في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في تقرير ميداني للمبعوث الخاص لمجلة لونوفيل أوبس ديمتري كريي من القدس، تتكشف صورة إنسانية قاسية لما يجري في بلدة سلوان في القدس الشرقية، حيث يواجه مئات الفلسطينيين خطر فقدان منازلهم في سياق سياسة توسع استيطاني مدعومة حكوميا.
التقرير يسلط الضوء على أوامر هدم شملت نحو 150 منزلا فلسطينيا، في منطقة يسكنها حوالي 60 ألف نسمة، بالتوازي مع مشاريع تهدف إلى توسيع ما يسميه الإسرائيليون: "مدينة داود" الأثرية، وإحلال مستوطنين إسرائيليين مكان السكان الأصليين.
ويصف التقرير مشهدا يوميا مأساويا، حيث تهدم الجرافات منازل عمرها عقود، وتُجبر عائلات على الرحيل، ثم يرفع مستوطنون الأعلام الإسرائيلية فوق البيوت المصادرة.
هذه التحولات لا تجري في فراغ، وفقا للمراسل، بل ضمن إطار قانون سنّه الإسرائيليون يسمح لليهود بالمطالبة بممتلكات تعود إلى ما قبل عام 1948، في حين يواجه الفلسطينيون صعوبات أو استحالة في الحصول على تراخيص بناء.
ومن أبرز الشهادات التي يوردها التقرير قصة أمين جلاجل، البالغ من العمر 62 عاما، الذي تلقى أمرا بهدم منزله الذي وُلد فيه، ويعلق على ما يحدث قائلا: "يقولون إننا لا نملك تصريح بناء… لكنني وُلدت في هذا البيت!".
عائلة جلاجل، التي كانت تملك ستة منازل في الحي، لم يتبقَّ لها سوى منزل واحد يؤوي اليوم 96 فردا من عدة أجيال بعد هدم بقية المنازل، ويشرح الرجل المأزق القاسي الذي يواجهونه: "إما أن نهدم منزلنا بأنفسنا، أو ندفع 100 ألف شيكل (نحو 27 ألف دولار) لكي يهدمه الجيش"، في خيار يختزل حجم الإكراه الذي يعيشه السكان.
ولا تقف المعاناة عند فقدان المأوى، بل تمتد إلى ضغوط نفسية ومادية مستمرة، فهذا أحمد، ابن شقيق أمين، يروي كيف دفع غرامة كبيرة بدعوى البناء غير القانوني، قبل أن يتلقى لاحقًا أمرا بهدم منزله، الذي تحول إلى كومة من الركام.
ويؤكد أن العائلة تتعرض لتهديدات متكررة، في حين يحاول مستوطنون شراء ما تبقى من ممتلكاتهم بمبالغ مالية ضخمة، في محاولة لتسريع عملية الإخلاء.
لا يهتمون بصحتي ولا بصحة أمي ولا بحاجة أطفالي إلى مأوى… كل ما يهمهم هو أن يعيش المستوطنون براحة.. لقد حولوا حياتنا إلى جحيم
ومن القصص المؤثرة ما يرويه وسيم صيام، البالغ من العمر 37 عاما، الذي اضطر لهدم منزله بيديه امتثالا لأمر رسمي، فقد كان يعيش هناك مع زوجته وأطفاله الخمسة ووالدته المريضة، قبل أن يتحول المنزل إلى أنقاض.
يقول وسيم: "لا يهتمون بصحتي ولا بصحة أمي ولا بحاجة أطفالي إلى مأوى… كل ما يهمهم هو أن يعيش المستوطنون براحة"، ويضيف بنبرة يائسة: "لقد حولوا حياتنا إلى جحيم".
ويكشف التقرير أن هذه السياسات تسارعت منذ عام 2022، مع صعود حكومة يمينية في إسرائيل، حيث تتزايد عمليات الهدم والاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية. ووفق المعطيات الواردة، ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية خلال عقدين إلى نحو نصف مليون، في حين تستمر الموافقات على بناء مستوطنات جديدة رغم الانتقادات الدولية.
كما يعكس التقرير واقعا يوميا من التمييز، حيث يُمنع الفلسطينيون من استخدام مرافق معينة، بينما تُخصص مساحات وخدمات للمستوطنين، الذين يتحركون أحيانا تحت حماية أمنية. في مشهد رمزي، يروي السكان كيف أصبحت مواقع كانوا يستخدمونها منذ عقود، مثل ينابيع المياه، تحت سيطرة مستوطنين يمارسون فيها طقوسهم الدينية.
ورغم خطورة هذه التطورات، يشير التقرير إلى ضعف الأصوات المعارضة داخل إسرائيل، في ظل دعم سياسي واسع لمشاريع التوسع، واقتراب الانتخابات التشريعية. وبينما يعيش سكان سلوان حالة ترقب دائم، يراقب بعضهم مداخل منازلهم عبر كاميرات خوفًا من وصول الجرافات في أي لحظة.
في المحصلة، يرسم التقرير صورة حيّة لسياسة "المحو الصامت"، حيث يُدفع السكان الفلسطينيون تدريجيا إلى مغادرة أراضيهم، ليس فقط عبر القوة المباشرة، بل أيضًا عبر الضغوط القانونية والاقتصادية والنفسية، في واقع يهدد بتغيير الطابع الديمغرافي والتاريخي للمدينة.
المصدر:
الجزيرة