آخر الأخبار

على حافة الموت.. طريق الأقدمين "الشاق" إلى بيت الله الحرام

شارك

"سمعتُ مخاوف الناس من هجوم البدو؛ اليوم قتلوا أحد الحجاج وأخذوا 40 ليرة، وفي حضوري جاء جندي وأبلغ الضابط أن رفيقه الذي راح معه من جدة إلى مكة قتلوه بالحجارة"

بواسطة (عبد العزيز دولتشين: الحج قبل مائة سنة)

رحلة الذاهب فيها مفقود، والعائد منها مولود؛ لم تكن هذه العبارة مجرد مثل يتناقله الأقدمون، بل كانت تجسيدًا حيًّا لرحلة الحج عبر التاريخ؛ حيث كان الطريق إلى بيت الله الحرام أشبه بالسير في ممر الموت. بين سيوف قطاع الطرق التي تتربص بالخائفين، ورياح السموم التي تقبض الأنفاس، وأوبئة فتاكة تحصد الآلاف في منى وعرفات، كان الطريق إلى مكة مغامرة يودع فيها الحاج أهله وماله، ويكتب وصيته بدموعه، ليخوض غمار فيافي وصحاري وجحيم وبحار لا ترحم، في زمن كانت فيه العبادة تشترى بالمهج والأرواح.

المجهول شبح الطريق

ولعل ما سطره الرحالة المسلمون الأقدمون بخصوص رحلة الحج قديمًا يكشف لك ألوانًا من المشقة والعنت التي لا تكاد تخطر على بال؛ فلئن كان قطاع الطرق والأمراض الفتاكة أخطر ما يواجه الحجيج من كل أصقاع العالم وقتئذ، فإن ظلم بعض السلطات الحاكمة في طرق عبور الحجاج كان عبئًا فوق الأعباء والمخاطر الأخرى.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 خطة تركيا للهروب من الفخ الإسرائيلي في شرق المتوسط
* list 2 of 2 المعركة الأهم في الحرب.. هل تنجح روسيا في اختراق "حزام الحصون" الأوكراني؟ end of list

يروي ابن جبير الأندلسي الذي ذهب في رحلته من الأندلس في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي يوم كانت مصر وبلاد الحجاز تحت حكم الفاطميين، ما كان يقوم به موظفوهم وعمالهم في الموانئ والثغور، وما يفرضونه على الحجاج من ضرائب مرهقة، وإهانة لمن لا يقدر على دفعها.

يقول عن ذلك: " كان الحجاج يلاقون من الضغط في استيدائها عنتا مجحفًا ويسامون فيها خطة خسف باهظة. وربما ورد منهم من لا فضل لديه على نفقته أو لا نفقة عنده فيلزم أداء الضريبة المعلومة، وكانت 7 دنانير ونصف دينار من الدنانير المصرية على كل رأس، ويعجز عن ذلك، فيتناول بأليم العذاب بعيذاب (في أقصى الجنوب الشرقي لمصر على ساحل البحر الأحمر). وكان بجدة أمثال هذا التنكيل وأضعافه لمن لم يؤدِّ مكسه (ضريبته) بعيذاب، ووصل اسمه غير معلم عليه علامة الأداء".

"فرض الفاطميون على الحجاج ضرائب مرهقة، وأهانوا وعذبوا كل من لم يقدر على دفعها"

رغم التنظيم الجغرافي والمناطقي لقوافل الحاج عبر أقطار العالم الإسلامي شرقًا وغربًا؛ والتي كانت مؤمنة بفرقة عسكرية تحرسها وتذلل لها العقبات، فإن مصاعب الطريق ومصائبه لم تكن تنتهي أبدًا، ولعل أخطرها على الإطلاق "قطاع الطرق".

إعلان

يروي البريطاني جوزيف بتس الذي أسره رجل جزائري في القرن الثامن عشر الميلادي، ثم أخذه معه إلى الحج ودون هذه الرحلة في كتاب مهم، يروي أنه تعرض إلى هجوم من هؤلاء اللصوص في نهر النيل قائلًا: "لا يخلو نهر النيل من اللصوص الذين ينهبون القوارب، وهم يكثرون في هذا الوقت من العام لكثرة عدد الحجاج الذين يتخذون طريقهم مبحرين في النيل من رشيد للقاهرة، ويعلم اللصوص أن الحجاج يحملون معهم مبالغ مالية، وقد اعترانا الخوف من مهاجمتهم لنا، لكننا عندما أطلقنا النار من أسلحتنا ولوا هاربين" .

مصدر الصورة يقول البريطاتي جوزيف بتس: "لا يخلو نهر النيل من اللصوص الذين ينهبون القوارب، وهم يكثرون في هذا الوقت من العام لكثرة عدد الحجاج"

كان قطاع الطرق في كل مكان مهجور يتربصون بالحجاج أينما كانوا وحيثما وجدوا، ولم يسلم منهم كبار القوم وعليتهم، فضلاً عن صغار الحجاج، والتاريخ يعطينا أمثلة لا تحصى من الحوادث المؤلمة التي تعرض فيها قطاع الطرق للحجاج، وإنك لتجد المؤرخ والمحدث ابن الجوزي في القرن الثاني عشر الميلادي في تاريخه "المنتظم" يدون في العديد من السنين عدم مجيء الحجاج من مشرق العالم الإسلامي، وهم ركب الحاج الخرساني الذي كان يأتي من وسط آسيا عبر إيران ومنها إلى بغداد في العراق ثم إلى البصرة ومنها إلى الجزيرة العربية، قائلا: "لم يحج الناس في هذه السنة من خراسان والعراق لانقطاع الطرق، وزيادة الاضطراب".

من أمثلة ذلك أيضا ما وقع لقافلة الحجاج المدنيين الخارجين من المدينة المنورة إلى مكة المشرفة، والمسافة بينهما قريبة لا تقارن بالحجاج القادمين من المغرب أو الهند أو أدغال أفريقيا، ومع ذلك فقد تعرضت هذه القافلة لانتهاب العربان سنة 982هـ، "فكان موقفًا شنيعا، ومنظرًا قبيحا، وقع فيه قتل وسلب وطعن وضرب".

"لصوص الطرق كانت لهم مكامنهم المعروفة في طريق الحجاج ومنها منطقة العلا التي تبعد عن المدينة المنورة 300 كم تقريبا"

ويبدو أن لصوص الطرق كانت لهم مكامنهم المعروفة في طريق الحجاج، فأبو البركات السويدي صاحب "النفحة المسكية في الرحلة المكية" والتي دونها سنة 1157 هـ/ 1744 م أشار إلى منطقة العلا التي تبعد عن المدينة المنورة 300 كم تقريبًا، وإلى خطورة هذه المنطقة على الحجاج في زمنه قائلًا: "وأهل العلا صورهم قبيحة لا دم في وجوههم، وقد شاع عند الحجاج أنهم يتجرأون على قتل الإنسان ونهب أمواله".

ويستدرك السويدي هذه الصورة قائلا إن ذلك ليس بصحيح، بل الذي يفعل ذلك "عرب عنزة، يستخفون بين النخيل والأشجار، فإذا مر بهم الحاج المنفرد قتلوه وسلبوه، وأما أهل العلا فلا يخرجون من بيوتهم إلى خارج القرية إلا القليل، خوفًا على أنفسهم من عسكر الحاج، فتبقى الحدائق خالية من الناس، فتأتي الأعراب فيكمنون فيها ويفعلون القبائح، فيظنهم الذي لا علم له ولا خبرة أنهم أهل العلا، حاشا لله، فهم قوم مسلمون يقيمون الجمعة والجماعات، ويؤون من انقطع من الحجاج".

وحتى فاتحة القرن العشرين ظل قطاع الطرق عبر تلك القرون المتوالية شوكة في حلق الحجاج، ومصيبة أضحت أقصوصة في أرجاء البلدان شرقًا وغربًا، ففي سنة 1899م جاء الرحالة والعسكري الروسي عبد العزيز دولتشين لأداء فريضة الحج، والقيام برحلة استخبارية للجيش الروسي عن المسلمين الروس في مواسم الحج ومدى تأثرهم بأفكار الوحدة الإسلامية وتقبلهم لدور السلطان عبد الحميد في ذلم الوقت.

إعلان

وقد أشار دولتشين إلى خطورة هؤلاء القطاع على الحجاج، يقول: "سمعت بين الناس شتى الإشاعات والمخاوف عن هجوم البدو؛ اليوم سلبوا أحد الحجاج 5 ليرات، وقتلوا آخر وأخذوا 40 ليرة، في حضوري جاء جندي وأبلغ الضابط أن رفيقه الذي راح معه من جدة إلى مكة قتلوه بالحجارة".

"علامة الشام محمد بهجت البيطار تعرض في سفره للحجاز سنة 1910م إلى سطو أُخذ على إثره ماله وثيابه"

بل إن علامة الشام محمد بهجت البيطار تعرض في سفره للحجاز سنة 1910م إلى سطو أُخذ على إثره ماله وثيابه، يقول في رسالته لأحد الأمراء في الجزيرة العربية: "لم يكن يخطر في بال السيد ولا في بالي ما لاقيته في السفر من المتاعب، وما قاسيته من الأهوال والشدائد. وأول ما صادفنا عصابة شقية، من بني عطية، سلبتنا نقودنا وثيابنا وزادنا، وسلبوني مقدار 50 جنيهًا ذهبيًّا، عدا ثيابي وزادي، وأصبحت نفقتي على حساب رفيقي وأخي في الله تعالى شلاش، جزاه الله خيرًا".

مصدر الصورة أشار دولتشين إلى خطورة قطاع الطرق على الحجاج (مواقع التواصل)

شربة الماء الغالية

تصف رحلة ابن رشيد الفهري للحج في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي ضمن أخطر التحديات التي واجهت حجاج تلك العصور، والتي تمثلت في قلة المياه، يقول: "ومن تبوك يرفع المال إلى العلا، وما بينهما أشق شيء في الطريق وأقله ماء؛ لأنه ليس فيه ماء أصلي سوى بئر بوادي الأخضر قل أن يفي بالركب، وقد هلك فيه في بعض الأوقات خلق كثير وعدد كبير" .

ظلت مشكلة قلة المياه في طريق الحجيج حتى فاتحة القرن العشرين، بل إن تمكن الحجاج من الوصول إلى المشاعر المقدسة لا ينهي هذه المشكلة التي تظل تطارد الآلاف منهم في ذلك الموقف العظيم، فيرصد الذهبي في "تاريخ الإسلام" أنه في عام 164هـ/781م "اشتد عطش الحجيج حتى عاينوا التلف".

وقد ذكرها أيضًا الرحالة والعسكري الروسي عبد العزيز دولتشين في رحلته التي جمعت بعد ذلك في كتاب "الحج قبل مئة عام"؛ فقد روى مشاهد بالغة الصعوبة في طريق الحج من جدة على البحر الأحمر إلى مكة المشرفة، ولا سيما قلة المياه وأثرها على الحجاج، يقول عقب خروجه من جدة قاصدًا مكة: "نسير منذ خمس ساعات، أنا ملتف بثوب الإحرام، مكشوف الرأس؛ أخذ عطش رهيب يعذبني، جف فمي كله، لا أستطيع تحريك لساني".

"ظلت مشكلة قلة المياه في طريق الحجيج قائمة حتى فاتحة القرن العشرين"

ومن الأسباب الأخرى التي كانت تؤدي إلى موت الحجاج والمعتمرين شدة الحر في طرق الجزيرة العربية الموصلة لمكة والمدينة، وعُدَّ هذا الأمر شائعًا ومعروفًا بين الحجاج على مر العصور، فالعياشي في رحلته للحج والمعروفة بـ"ماء الموائد" والتي كانت سنة 1072هـ يقول عن حجاج الشام وما لاقوه في طريقهم إلى المدينة النبوية: "نزل الركب الشامي (المدينة) ليلة السبت، ولقوا من الحر في الطريق شدة عظيمة كالذي وقع للمصري قبلهم أو أشد، فماتت منهم جملة كثيرة في الطريق، وجملة بعدما وصلوا إلى المدينة" .

كانت شدة الحر هذه سببًا في ضيق الناس، وقيام بعض الشجارات التي تحول بعضها إلى مأساة، فالرحالة والمستكشف البريطاني ريتشارد بيرتون الذي زار المدينة المنورة وقضى موسم الحج تحت اسم مستعار سنة 1853م يروي في رحلته معاناة الحجاج وبعض المآسي التي رآها من جراء لفحات حر الجزيرة.

يقول: "كانت رياح السموم -كالمعتاد- تهب بقسوة، وراحت تؤثر في أمزجة المسافرين، ففي أحد الأماكن رأيت تركيًّا لا يستطيع النطق بكلمة عربية واحدة، يتجادل بعنف مع عربي لا يستطيع أن يفهم كلمة تركية واحدة، والحاج التركي يصر على تحميل الجمل -بالإضافة لحمله- بضعة أعواد من الحطب لاستخدامها كوقود للطبخ، ويقوم الجمال بقذفها تخلصًا من الحمل الزائد، فيتعاركان بعنف، ويدفع أحدهما الآخر، وأخيرًا وجه التركي لطمة قوية للعربي، وقد سمعت بعد ذلك أن الحاج التركي جُرح جرحًا مميتًا في تلك الليلة، فقد شُق بطنه بخنجر، ولما سألت عن مصيره، علمت أنه كُفن بارتياح كامل، ودُفن في قبر لم يُحفر جيدًا، وهو ما يحدث -بشكل عام- للبؤساء والذين يسافرون فرادى".

"كانت رحلة الحجاج المصريين تستغرق 40 يوما أو أكثر للذهاب فقط، فيما كانت رحلات الحجاج من المغرب الأقصى وغرب أفريقيا وجنوب شرق آسيا تستغرق شهورا طويلة"

ولم يكن غريبًا أن يموت عشرات بل مئات وربما الآلاف من الحجاج في سبيل وصولهم إلى المشاعر المقدسة في تلك الأزمنة التي انعدمت فيها وسائل المواصلات والاتصالات الحديثة، والتي بلغ طول الرحلة فيها حدًّا مزعجًا، فعلى سبيل المثال، يحسب الرحالة البريطاني بتس المدة الزمنية من مكة إلى مصر في طريق العودة من الحج بـ 40 يومًا، وذلك في أثناء القرن الثامن عشر الميلادي ، فما بالنا بحجاج المغرب الأقصى وغرب أفريقيا وتركيا والهند وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا وغيرهم من القادمين من البقاع البعيدة التي كانت تصل مدة السفر لبعضهم إلى ستة أشهر أو تزيد في الذهاب ومثلها في الإياب.

صراع بين جنبات الحرم

لم تكن مصاعب الحج ومخاطره في طرق الحج ذهابًا وجيئة فقط، وإنما في مكة نفسها إذ طالما تعرض الحجاج إلى خطر السرقة أو اختلاف الفرق العسكرية القادمة مع قوافل الحج وتقاتلهم دون اعتبار لحرمة المكان والزمان، أو حتى بين الأشراف الذين كانوا يحكمون الحجاز في أغلب فترات التاريخ الإسلامي وإن دانوا بالطاعة للدول الكبرى التي حكمت المنطقة العربية.

إعلان

ولعل أعظم مأساة تعرض لها الحجاج في عصر العباسيين كانت هجوم القرامطة على مكة المكرمة سنة 317هـ، ذلك الهجوم الذي نجم عنه مقتل 30 ألفًا من أهل مكة وحجاجها، وسرقة الحجر الأسود الذي ظل القرامطة مستولين عليه مدة 19 عامًا، فقد جاء أبو طاهر القرمطي زعيم هذه العصابة "فقتل الحجاج قتلاً ذريعًا في المسجد وفي فجاج مكة، وقتل أمير مكة ابن محارب، وقلع باب الكعبة، واقتلع الحجر الأسود وأخذه إلى هجر، وكان معه 900 نفس، فقتلوا في المسجد 1700، وصعد على باب البيت وصاح: أنا بالله وبالله أنا، يخلق الخلق وأفنيهم أنا. وقيل إن الذي قُتل بفجاج مكة وظاهرها زهاء 30 ألفًا، وسبى من النساء والصبيان نحو ذلك، وأقام بمكة ستة أيام ولم يحج وقتها أحد".

"أعظم مأساة تعرض لها الحجاج في عصر العباسيين كانت هجوم القرامطة على مكة المكرمة سنة 317هـ، ذلك الهجوم الذي قتل فيه 30 ألفًا من أهل مكة وحجاجها"

ولم تغب الخلافات بين خلفاء وملوك العالم الإسلامي في ذلك الموقف، بل وبين الأشراف حكام الحجاز ومكة في القلب منها وبين القوات العسكرية التي كانت تأتي مصاحبة لقوافل الحج من القاهرة أو دمشق أو اليمن، ففي سنة 619هـ/1223م "حج خلق كثير لكونها وقفة الجمعة، وازدحم الناس بمكة حتى مات جماعة"، وكان من أغرب المواقف الاحتكاك الذي جرى بين قافلة الحج اليمنية التي كانت تابعة للدولة الأيوبية وقتها وبين القافلة العراقية التابعة للخلافة العباسية.

يقول الذهبي نقلاً عن ابن الجوزي في تاريخه: "حج من اليمن صاحبها الملك المسعود ابن الكامل في عسكر عظيم، ومنع علم الناصر لدين الله (الخليفة العباسي) أن يصعد الجبل، وأصعد علم أبيه (الكامل الأيوبي)، ولبس السلاح وقال لجنده: إن أصعدوا علم الخليفة فاكسروه. وقد حكى لي شيخنا جمال الدين الحصيري قائلا: رأيته وقد صعد على قبة زمزم وهو يرمي حمام مكة بالبندق، ورأيته غلمانه يضربون الناس بالسيوف في أرجلهم في المسعى ويقولون: اسعوا قليلاً قليلاً، فإن السلطان نائم سكران في دار السلطنة التي في المسعى، والدم يجري على ساقات الناس".

وعلى سبيل المثال أيضا، ثمة صدام عنيف وقع بين الأشراف حكام مكة وقوات المماليك التي جاءت مع ركب الحاج المصري سنة 743هـ/1342م لمخالفة الأشراف لبعض أوامر القائد العسكري المملوكي، وترتب على ذلك قيام معركة في أيام الحج، وبسببها فإن أكثر الحجاج "لم يعتمروا ولم يطوفوا طواف الوداع خوفًا على أنفسهم، وتعرف هذه السنة بسنة المظلمة".

مصدر الصورة وقعت العديد من المآسي في الحج بسبب خلافات الأمراء والقادة العسكريين (مواقع التواصل)

وتكررت المأساة سنة 812هـ/ 1410م حين أصدر السلطان المملوكي في القاهرة مرسومًا بعزل أمير مكة الشريف حسن بن عجلان الذي رفض تنفيذ الأمر، وبسبب ذلك ارتكب أمير الحج المصري الذي استصحب معه آلات عسكرية ثقيلة "مشاجرة عظيمة، أفضت إلى قتله بعض الحجاج ونهبهم غير مرة، ولم يحج بسبب ذلك من أهل مكة إلا اليسير".

بل إن أبا الطيب الفاسي مؤلف كتاب "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام" كان من جملة حجاج ذلك العام، وروى مأساة أخرى بسبب اختلال الأمن، فحين توجه الناس من عرفة إلى منى للمبيت بها ورمي الجمرات تعرض لهم قطاع الطرق واللصوص "ونهبوهم وقتلوهم وجرحوهم، وذلك في ليلة النحر"، ويضيف: "ولم نستطع أن نبيت بالمزدلفة إلى الصباح، فرحلنا منها بعد أن أقمنا بها مقامًا تتأدى به السنة".

"كان للأوبئة والأمراض نصيبها من الفتك بحجاج بيت الله الحرام"

بعيدا عن الصراعات السياسية والعسكرية، كان للأوبئة والأمراض نصيبها من الفتك بحجاج بيت الله الحرام. ففي تلك الأزمنة لم تفرض السلطات الحجر الصحي والتعقيم على الحجاج القادمين من كل فج، وكان لذلك آثاره الخطيرة والمميتة على حياتهم، وحين حاولت السلطات العثمانية إقامة الحجر الصحي سنة 1812م حيث أنشأت مستشفى لهذا الغرض، رفض البدو أصحاب الجمال والحمالين هذا الإجراء الذي يعطلهم ويقلل من أرباحهم في موسم الحج؛ ولأجل ذلك هاجموا تلك المستشفى ودمروها، بل قتلوا وأصابوا عددًا من القناصل الأوروبيين الذين وقفوا وراء ذلك المقترح الصحي وعلى رأسهم القنصل البريطاني.

مصدر الصورة كان انتشار الأمراض الوبائية والمعدية شائعًا بين الحجاج بسبب ضعف الإجراءات الصحية (مواقع التواصل)

لذلك كان انتشار الأمراض الوبائية والمعدية شائعًا بين الحجاج، ففي سنة 1892م تطابق وباء الكوليرا مع موسم الحج وكان رهيبًا، لدرجة أن "كان الموتى متمددين مجموعات كبيرة متراصة، ولم يتسن الوقت لدفنهم، بدأت الوفيات بأعداد كبيرة في عرفات، وبلغت أوجها في منى".

إعلان

لا يقارن مجهود الحج في عصرنا هذا بما واجهه الناس عبر أزمنة طويلة من مصاعب ومآسٍ لا تحصى، بعضها دونه التاريخ وسجله، وأكثرها غاب مع من غيبهم الموت في طريقهم إلى الحج وما أكثرهم، من أجل ذلك أطلق الناس مثلاً سائرًا على حجاج بيت الله حينذاك، وسار إلى اليوم صدى من آثار تلك الصعاب: "الذاهب مفقود والعائد مولود".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا