آخر الأخبار

من أمريكا أولا إلى أمريكا ضد الجميع.. ترمب يربك الحلفاء والخصوم

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تُظهر سلسلة تقارير صادرة عن صحف أمريكية كبرى، بينها نيويورك تايمز وبوليتيكو وذا هيل صورة لمرحلة سياسية جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب، يمكن القول إنها تشير إلى تحوّل جذري من شعار "أمريكا أولا" إلى نهج أكثر صدامية يمكن وصفه بـ "أمريكا ضد الجميع".

هذا التحوّل لا يظهر في ملف واحد، بل في شبكة متداخلة من السياسات الداخلية والخارجية: من الهجرة، إلى التحالفات، إلى الاقتصاد، وصولا إلى العلاقات الدولية مع الصين والهند وإيران وأوروبا، وحتى إعادة تشكيل بنية السلطة داخل الولايات المتحدة نفسها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 العائلة والحرب والإعلام.. ترمب يحكم وسط دراما مفتوحة
* list 2 of 2 يديعوت أحرونوت: أيباك من لوبي مؤثر إلى سلاح حزبي سامّ في واشنطن end of list

على الصعيد الداخلي، تكشف تقارير ذا هيل ونيويورك تايمز عن أزمة سياسية متصاعدة داخل واشنطن بسبب خطة لإنشاء صندوق تعويضات بقيمة تقارب 1.8 مليار دولار، يُفترض أن يعوض أشخاصا يصفون أنفسهم بأنهم ضحايا "تسييس العدالة". غير أن منتقدين يرون فيه أداة سياسية لإعادة توزيع أموال عامة لصالح أنصار ترمب، بمن في ذلك مدانون في قضايا اقتحام الكونغرس في 6 يناير/كانون الثاني 2021.

غير مسؤول ومضر سياسيا

وقد أدى هذا المشروع، حسب تقارير الصحيفتين، إلى انقسام داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث وصفه بعض أعضاء مجلس الشيوخ بأنه "غير مسؤول" و"مضر سياسيا"، محذرين من أنه يعمّق صورة الفساد السياسي ويضعف فرص الحزب في الانتخابات المقبلة.

ويشير منتقدون إلى أن المشروع يأتي ضمن نمط أوسع من القرارات الرمزية والمثيرة للجدل، في وقت يعاني فيه المواطنون من تضخم مرتفع وتراجع في القدرة الشرائية.

ذا هيل..

إنشاء مشروع صندوق التعويضات يأتي ضمن نمط أوسع من القرارات الرمزية والمثيرة للجدل، في وقت يعاني فيه المواطنون من تضخم مرتفع وتراجع في القدرة الشرائية

تضييق يشمل حتى الهجرة القانونية

كذلك أشار تقرير لنيويورك تايمز إلى أن إدارة ترمب تتجه نحو تشديد واضح في سياسة الهجرة، مع تقليص التركيز النسبي على الهجرة غير النظامية لصالح تضييق أشمل على الهجرة القانونية أيضا.

إعلان

وبحسب التقرير، فإن الإدارة بدأت ترى النظام القانوني للهجرة باعتباره "مثقلا بالاحتيال وسوء الاستخدام"، ما دفعها إلى تبنّي إجراءات أكثر صرامة، من بينها فرض قيود على التأشيرات القادمة من عشرات الدول، وتعليق برامج مثل قرعة التأشيرات، وتقييد منح الإقامات الطويلة.

وأبرز خطوة بهذا الصدد هي إلزام معظم المتقدمين للحصول على " البطاقة الخضراء الأمريكية" بمغادرة الولايات المتحدة خلال فترة انتظار معالجة طلباتهم في الخارج، وهو ما قد يؤدي إلى فترات انفصال طويلة بين العائلات ويعقّد أوضاع المقيمين المؤقتين.

كما شملت الإجراءات تجميد بعض طلبات الهجرة من دول خاضعة لقيود سفر، إلى جانب مراجعة سياسات تسمح بمنع دخول أو بقاء أشخاص يُعتقد أنهم قد يعتمدون على المساعدات العامة مستقبلا.

ويشير التقرير إلى أن الإدارة تدمج بين ملفي الهجرة القانونية وغير القانونية ضمن رؤية واحدة تعتبر أن كليهما جزء من "إصلاح شامل"، بينما يحذر منتقدون من أن هذا النهج يوسّع دائرة التضييق على الهجرة بشكل غير مسبوق، رغم استمرار الدعم الشعبي المبدئي للهجرة القانونية من حيث المبدأ.

من جانب آخر، تظهر أزمة اقتصادية متصاعدة، وتفيد نيويورك تايمز بأن استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع حاد في شعبية ترمب، مع ارتفاع نسبة عدم الرضا عن أدائه الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود. ويزداد الضغط مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، ما يضع الإدارة في مواجهة مباشرة مع الرأي العام.

مصدر الصورة ترمب (يمين) بدأ يميل لبناء علاقات شخصية مع شخصيات مثل الرئيس الصيني شي جين بينغ (رويترز)

تجاهل التحالفات التقليدية في آسيا

وفي السياسة الخارجية، يكشف تقرير لنيويورك تايمز أيضا عن تحوّل كبير في مقاربة واشنطن لآسيا. فبدلا من تعزيز التحالفات التقليدية، بدا ترمب أكثر ميلا لبناء علاقة شخصية مع قادة مثل الرئيس الصيني شي جين بينغ، حيث وصفه بأنه "صديق" و"قائد عظيم"، ما أثار قلقا في دول مثل الهند واليابان وأستراليا بشأن التزام الولايات المتحدة الأمني في المنطقة.

وفي المقابل، تقول نيويورك تايمز، تعرضت الهند، التي كان يُنظر إليها لسنوات كشريك إستراتيجي رئيسي لاحتواء الصين، لصدمة دبلوماسية بعد فرض رسوم جمركية قاسية وإجراءات اقتصادية ضدها. كما تصاعد التوتر مع حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، ما دفع نيودلهي إلى إعادة التفكير في علاقتها مع واشنطن، وحتى تحسين قنوات التواصل مع الصين رغم العداء التاريخي بين البلدين.

وفي الوقت نفسه، يحاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو احتواء الأضرار عبر جولات دبلوماسية في آسيا، في محاولة لطمأنة الحلفاء وإعادة تعريف دور الولايات المتحدة داخل منظومة التحالفات الإقليمية مثل مجموعة الرباعية "الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان"، لكن هذه الجهود تأتي في ظل انطباع متزايد بأن السياسة الأمريكية أصبحت غير مستقرة وتعتمد على مزاج الرئيس أكثر من كونها إستراتيجية طويلة الأمد.

مصدر الصورة ترمب (يمين) تسبب في توتر علاقات أمريكا بالهند الحليف التقليدي لواشنطن (رويترز)

صدمة سياسية ونفسية في الناتو

وفي أوروبا، يرسم تقرير نشرته مجلة بوليتيكو صورة مشابهة من القلق داخل حلف شمال الأطلسي، حيث تتعامل الدول الأوروبية مع واشنطن باعتبارها شريكا أساسيا، لكنه غير متوقع.

إعلان

وتقول بوليتيكو إن تقلبات ترمب في نشر القوات الأمريكية في بولندا، وغياب التنسيق المؤسسي، أثارت ما وصفه دبلوماسيون بـ "صدمة سياسية ونفسية" داخل الحلف. ونتيجة لذلك، بدأت أوروبا تفكر بجدية في "تحصين" نفسها عبر تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، أو بناء قدرات دفاعية مستقلة، حتى داخل إطار الناتو نفسه.

لكن هذا التوجه، حسب بوليتيكو، يخلق انقساما أوروبيا: فبينما تدفع ألمانيا وبعض الدول نحو تعزيز الاستقلال الدفاعي الأوروبي، تصر دول أخرى مثل السويد ورومانيا على ضرورة استمرار الاعتماد على الأسلحة الأمريكية باعتبارها الضمان الأسرع لمواجهة التهديد الروسي.

أزمة إيران مأزق إستراتيجي

أما في الشرق الأوسط، فتبرز أزمة إيران كأحد أكثر الملفات تعقيدا. ويشير تقرير نشرته ذا هيل إلى أن الجنرال الأمريكي المتقاعد ومدير الاستخبارات المركزية السابق ديفيد بيترايوس يقول إن واشنطن وطهران عالقتان في "مأزق إستراتيجي"، حيث ترى إيران أنها قادرة على الصمود أمام الضغوط الأمريكية، بينما تواجه الولايات المتحدة خيارات محدودة بين التصعيد العسكري أو قبول تسوية غير مضمونة.

وتقول ذا هيل إن هذا الجمود بين واشنطن وطهران ينعكس اقتصاديا على الولايات المتحدة عبر ارتفاع أسعار الطاقة، خصوصا النفط والغاز، نتيجة الاضطرابات في مضيق هرمز، مضيفة أن الملف الإيراني يتحول في الداخل الأمريكي، إلى عامل سياسي إضافي يزيد من الاستقطاب داخل الحزب الجمهوري نفسه، بين صقور يدعون للتصعيد وداعين إلى ضبط النفس.

وتكشف ذا هيل أيضا أن إدارة ترمب تدرس توسيع الضغط على كوبا، في خطوة قد تعيد إنتاج سياسات تغيير الأنظمة في نصف الكرة الغربي، ما يزيد من اتساع رقعة التوترات الخارجية الأمريكية.

حسابات شخصية

ومن الواضح أن هناك خيطا مشتركا بين كل هذه الملفات: إعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم. فبدلا من قيادة نظام تحالفات مستقر نسبيا، تبدو واشنطن في عهد ترمب أقرب إلى قوة تقلب التزاماتها، وتعيد صياغة علاقاتها وفق حسابات سياسية داخلية وشخصية أكثر من كونها إستراتيجية تقليدية.

ومن المؤكد أن هذا التحول ينعكس على الحلفاء قبل الخصوم. فالهند تعيد التفكير في علاقتها مع الصين، وأوروبا تفكر في الاستقلال الدفاعي، وحلف الناتو يواجه ارتباكا في التنسيق، والشرق الأوسط عالق في صراعات غير محسومة. وفي الداخل الأمريكي، تتعمق الانقسامات الحزبية والجدل حول الفساد والإنفاق العام.

في المحصلة، تقدم هذه التقارير مجتمعة صورة لأمريكا لم تعد تسعى فقط إلى "أولوية الذات"، بل إلى إعادة رسم النظام العالمي بطريقة تجعل الجميع في حالة إعادة تموضع.

وهكذا، يتحول شعار "أمريكا أولاً" إلى واقع أكثر تعقيدا: "أمريكا ضد الجميع"، أو على الأقل، أمريكا التي لم يعد أحد يعرف تماما أين تقف، ولا إلى أين تتجه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا