آخر الأخبار

حين أرعب حجاج المغرب جيش نابليون

شارك

يمثل الحج في الوجدان المغربي انتقالا روحيا من ضيق الآثام إلى فسحة الغفران، قبل أن يكون انتقالا جغرافيا من غرب عالم الإسلام إلى مشرقه.

وهو لذلك يحتل مكانة مركزية في المخيال الجمعي لدى المغاربة منذ بلغ الإسلام ديارهم في القرن الأول الهجري، إذ تؤكد المصادر التاريخية وتدوين الرحالة وملاحظات المستشرقين وكتب "الممالك والمسالك"، أن المغاربة دأبوا على القيام بشعيرة الحج مشيا، فرادى وجماعات، يقطعون المسافات في "سفر مقدس" يستمر شهورا، وأحيانا سنوات، يجابهون بإيمان الساعين إلى الله مشقة الطريق وخطر قطاعها.

كما يواجهون مخاطر الموت والجوع والعطش والمرض والضياع في اختبار قاس لقدرتهم على تحمل مشاق سفر لا يقاس بحسابات الجغرافيا ووعورة تضاريسها، وإنما بالتسامي فوق أخطار القفار وتقلبات البحار؛ سعيا إلى الوصل والوصول في سفر القلب إلى القرب، تسبق أرواحهم أجسادهم إلى المشعر الحرام، وتعينهم الصلة بالله على صعوبات الوصول إلى بيته العتيق، فتتحول الممالك والمهالك إلى مسالك نحو المعنى، ويغدو عراء الصحراء فضاء غنيا برموز الطريق إلى الله، ليعيد بناء علاقة الإنسان بذاته وبربه، فيصير الحج "ولادة جديدة" تتوج مخاض المسير.

تنظيم الحج المغربي.. حين أسقطت فريضة الحج على المغاربة

لقد فرضت مخاطر الطريق إلى الحج ومهالكها تنظيم قوافل إلى الديار المقدسة، في مواكب جماعية اصطلح عليها "ركب الحاج المغربي"، وسماها بعض المؤرخين "ركب الحج" و"ركب الحجيج" و"الركب النبوي". كما سميت بعض مواكب الحجاج المغاربة نسبة إلى المناطق التي كانت تنطلق منها، مثل "الركب الفاسي" و"الركب السجلماسي" و"الركب المراكشي"، بينما سميت رحلات الحج البحرية بـ"الركب البحري".

أما أول "ركب حج" مغربي معلوم، فهو "الركب الصالحي"، الذي كان ينطلق من "آسفي" في المغرب إلى مكة المكرمة ذهابا وإيابا. ولقد نسب إلى صاحبه على سبيل الاعتراف له بفضل السبق في تنظيم رحلات الحج وحث الناس عليها، إذ سمي بهذا الاسم نسبة إلى مؤسسه الفقيه الصوفي أبي محمد صالح الماجري، المولود سنة 550 هجرية، والذي أنشأ زوايا ورباطات بين المغرب والحجاز لحماية الحجاج، بعدما أخذ كثيرون بقاعدتي "الضرر يزال" و"أمن الطريق شرط للوجوب" عقب اشتداد الخطر.

إعلان

وظهرت آراء فقهية تقول بسقوط فريضة الحج عن أهل المغرب والأندلس لخطورة الطريق وانعدام الأمن فيها، من قبيل ما أفتى به ابن رشد الجد، وأبو بكر الطرطوشي.

ثم استمرت مواكب الحجيج بعد ذلك في تقليد استمر قرونا، إذ تحول "الركب المغربي" إلى تنظيم اجتماعي عابر للحدود الجغرافية والاجتماعية في الآن ذاته، إذ كان يضم حجاجا من مختلف الفئات الاجتماعية، من الأمراء والعلماء والقضاة ورجال الدولة والتجار وعموم الناس، الفقراء منهم قبل الأغنياء، في تجسيد عملي لجوهر الحج، حيث الفوارق مجرد عرض يغطي الجوهر، وحيث المساواة تجربة وجودية تعيد الإنسان إلى لحظة صفائه الأولى.

إنه وضع أشبه ما يكون بما سماه الأنثربولوجي البريطاني فيكتور تيرنر بـ"الكوميونيتاس" (Communitas)، والذي يحيل على المساواة والتلاحم خلال الطقوس الدينية، حيث يشعر الأفراد بأنهم يشكلون جماعة متحدة تتعالى على الطبقية والفوارق الاجتماعية والانتماءات الضيقة، وترتقي نحو أفق روحي تعمل فيه "الرموز المقدسة على توحيد الروح الأخلاقية للجماعة" إذا جاز لنا أن نستعير مقاربة كليفورد غيرتز للطقوس والرموز الدينية بوصفها نظاما يرسخ القيم الأخلاقية ويمد الإنسان بالمعنى الذي يساعده على تمثل العالم.

هكذا كان "الركب المغربي" بمثابة فرصة لبناء التضامن الاجتماعي وإعادة إنتاج الوعي المشترك بين الحجاج بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم، حيث يتجدد الإيمان والانتماء على حد سواء، كما "تتجدد بصورة دورية القوة الجماعية الكامنة وراءه"، بتعبير دوركايم، ما يعني أن ركب الحج ينطبق عليه توصيف تيرنر للطقوس بكونها تكشف " القيم في أعمق مستوياتها".

رعب جيش نابليون

لم تكن هذه القيم في وعي الحجاج المغاربة تقتصر على التضامن فيما بينهم، وإنما كانت تسري أيضا على عموم إخوتهم في الدين، إذ تخبرنا المصادر التاريخية أن جيش صلاح الدين الأيوبي في حربه مع الصليبيين، وتحديدا في معركة حطين وتحرير القدس، كان يزدان بمغاربة من خيرة أجناد الأرض، "يثبتون في البر ويبطشون في البحر"، وفقا للمقولة الشهيرة المنسوبة لصلاح الدين.

هذه السمعة الطيبة والمهيبة للمغاربة في المشرق جعلت أهل مصر، بعد الحملة الفرنسية، يتطلعون إلى موسم الحج للاستقواء بالحجاج المغاربة المارين برا من القاهرة أو بحرا عبر الإسكندرية، لمساعدتهم في مواجهة جيش نابليون، إذ يخبرنا المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي في "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، عن وصول الحجاج المغاربة إلى الجيزة في 6 "ذو القعدة" 1213 هجرية، 11 أبريل/نيسان 1799، "فتحدث الناس وكثر لغطهم وتقوّلوا بأنهم عشرون ألفا حضروا لينقذوا مصر من الفرنسيس"، كما يورد الجبرتي ما نقله أحد أفراد هذه القافلة إلى الفرنسيين من أن الحجاج المغاربة "قدموا لمحاربتهم والجهاد فيهم، وأنهم اشتروا خيلا وسلاحا، وقصدهم إثارة فتنة".

وإذا علمنا بأن المصادر التاريخية تشير إلى أن عدد أفراد القافلة لا يتجاز 700 حاج، فإننا نستطيع أن ندرك ما يثيره نفر قليل من الحجاج المغاربة من خوف في نفوس قادة "جيش الشرق" الفرنسي. وهذا ما تثبته رسالة حاكم القاهرة الجنرال دوكا (Dugua) إلى نابليون بونابرت، حيث يخبره بقلقه البالغ من الإشاعات التي تقول إن المغاربة المقيمين في مصر يعتزمون، باتفاق مع "الركب المغربي"، التحريض على القيام بثورة ضد الفرنسيين، ما جعله يعزل القافلة المغربية عن مصر وأهلها، ويجبرها على تسليم أسلحتها، مع أسر عشر رهائن منها إلى حين عبورها إلى الحجاز، وإرغام شيخ "الركب" على تحرير رسالة إلى سلطان المغرب لطمأنته وإخباره أن الفرنسيين أحسنوا معاملتهم ولم يتوانوا عن مساعدتهم حتى بلغوا مقصدهم.

إعلان

لقد كان مرور الحجاج المغاربة بمصر يقض مضاجع نابليون وجنرالاته في جيش الشرق، خاصة أن عددا كبيرا من المغاربة تطوعوا للمشاركة في حركة مقاومة شعبية شرسة ضد جيش نابليون في كل من البحيرة والصعيد، بزعامة "العالم المغربي الشيخ محمد الكيلاني" حسب الجبرتي، أو "الشيخ محمد الجيلاني" وفقا لما تورده مراسلات القادة العسكريين الفرنسيين.

ولذلك، كان نابليون يوجه الأوامر الصارمة باتخاذ إجراءات حازمة ضد الحجاج المغاربة الذين يريدون البقاء في مصر، إذ تؤكد رسالته إلى حاكم القاهرة، بتاريخ 14 أغسطس/آب 1799، مدى خوف الفرنسيين منهم، وحرصهم على إخراجهم من مصر دون تأخير، حيث يأمره "بالقبض على جميع الرجال من قافلة المغرب الذين ربما يكونون قد تخلفوا عن الركب؛ وأن لا يمكث المغاربة القادمون إلى القصير سوى يوم واحد، ثم يواصلوا طريقهم إلى بلادهم، دون المرور بالإسكندرية".

بيد أنه يقوم في اليوم الموالي (15 أغسطس/آب 1799) باستقبال شيخ "الركب المغربي" خلال عبوره القاهرة، ليسلمه خطابا إلى سلطان المغرب حينئذ، المولى سليمان، استهله بالبسملة والشهادتين "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، معبرا للسلطان عن أسمى عبارات التعظيم والتوقير: "إلى سلطان المغرب، صاحب الحضرة الشريفة، القوي بين الملوك، والمخلص في تطبيق شريعة الرسول"، ومعربا عن اغتنامه "فرصة عودة الحجاج المغاربة لنكتب إليكم هذه الرسالة ونعلمكم أننا قدمنا لهم كل ما في وسعنا من مساعدة، لأن اهتمامنا الأساسي هو أن نقوم، في كل المناسبات، بما يمكن أن يقنعكم بالتقدير الذي نكنه لكم".

هكذا كان الحج المغربي مشيا جزءا من تاريخ المغاربة في "الشرق" ومن تواصل مستمر بين المغرب والمشرق، إذ كان لرحلة الحج- فضلا عن أداء الفريضة- مقاصد سامية أخرى لدى كثير من الحجاج المغاربة مثل التبادل العلمي عبر العلماء وطلبة العلم، واللقاء مع إخوانهم في الدين من مختلف أصقاع الأرض، وتسخير إمكاناتهم العلمية وقدراتهم الدعوية وخبراتهم العسكرية؛ لبث الحماس في نفوسهم والدفاع عن أراضيهم، حتى صار بعض هؤلاء الحجاج جزءا من النسيج الاجتماعي والحياة العلمية والثقافية في مصر، والحجاز، وفلسطين، وعموم الشام.

وقد أسهموا عمليا في التلاقح الثقافي والتبادل العلمي والاجتماعي والاقتصادي، لتكون رحلة الحج مشيا رحلة دينية تحمل فيها الأقدام المتعبة أنوار المعنى في عتمات الأمكنة، حين تنتصر لمعاني الصبر والرحمة والتجرد والتواضع والتضامن والمساواة ونكران الذات والقرب من الله، فيصير ترحال الحاج في فضاء عالم الإسلام مدرسة روحية وحركة حضارية وإنسانية يتعلم فيها العيش لغيره قبل نفسه، ويلتقي خلالها بجوهر الذات حين تغدو صفحة بيضاء في جغرافيا الروح التي لا يتعالى فيها غير الله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا