأمنية، منتقداً هذا الشلل القيادي والتهرب من المسؤولية: "يُصرّح الجيش الإسرائيلي منذ أسابيع بأن الوضع في لبنان لا يُطاق ومستحيل… وأنه لا سبيل، ولن يكون، لخوض حرب وأيدينا مكبّلة: إما أن نقاتل أو لا نقاتل، وما يفعله الجيش الإسرائيلي الآن هو في جوهره عدم القيام بأي شيء، حين يُجبر على التصرّف بما يُخالف جميع مبادئ الحرب".
هذا التباين يمتد إلى داخل جلسات المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت)، حيث باتت المقترحات العسكرية توصف بالارتجال.
وبحسب تقرير يارون أبراهام في القناة 12، فإن رئيس الأركان إيال زامير طالب صراحة بوقف "العمل بالملقط"، في حين شهدت الجلسات مشادات وسخرية متبادلة بين نتنياهو ووزير ماليته بتسلئيل سموتريتش حول جدوى تدمير مبانٍ في بيروت كإجراء انتقامي دون خطة إستراتيجية شاملة.
على الجانب الآخر، يبرز الموقف الأمريكي كعامل حاسم في دفع إسرائيل نحو التصعيد أو كبحها. وتظهر التقارير الأخيرة تحولاً جذرياً في نبرة واشنطن مع صعود إدارة ترامب وإمساك الصقور بمفاصل القرار.
ونقل الصحفي باراك رافيد عبر "القناة 12" في 25 مايو/أيار تصريحات لمسؤول أمريكي رفيع المستوى تمنح تل أبيب غطاء كاملا لتوسيع رقعة الحرب: "تجاهل حزب الله طلبات متكررة لوقف إطلاق النار على إسرائيل، بما في ذلك إنذار نهائي صدر مؤخراً، ولن يطلب من إسرائيل أبدا أن تتحمل الهجمات على قواتها ومواطنيها دون أن تحرك ساكنا. هذه ليست إدارة بايدن".
هذا التغيير في التوجهات الأمريكية أكده أيضا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بحسب ما أورد المراسل العسكري في صحيفة هآرتس، يانيف كوبوفيتش، في 25 مايو/أيار حيث شدد روبيو على "حق إسرائيل الكامل في الرد".
هذا الدعم السياسي المفتوح والتماشي مع رغبة واشنطن في تقويض نفوذ حلفاء إيران، يزيل الكوابح السياسية التقليدية أمام حكومة نتنياهو، مما يرفع من احتمالات تحول الضربات الموضعية إلى حملة جوية وبرية واسعة النطاق لا يمكن السيطرة على حدودها.
كما تعتبر حالة الذعر واستنزاف المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة من أكبر عوامل الضغط على صناع القرار لشن حرب شاملة للخروج من المأزق، وقد تحولت المستوطنات الحدودية إلى ساحة مواجهة مباشرة تفتقر للأمان الأساسي.
ويشير الكاتب العسكري آفي أشكينازي في صحيفة "معاريف" في 25 مايو/أيار إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يقيد حاليا صلاحيات رئيس الأركان الفريق إيال زامير، ويمنعه من التصرّف بالقوة وفقا للخطط التي يطالب بها الجيش الإسرائيلي في لبنان
وأضاف بأن الأمر لا يقتصر على كون جنود الجيش الإسرائيلي في لبنان باتوا هدفا سهلا، بل يشمل أيضًا سكان المستوطنات الواقعة على خط المواجهة.
هذا الواقع دفع برؤساء المجالس الاستيطانية، مثل شيمون غيتا رئيس مجلس "معالي يوسف"، إلى تعليق الدراسة وإعلان العصيان على قرارات الحكومة الروتينية، معتبرين أن أمن السكان بات "خطا أحمر".
وبحسب ما أوردت "هآرتس"، فإن الضغط الشعبي الداخلي، الممزوج بارتفاع عداد القتلى من الجنود والمستوطنين منذ بدء وقف إطلاق النار الصوري، يضع القيادة الإسرائيلية أمام خيارين أحلاهما مر: إما التسليم بمعادلة الاستنزاف التي يفرضها حزب الله، أو الهروب إلى الأمام عبر تفجير حرب شاملة لزعزعة الأرض اللبنانية بالكامل.
وتؤكد مقالات هآرتس ومعاريف وإسرائيل هيوم والقناة 12 ويديعوت أحرونوت بأن المواجهة تتجه تدريجيا نحو حرب شاملة نتيجة الغطاء الأمريكي الصريح والضغط الداخلي الإسرائيلي المأزوم، غير أن هذا التصعيد يبقى محفوفاً بخطر الفشل الإستراتيجي؛ نظراً لعدم امتلاك الاحتلال لحلول ناجعة ضد سلاح مسيّرات المقاومة اللبنانية، مما يجعل أي مغامرة واسعة مجرد هروب من استنزاف موضعي إلى هزيمة أعمق وأشمل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة