في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ديسمبر/كانون الأول 1971، كانت مدينة "دكا"، عاصمة إقليم باكستان الشرقي آنذاك، على موعد مع واحدٍ من أكبر مشاهد الانهيار العسكري في القرن العشرين، حين استسلم أكثر من 90 ألف جندي وضابط باكستاني أمام القوات الهندية، فيما يُعد أكبر استسلام عسكري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
جاء ذلك بعد نحو أسبوعين فقط من اندلاع حرب شاملة بين الهند وباكستان على جبهتين، غربية تشمل حدود الهند وباكستان اليوم، وشرقية تشمل حدود الهند وبنغلادش اليوم، إذ كانت الأخيرة لا تزال جزءا من باكستان وتُعرف باسم باكستان الشرقية، بعد أن انفصل مسلموها عن الهند عام 1947 والتحقوا بمشروع دولة باكستان.
وقد نجحت نيودلهي في حسم المعركة آنذاك بسرعة لافتة، بعدما فرضت قواتها البحرية حصارًا خانقًا على الموانئ الباكستانية، بينما حقق سلاح الجو الهندي تفوقًا شبه كامل، ما أدى إلى عزل شرق باكستان تمامًا عن مركز الدولة في الغرب؛ وخسرت إسلام آباد نحو سدس أراضيها ونصف سكانها، مع ولادة دولة بنغلادش الجديدة.
" نجحت نيودلهي في حسم المعركة آنذاك بسرعة لافتة، بعدما فرضت قواتها البحرية حصارًا خانقًا على الموانئ الباكستانية، بينما حقق سلاح الجو الهندي تفوقًا شبه كامل في أجواء باكستان"
كانت الخسارة حصيلة أزمة سياسية تصاعدت حدتها عقب انتخابات الإقليم الشرقي عام 1970، التي أسفرت عن فوز "رابطة عوامي"، وهي حركة سياسية ذات قاعدة بنغالية، طالبت بحكم ذاتي وتقليص هيمنة العاصمة الباكستانية، في وقت تمسك فيه حزب الشعب الباكستاني تحت قيادة ذو الفقار علي بوتو بمركزية السلطة. ومع تعثر التوصل إلى صيغة تفاهم لجأت المؤسسة العسكرية الباكستانية إلى خيار الحسم، فأطلقت في 25 مارس/آذار 1971 عملية عسكرية واسعة في "دكا" لقمع الحركة الانفصالية، ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية دامية.
تزامن ذلك مع نزوح جماعي قُدِّر بنحو 7-10 ملايين لاجئ إلى الهند، ما أعطى نيودلهي ذريعة للتدخل؛ حيث دعمت قوات "موكتي باهيني" (وتعني قوات التحرير)، وهي جماعات مقاومة بنغالية تشكَّلت من منشقين عن الجيش ومتطوعين مدنيين، وخاضت حرب استنزاف ضد القوات الباكستانية، ممهدةً الطريق للتدخل العسكري الهندي الحاسم الذي أنهى الحرب في غضون أيام.
تركت هذه الحرب أثرًا لا يُمحى في نفوس الباكستانيين، فلم تُختزل الهزيمة في فقدان إقليم مهما بلغ حجمه أو أهميته، بل اعتُبرت دليلًا على التهديد الوجودي الذي تُمثِّله الجارة الهندية؛ إذ لم يكن ما جرى مجرد انتفاضة "انفصالية" في الشرق، وفق السردية الباكستانية، وإنما هو تدخل هندي مباشر استغل أزمة داخلية لتحطيم إسلام آباد.
في الوقت ذاته، اكتسب البُعد الدولي وزنًا في تفسير الهزيمة لدى الداخل الباكستاني، حسبما يورد أستاذ شؤون الأمن القومي فيروز خان في كتابه "أكل العشب: صناعة القنبلة الباكستانية"؛ حيث دخلت الهند الحرب مدعومة من جانب الحليف السوفياتي، الذي وفر لها غطاءً سياسيًا عبر استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.
في المقابل لم تستفد باكستان من علاقاتها الوثيقة مع إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون؛ فلم يتجاوز الدعم الأمريكي حدود الميل السياسي دون تدخل فعلي. هذا التباين عزز قناعة داخل المؤسسة الباكستانية بأنها تُعاني عزلة دولية، وأن ميزان القوى الدولي أتاح للهند حسم الصراع لصالحها.
"دخلت الهند الحرب مدعومة من جانب الحليف السوفياتي، الذي وفر لها غطاءً سياسيًا في مجلس الأمن، فيما لم تستفد باكستان من علاقاتها الوثيقة مع إدارة الرئيس الأمريكي نيكسون"
كانت بوادر هذا الشعور قد ظهرت بفعل تجربة سابقة في حرب كشمير الثانية عام 1965، حين فرضت الولايات المتحدة حظرًا على تصدير السلاح إلى الطرفين، ورغم أن القرار كان متوازنًا نظريا، فإنه انعكس عمليا بضرر أكبر على باكستان، التي كانت تعتمد بدرجة أساسية على التسليح الأمريكي، في حين تعددت مصادر الهند التسليحية، لا سيما عبر موسكو.
ومع تجدد الأزمة عام 1971، عادت واشنطن إلى تشديد القيود، ما عمَّق الإحساس في إسلام آباد بأن الاعتماد على مورد واحد للسلاح يمثل نقطة ضعف إستراتيجية. وهكذا، لم يُنظر إلى الحظر بوصفه إجراء حياديا، بل كعامل كشف حدود الشراكة مع الولايات المتحدة، وكرَّس الحاجة إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارا واستقلالا.
أضف لذلك ما يمكن وصفه بالنسبة لباكستان بـ"التوزيع غير العادل"؛ فمع تقسيم الهند البريطانية عام 1947، ورثت الهند معظم البنية الصناعية العسكرية التي خلَّفها الاستعمار البريطاني، بما في ذلك المصانع الحربية الستة عشر القائمة آنذاك، بينما وجدت باكستان نفسها من دون قاعدة إنتاجية تُذكر. وبذلك، بدأت إسلام آباد مسارها من نقطة الصفر تقريبا، في حين انطلقت نيودلهي من إرث صناعي وعلمي، ما رسَّخ منذ البداية فجوة في القدرات العسكرية بين الطرفين.
"تحوَّلت هزيمة عام 1971 إلى ما يشبه الصدمة التأسيسية في التفكير الإستراتيجي الباكستاني"
هذه الوقائع مجتمعة حوَّلت هزيمة 1971 إلى ما يشبه الصدمة التأسيسية في التفكير الإستراتيجي الباكستاني؛ إذ ترسَّخت في أذهان النخبة العسكرية والسياسية قناعة مفادها أن ما حدث لا يجب أن يتكرر مرة أخرى. ومن ثم، اتجهت إسلام آباد نحو تحقيق الاعتماد على الذات مع البحث عن معادل نووي يُعوِّض الخلل البنيوي في ميزان القوى بينها وبين دلهي، عبر امتلاك قدرة ردع قصوى لا تعتمد على الخارج.
وفتح ذلك التفكير الباب أمام تسريع المسار النووي، حتى مع ما استلزمه من تحدي القيود والضغوط الدولية؛ إذ واجهت إسلام آباد رقابة تكنولوجية غربية هدفها الحد من انتشار المعرفة النووية ومكوناتها الحساسة. وبفعل هذه القيود، اضطرت باكستان إلى توسيع قاعدتها الصناعية المحلية، وتطوير قدراتها الذاتية في مجالات الهندسة والتصنيع، بحثا عن بدائل.
هكذا برزت الحاجة إلى الابتكار الدفاعي بوصفها ضرورة لا خيارا. فاتجهت باكستان إلى تبنِّي تقنيات الهندسة العكسية، مستفيدة من خبرات صينية تراكمت تحت وطأة عقوبات مشابهة، بهدف الحفاظ على جاهزية معداتها العسكرية الغربية والشرقية على حد سواء، كما تشكَّلت داخل المؤسسات العلمية الباكستانية، وعلى رأسها هيئة الطاقة الذرية، ثقافة ابتكار قائمة على الارتجال العملي تُعرف محليًا بثقافة "جوكار"، وتعني إيجاد حلول سريعة بموارد محدودة؛ حيث كان العلماء يجمعون قطعًا من الخردة ويوفقون بينها لجعلها تعمل بكفاءة.
لم تتشكل قاعدة الصناعة الدفاعية في باكستان إذن ضمن مسار تنموي طبيعي أو في سياق وفرة من الموارد، بل نشأت تحت ضغط الحصار والتهديد. فقد جاءت استجابة مباشرة لهزائم وتجارب انكشاف حادة، فضلًا عن حضور نقاط ضعف واضحة مقارنة بالهند تتمثل في الفارق الديموغرافي والاقتصادي، وما يترتب عليه من تفاوت مستمر في القدرة على تمويل الحرب وإدامتها.
تعكس المعطيات الحالية استمرار هذا المنطق بوضوح رغم فارق الزمن. فوفق بيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للهند عام 2024 نحو 3.9 تريليون دولار، مقابل نحو 0.37 تريليون لباكستان، أي أن الاقتصاد الهندي يفوق نظيره الباكستاني بأكثر من عشر مرات، بما يمنح دلهي قدرة أكبر على تمويل صفقات تسليح متقدمة، وتنويع مصادرها، والاستثمار في البحث والتطوير.
على الجهة المقابلة، تواجه إسلام آباد قيودا مالية وهيكلية؛ تحد من قدرتها على مجاراة هذا النمط من التراكم العسكري، وتؤكد ذلك تقارير "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام؛ إذ تشير إلى أن الهند رفعت إنفاقها الدفاعي عام 2024 إلى حوالي 86 مليار دولار، ما جعلها خامس أكبر منفق على المشتريات الدفاعية عالميا.
"الاقتصاد الهندي يفوق نظيره الباكستاني بأكثر من عشر مرات، بما يمنح دلهي قدرة أكبر على تمويل صفقات تسليح متقدمة"
في ظل هذا الاختلال، تصبح محاولة بناء قوة متكافئة في جميع المجالات بالنسبة لباكستان خيارًا غير منطقي يفوق قدرة اقتصادها على التحمل، خصوصًا مع تكرار الأزمات المالية وضغوط الديون وندرة العملة الصعبة، ومن هنا، لم يكن التحول في الإستراتيجية العسكرية مجرد تفضيل، بل ضرورة فرضتها حدود الواقع الاقتصادي.
من هذه المعطيات تبلورت فرضية "القوة الكافية"، فإسلام آباد لم تسع إلى الهيمنة ولا إلى امتلاك قوة مطلقة بقدر ما سعت إلى تجنب الانكشاف، عبر بناء مزيج ردعي يجعل أي صراع واسع مكلفًا وغير مضمون النتائج. لذلك، تميل باكستان إلى أدوات انتقائية وغير متماثلة وقابلة للاستدامة محليا، وهو ما يفسر طبيعة خياراتها، من مقاتلات خفيفة متعددة المهام إلى صواريخ باليستية تُعوِّض الاختلال التقليدي عبر الردع، وصولا إلى منصات بحرية متوسطة ترفع كلفة أي تهور من قبل الهند دون أن تجاري قدراتها بالكامل.
المثال الأبرز على ذلك هو التوجه نحو الصواريخ الباليستية، التي وفرت لإسلام آباد معادلًا إستراتيجيا للاختلال أمام الهند. فمع تصاعد القيود الغربية في تسعينيات القرن الماضي بسبب البرنامج النووي الباكستاني، وما استتبعه ذلك من وقف تسليم مقاتلات إف-16 الأمريكية، بدت الصواريخ البالستية خيارًا يوفر قدرة ردع مستقلة لا يمكن تعطيلها عبر العقوبات.
قدَّمت صواريخ باكستان البالستية، مثل "حتف" و"غوري" و"شاهين"، حلًا عمليًا لمعضلة الكلفة والفعالية التي أرَّقت إسلام آباد منذ الثمانينيات، فالصاروخ الباليستي على عكس سلاح الجو، لا يحتاج إلى طيارين مدرَّبين لسنوات، ولا إلى قواعد جوية كبرى مكشوفة، ولا إلى أسطول ضخم يتآكل مع الزمن. يكفي أن تمتلك الدولة منصة إطلاق متحركة وصاروخًا يعمل بوقود صلب، ليصبح بمقدورها تهديد عواصم الخصم في دقائق.
"قدَّمت صواريخ باكستان البالستية حلًا عمليًا لمعضلة الكلفة والفعالية التي أرَّقت إسلام آباد منذ الثمانينيات"
وتضم ترسانة إسلام آباد الحالية ست منظومات باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية، تتوزع بين صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى. في الفئة الأولى تبرز أنظمة "عبدالي" و"غزنوي" و"شاهين-1″ و"نصر"، وهي منظومات مصممة لتغطية ساحات القتال القريبة ودعم الردع التكتيكي.
أما الفئة المتوسطة فتشمل صاروخ "غوري"، الذي يصل مداه لحوالي 1500 كيلومتر، ويعمل بالوقود السائل ويعود تصميمه إلى صاروخ "نودونغ-1" الكوري الشمالي، فضلًا عن صاروخ "شاهين-2″، الذي يبلغ مداه نحو 2000 كيلومتر. وتوفر هذه الأنظمة متوسطة المدى قدرة على استهداف العمق الهندي ضمن معادلة ردع أوسع.
تُطوِّر باكستان حاليا أنظمة أكثر تقدمًا، أبرزها "شاهين-3" الذي يقارب مداه 3000 كيلومتر، ما يمنحه قدرة على تغطية الأراضي الهندية بأكملها. كما تعمل على تطوير صاروخ "أبابيل"، الذي أعلنت أنه مزود بتقنية الرؤوس المتعددة مستقلة الاستهداف، أي أن الصاروخ الواحد يمكنه حمل عدة رؤوس حربية تنفصل عنه في الفضاء وتهاجم أهدافًا مختلفة بشكل مستقل بدلًا من هدف واحد، بما يُعقِّد مهمة أنظمة الدفاع الصاروخي.
وبحسب منظمة "نشرة علماء الذرة" غير الربحية، تنتشر الترسانة البالستية الباكستانية عبر ثماني إلى تسع حاميات للصواريخ؛ حيث تتمركز الأنظمة قصيرة المدى في أربع أو خمس مواقع قريبة من الحدود، بينما توضع الأنظمة متوسطة المدى في ثلاث إلى أربع قواعد داخل العمق، بما يحقق توازنًا بين الجاهزية العملياتية وحماية الأصول الاستراتيجية. وبهذه البنية، تمتلك باكستان قدرة ضرب العمق الهندي بكلفة أقل بكثير من بناء سلاح جو متكامل يوازي الهند عددًا ونوعًا. ومع ترسيخ هذا التوجه، أصبحت الصواريخ الباليستية الركيزةَ الأولى لمنظومة الردع الباكستانية.
صاروخ "شاهين-3" يقارب مداه 3000 كيلومتر ما يمنحه قدرة على تغطية الأراضي الهندية بأكملها (الأوروبية)
لم تتوقف ترسانة إسلام آباد الباليستية عند حدود الردع الاستراتيجي التقليدي، بل تطورت استجابة لتحولات العقيدة العسكرية الهندية، لا سيما مع سعي نيودلهي منذ عام 2004 إلى تطوير ما يُعرف بعقيدة "البداية الباردة"، القائمة على تقسيم الجيش إلى مجموعات قتالية متكاملة سريعة الحركة، قادرة على التحرك خلال 72–96 ساعة من أي حادث أمني كبير، والتوغل لمسافات محدودة داخل الأراضي الباكستانية (نحو 10 إلى 50 كيلومترًا)، ثم تثبيت وجود ميداني يُستخدم كورقة للتفاوض.
وتستند هذه المقاربة إلى افتراض أن مثل هذه العمليات المحدودة لن تدفع باكستان إلى استخدام أسلحتها النووية الاستراتيجية، لأنها تظل دون مستوى التهديد الوجودي، بما يخلق فجوة في منظومة الردع الباكستانية. ولهذا طوَّرت باكستان صاروخ "نصر" قصير المدى، الذي يصل إلى نحو 60 كيلومترا فقط، ويعمل بالوقود الصلب، ما يمنحه سرعة جاهزية وإطلاق عالية في البيئات القتالية، كما يُطلق "نصر" من منصات متحركة، بما يعزز قدرته على البقاء والمناورة وتفادي الاستهداف.
"أهم ما يميز صاروخ نصر قدرته على حمل رأس نووي تكتيكي منخفض القدرة التفجيرية ما يجعله مناسبا للاشتباك داخل ساحة المعركة"
غير أن أهم ما يميز "نصر" قدرته على حمل رأس نووي تكتيكي منخفض القدرة التفجيرية (أقل من كيلو طن إلى نحو 5 كيلو طن – مقارنة بنحو 15 كيلو طن لقنبلة هيروشيما). وقد كشفت عنه إسلام آباد لأول مرة في تجربة إطلاق عام 2011، قبل أن يدخل الخدمة بعد ذلك بسنوات قليلة. وبهذه الخصائص، يعيد "نصر" صياغة معادلة الردع عبر نقلها من مستوى استهداف المدن إلى مستوى الاشتباك في ساحة المعركة نفسها.
صواريخ نصر الباليستية المصنعة في باكستان على منصة إطلاقها (أسوشيتد برس)وقد عبَّرت القيادة الباكستانية عن هذا التحول من خلال مفهوم "الردع بالطيف الكامل"؛ الذي يعني امتلاك قدرات نووية متعددة المستويات، تتضمن قدرات استراتيجية بعيدة المدى، وتكتيكية قريبة من الجبهة تغطي نطاقًا محدودا، وقادرة على تكوين قيمة مضافة في عقيدة الردع الباكستانية عبر غلق المساحة الرمادية التي حاولت نيودلهي استغلالها؛ إذ لم يعد أي توغل تقليدي محدود مضمون العواقب.
ومع ذلك، لا يخلو هذا التحول من تعقيدات، فطبيعة الصواريخ قصيرة المدى تفرض نشرها قرب خطوط التماس، ما يثير إشكالات تتعلق بالقيادة والتحكم؛ إذ كلما اقترب السلاح النووي من الجبهة، زاد الضغط لاتخاذ قرارات سريعة في ظروف قتالية صعبة، وهو ما يطرح معضلة "الاستخدام أو الفقدان"، أي الخشية من فقدان السلاح إذا لم يُستخدم مبكرًا، لأن وجود هذه المنظومات على خطوط التماس يُسهِّل على الخصم توجيه ضربات استباقية لتعطيلها.
"كلما اقترب السلاح النووي من الجبهة، زاد الضغط لاتخاذ قرارات سريعة في ظروف قتالية صعبة"
على الجهة الأخرى، تتمسك الهند بعقيدة نووية تقوم على عدم التمييز بين الاستخدام التكتيكي والاستراتيجي، ووفق هذا المنطق، فإن أي استخدام لسلاح نووي ضد قوات هندية، حتى لو كان محدودًا أو داخل الأراضي الباكستانية، يُعد هجومًا نوويًا يستدعي ردًا واسع النطاق. هذا الموقف يُحوِّل "نصر" -من منظور ناقديه- إلى سلاح يصعب استخدامه فعليًا دون الانزلاق إلى حرب نووية شاملة، بما بتوافق بشكلٍ ما مع رؤية القيادة الباكستانية، التي تنظر إلى "نصر" بوصفه سلاح سلام قادر على إقناع الهند بالتروِّي قبل اتخاذ قرار مندفع.
لا يعني إعطاء باكستان أولوية لبرنامج الصواريخ الباليستية أنها تجاهلت سلاحها الجوي، فقد تعاملت معه بمنطق ترتيب الأولويات؛ إذ سعت أولا إلى تحقيق حدٍّ كافٍ من الردع عبر حلول قابلة للتنفيذ بوتيرة أسرع وكلفة أقل، قبل الانتقال تدريجيا إلى بناء قدرات جوية أعقد.
في هذا الإطار، يبرز دور المقاتلة متعددة المهام "جيه إف-17 ثاندر"، ثمرة التعاون الدفاعي بين بكين وإسلام آباد، فهي ليست مجرد طائرة صينية بِيعت لباكستان، بل منتج مشترك بين شركة "تشنغدو" الصينية ومجمع الطيران الباكستاني، يُجمَّع ويُنتَج محليًا بدرجة مرتفعة من التوطين، بما يسمح بامتلاك باكستان أسطولًا جويًا لا يعتمد تشغيله على إذن خارجي أو سلاسل إمداد يمكن قطعها في لحظات التوتر.
"جيه إف-17 ثاندر ليست مجرد طائرة صينية بِيعت لباكستان، بل منتج مشترك ينطوي على درجة عالية من التوطين"
بهذا المنطق, تؤدي المقاتلة ثلاث وظائف متوازية. أولًا، ساهمت في تقليص الفجوة الكمية مع الهند عبر توفير منصة منخفضة الكلفة نسبيًا؛ إذ تتراوح تكلفتها بين 25-50 مليون دولار للوحدة، مقارنةً بنحو 125 مليون دولار لطائرة رافال الفرنسية، التي يعتمد عليها سلاح الجو الهندي في المهام الحرجة والنوعية، ما أتاح لباكستان الحفاظ على أسطول حديث يمكن لاقتصادها تحمُّله.
ثانيًا، منحت المقاتلة إسلام آباد قدرًا من التحرر من الضغوط السياسية المرتبطة بالتسليح الغربي في ظل اعتمادها على شريك أثبت استمرارية الإمداد حتى في الأوقات الحرجة. وأخيرًا، أسهمت "جيه إف-17" في بناء قاعدة صناعية وبشرية محلية من خلال تدريب كوادر هندسية على تقنيات الطيران.
طائرة مقاتلة تابعة للقوات الجوية الباكستانية من طراز "جيه إف-17 ثاندر" (غيتي)أما الأهم فهو قدرة هذه المقاتلات على إثبات فعاليتها عمليا، وقد برز ذلك مع اندلاع المواجهة الجوية بين باكستان والهند في مايو/أيار 2025، حين دفعت دلهي بنحو 72 مقاتلة، بينها طائرات رافال فرنسية، لتنفيذ ضربات داخل الأراضي الباكستانية، وردَّت إسلام آباد بنشر 42 مقاتلة، في مقدمتها "جيه إف-17" و"جيه-10″، المُزوَّدتين بصواريخ جو-جو بعيدة المدى.
ووفق ما أعلنته باكستان، أسفرت المعركة -التي استمرت لأكثر من ساعة وعلى مسافات تتجاوز مدى الرؤية البصرية- عن إسقاط خمس مقاتلات هندية، ورغم النفي الأولي من دلهي، فقد عُثر على حطام طائرة رافال في ولاية بنجاب الهندية، فيما أشار مسؤولون هنود لاحقا إلى وقوع خسائر دون تحديد عددها.
ورغم ما مثَّله الأداء القتالي للطائرات الباكستانية من مفاجأة لكثير من المحللين الغربيين، في ظل التفوق العددي والتقني النسبي للأسطول الهندي، لا سيما مع وجود الرافال الأكثر تطورا نظريا في جوانب عدة، فإن التفسير لا يرتبط بتفوق منصة بعينها بقدر ما يرتبط بطبيعة التشغيل.
"نجاح سلاح الجو الباكستاني يُعزى إلى وجود سلسلة قتل متكاملة، تربط بين الرادارات الأرضية وطائرات الإنذار المبكر والمقاتلات والصواريخ ضمن منظومة موحدة"
إذ يعزو مايكل دام، الباحث في معهد ميتشل لدراسات الفضاء، نجاح سلاح الجو الباكستاني إلى قدرته على بناء "سلسلة قتل" متكاملة، تربط بين الرادارات الأرضية وطائرات الإنذار المبكر والمقاتلات والصواريخ ضمن منظومة موحدة. وبعبارة مبسطة، لم يعد الإطلاق قرار الطيار وحده، بل نتيجة تنسيق بين مستويات عدة، تتضمن منصة ترصد وأخرى تقرر وثالثة تنفذ ورابعة توجه، ما يرفع دقة الإصابة ويقلل زمن الاستجابة.
في المقابل، واجه سلاح الجو الهندي تحديا بنيويا مرتبطا بطبيعة أسطوله الهجين، الذي يجمع منصات روسية وفرنسية وإسرائيلية ومحلية، وهو ما يُصعِّب دمجها ضمن شبكة تشغيل واحدة بالكفاءة نفسها، بما يعد درسا في كيفية حسم المعارك الجوية، الذي لا يعتمد على المواصفات التقنية لكل منصة على حدة فحسب، بل وعلى مستوى التكامل بين الأنظمة ونمط التدريب والعقيدة القتالية، وهو تحديدا ما راهنت عليه باكستان عند بنائها منظومة متجانسة، يمكن إدامتها محليا وتشغيلها بكفاءة قتالية مرتفعة.
وإذا كان الجو ميدان منع الضربة الأولى، فإن البحر في التفكير الاستراتيجي الباكستاني يمثل ميدان منع الاختناق؛ أي حماية الموانئ وخطوط الملاحة، وضمان تدفق الطاقة والتجارة، وتقليل قابلية التعرض للضغط البحري الهندي في أوقات الحرب والأزمات.
وهذا التفكير أيضا وليد ضربة 1971 كما أشرنا؛ حيث فرضت البحرية الهندية آنذاك حصارا على موانئ باكستان الشرقية، وهاجمت الساحل الغربي مستهدفة منشآت حيوية حول كراتشي (المنفذ البحري الرئيسي للبلاد)، ما أسهم في عزل جناحي الدولة وتسريع الهزيمة.
كما تكرر التهديد في أزمة "كارغيل" عام 1999، حين حرَّكت الهند أسطولها نحو بحر العرب، في إشارة واضحة إلى قابلية خنق كراتشي مجددا. ومنذ ذلك الحين، يُنظر إلى المدينة في الحسابات الباكستانية بوصفها نقطة قابلة للاختناق، حسبما يذكر أندرو سمول، مدير برنامج آسيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
"تدور العقيدة الباكستانية في البحر حول رفع كلفة أي محاولة لفرض الحصار إلى مستوى يجعلها غير مُجدية"
انطلاقا من هذه الخبرات، تبلورت عقيدة بحرية باكستانية تقوم على مبدأ واقعي لكنه بسيط، يتفق وإمكانات باكستان الاقتصادية، وهو أن الهدف ليس تحقيق السيادة البحرية الكاملة، بل رفع كلفة أي محاولة لفرض الحصار إلى مستوى يجعلها غير مُجدية. ولتحقيق ذلك، اتَّبعت إسلام آباد 3 مسارات متوازية. الأول بناء أسطول سطحي متوسط ومتعدد المهام، بدلا من السعي إلى حيازة حاملة طائرات أو مدمرات ثقيلة، فقد ركزت باكستان على فرقاطات قادرة على أداء مهام الدفاع الجوي ومكافحة الغواصات والاعتراض ضمن نطاق عملياتي محدود لكن فعَّال.
وقد تنوعت الشراكات في هذا المجال مع الصين وتركيا؛ إذ بُنيت فرقاطات "ذو الفقار" وزوارق هجوم سريع بالتعاون مع بكين، فيما يجري تطوير فرقاطة من طراز "جناح" بتصميم مشترك مع أنقرة، مع التركيز على توطين قدرات البناء والصيانة داخل أحواض كراتشي، بما يضمن استمرارية التشغيل تحت أي ظرف.
السفينة البحرية الباكستانية "أسلات" من فئة "ذو الفقار" تشارك في مناورات "أمان-19" البحرية متعددة الجنسيات في بحر العرب بالقرب من مدينة كراتشي الباكستانية الساحلية في 11 فبراير/شباط 2019 – غيتي إيمجز
في الوقت ذاته، تعمل إسلام آباد على تعزيز سلاح الغواصات بوصفه أداة الردع الأكثر فاعلية في بيئة بحرية غير متكافئة. فالغواصات، بحكم طبيعتها، يصعب كشفها وتعقبها، بما يضمن توجيه ضربة ثانية؛ أي وجود بديل قادر على الرد في حالة تضرر الأسطول السطحي، كما أن قدرتها على التخفِّي تجعل أي محاولة لفرض حصار محفوفة بتهديد دائم. وقد بدأت باكستان مراكمة هذه القدرة بغواصات "أغوستا" الفرنسية، وتتجه حاليا إلى توسيعها عبر غواصات "هانغور" الصينية، فضلا عن تطويرها نسخة بحرية من صاروخ كروز "بابور" قابلة للإطلاق من الغواصات، ما يعني امتلاكها ساقا بحرية من الردع النووي.
"تعمل باكستان على إعادة توزيع الجغرافيا البحرية نفسها عبر تطوير ميناء غوادر ليصبح بديلا استراتيجيا لكراتشي"
أما المسار الثالث، فيرتبط بإعادة توزيع الجغرافيا البحرية نفسها، عبر تطوير ميناء "غوادر" ليصبح بديلا استراتيجيا لـ"كراتشي"، فوجود ميناء واحد رئيسي يمثل نقطة ضعف هيكلية، ومن هنا جاء الاستثمار في غوادر، الواقع غرب كراتشي وبعيدا نسبيا عن مسرح المواجهة التقليدي.
(الجزيرة)وبهذا, تعكس الإستراتيجية البحرية الباكستانية المنطق ذاته الذي حكم خياراتها الجوية والصاروخية، حيث الاعتماد على منصات متوسطة قابلة للإدماج، ذات كلفة أقل نسبيا، لكنها قادرة على إحداث أثر ردعي مرتفع. والهدف ليس مضاهاة البحرية الهندية، بل جعل أي محاولة للهيمنة البحرية مكلفة ومعقدة، بما يضمن بقاء خطوط الإمداد مفتوحة.
تُقدم التجربة الباكستانية إذن نموذجا مختلفا عن النماذج الكلاسيكية للقوة العسكرية. فهي ليست قوة صناعية عظمى تبني ترسانتها من فائض الثروة، وليست في الوقت ذاته مستوردا هشا يعتمد كليا على الخارج، بل تمثل حالة وسطى، فهي دولة بنت قدرا من الاستقلال وصاغت قوتها بهدف تجنب الهزيمة لا تحقيق الهيمنة.
والمفارقة أن هذه الدولة، التي خضعت يوما لقيود صارمة على التسليح ووجدت نفسها رهينة قرارات الحظر الخارجي، أصبحت اليوم محل اهتمام قوى كبرى تسعى إلى الشراكة مع صناعتها الدفاعية، لا سيما في ظل قدرتها على تقديم منظومات منخفضة الكلفة وقابلة للتكامل مع احتياجات شركاء آخرين.
وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الولايات المتحدة نفسها تنظر إلى باكستان بوصفها شريكا صناعيا محتملا يمكن توظيف قدراته الإنتاجية لتقليل التكاليف, إلى جانب استخدام هذه الشراكة كأداة لموازنة النفوذ الصيني المتزايد داخل قطاعها الدفاعي، بدل ترك المجال لبكين لتشكيل هذا السوق منفردة. بما يعني أن واشنطن ترغب في ترجمة التقارب السياسي الراهن مع إسلام آباد إلى علاقات عسكرية محسنة ضمن جهودها الأوسع لمزاحمة بكين واحتوائها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة