على امتداد ساحة معبر أرقين، تفترش الأسر الأرض محاطة بحقائبها وأشواقها بعد رحلة سفر مضنية. عيون الأطفال المتعبة ترقب الحافلات، بينما يصطف الآباء والأمهات في طوابير طويلة أمام مكاتب النقل، يبحثون عن مقعد شحيح يقربهم من ديارهم في الخرطوم والمدن الأخرى، في ظل غياب تام للتنظيم يزيد من مرارة الانتظار.
وخلف الأرقام والتكدس، تبرز حكايات تنبض بالألم؛ معاذ الباكر الزبير، أحد العائدين الذين دفعهم الحنين إلى العودة، يروي بمرارة كيف اشترى تذكرة إلى أم درمان بقيمة 200 ألف جنيه سوداني (نحو 74 دولارا) بعد ساعات من الانتظار. حجز معاذ مقعده منذ السابعة صباحا وشاهد أمتعته تحمل على الحافلة، ليفاجأ فجأة بمنعه من الصعود لأن ركابا آخرين دفعوا مبالغ أعلى، ويقول معاذ بنبرة يملؤها الأسى: "لست وحدي من يعيش هذا القهر، هناك مئات المسافرين هنا يواجهون المصير ذاته.. الغياب التام للرقابة جعل كل شخص يعمل بلا رقيب أو حسيب".
ولم تتوقف المعاناة عند المقاعد، بل امتدت لتشمل فرض رسوم إضافية على الأمتعة، وهو ما أكده أحمد محمد عثمان، الذي قطع مسافات طويلة لقضاء عطلة العيد مع أسرته، ليصطدم بواقع المعبر الصادم. يشير أحمد إلى أن أسعار التذاكر قفزت بشكل جنوني؛ فالتذكرة التي كانت تباع بـ 130 ألف جنيه (نحو 48 دولارا)، ارتفعت لتصل في بعض الأحيان إلى 220 ألفا (نحو 81 دولارا).
يصف أحمد هذا الوضع بأنه "استغلال واضح" لقلوب مشتاقة لبيوتها في موسم الفرح، ويوجه نداء إنسانيا حارا إلى الجهات الرسمية "أغيثوا آلاف الأسر العالقة هنا، احموهم من هذا الجشع، فنحن نواجه معاناة مزدوجة تبدأ بمشقة الطريق ولا تنتهي عند المعبر."
في المقابل، تظهر زاوية أخرى للصورة حجم الأزمة التنسيقية؛ حيث يرفض مرتضى الطيب، وهو مسؤول في إحدى شركات النقل، إلقاء اللوم كاملا على عاتق الشركات. ويرى أن هذا التكدس ناتج عن ضعف الاستعداد المسبق وغياب التنسيق مع الجهات الرسمية داخل المعبر لاستيعاب ضغط العيد المتوقع.
ويوضح الطيب أن شركات النقل تكافح هي الأخرى تحت وطأة أعباء تشغيلية ضخمة، حيث قفزت الرسوم والضرائب المفروضة على الحافلة الواحدة من 350 ألف جنيه سوداني (نحو 130 دولارا) إلى 840 ألف جنيه (نحو 311 دولارا)، مما أجبرهم على رفع أسعار التذاكر لتغطية التكاليف.
ويحمل الطيب إدارة المعبر واتحاد الحافلات وغرفة النقل مسؤولية هذا الغياب التنسيقي، معتبرا أن ما يحدث هو نتاج "طوارئ العيد" الموسمية التي تفتقر إلى التخطيط الإنساني السليم.
وبين مبررات الشركات وغياب الرقابة الرسمية، يظل المواطن السوداني البسيط هو من يدفع الثمن من راحته وكرامته، منتظرا تحت أشعة الشمس فرصة ليقول لأهله: "كل عام وأنتم بخير" من داخل بيته، وليس من وراء معبر حدودي.
المصدر:
الجزيرة