تواصلت سلسلة انسحابات القوات الحكومية المالية أمام المتمرّدين المسلحين في شمال البلاد؛ حيث أفاد متحدث باسم "جبهة تحرير أزواد" لوكالة الصحافة الفرنسية، بأن الجيش المالي وعناصر من "الفيلق الأفريقي" التابع لوزارة الدفاع الروسية، قد سلموا يوم الجمعة معقلاً استراتيجياً آخر للمتمرّدين.
وأوضح المصدر ذاته أن الجيش المالي والفيلق الإفريقي انسحب من قاعدة "تساليت" العسكرية، الواقعة قرب الحدود الجزائرية، دون خوض أي مواجهات، واصفاً هذا الانسحاب بـ "الاستسلام". وتعد قاعدة "تساليت" موقعاً حيوياً نظراً لاحتوائها على مهبط طائرات مجهز لاستقبال المروحيات والطائرات العسكرية الكبيرة.
وتأتي هذه التطورات الميدانية في أعقاب هجوم واسع النطاق شنته "جبهة تحرير أزواد" الانفصالية بالتحالف مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (التي بايعت تنظيم القاعدة في الساحل) ضد مواقع تابعة للمجلس العسكري بقيادة عاصمي غويتا. وخلال أسبوع واحد فقط من بدء هذا الهجوم، تمكن المسلحون من السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية، كما أسفرت الهجمات عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، الذي كان يُعتبر الداعم الرئيسي والأبرز للوجود الروسي في مالي.
في سياق تقييمه لما إذا كانت التطورات الميدانية الأخيرة تؤذن بنهاية الحضور الروسي في مالي، التقت يورونيوز تييري فيركولون - الباحث المتخصص في شؤون أفريقيا جنوب الصحراء بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (المصدر باللغة الروسية) لقراءة المشهد الأمني المتسارع.
يورونيوز: كُشف النقاب مؤخراً عن تعرض "الفيلق الأفريقي" الروسي لهجمات متزامنة في خمس مناطق بالبلاد، بما في ذلك الانسحاب من مدينة كيدال الاستراتيجية والواقعة شمال شرق البلاد. ما الذي حدث بالضبط ولماذا في هذا التوقيت؟
تييري فيركولون: شن المتمردون هجمات منسّقة شملت مدناً رئيسية، ووصلت نيرانها إلى مشارف العاصمة باماكو. الحدث الأبرز هنا هو سقوط مدينة كيدال؛ وهي خسارة معنوية واستراتيجية كبيرة للجيش المالي، إذ كانت تمثل رمزاً لـ "انتصارهم الكبير" حين استعادوها بمساعدة القوات الروسية قبل سنوات. واللافت أنهم فقدوا السيطرة عليها هذه المرة دون خوض معركة حقيقية؛ فقد اختار الجيش المالي، بقيادة الجنرال الهادي آغ غامو، بالتنسيق مع الفيلق الأفريقي، التفاوض على الانسحاب بدلاً من المواجهة، وذلك بعد أن أدركوا أن ميزان القوى العسكري يميل بوضوح لصالح المتمردين.
يورونيوز: هل يمثل التعاون الميداني بين الانفصاليين الطوارق والجهاديين الموالين للقاعدة تحولاً جديداً؟
تييري فيركولون: يمكن القول إن هذا التنسيق هو العامل الحاسم في التطورات الأخيرة. لقد نظمت "جبهة تحرير أزواد" (التي تضم مقاتلي استقلال الطوارق) تحالفاً ميدانياً مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين". هذا التعاون هو السرّ وراء هذا النجاح اللافت؛ فلم يكتفِ هذا التحالف بالاستيلاء على كيدال فحسب، بل نجح أيضاً في قتل وزير الدفاع، ساديو كامارا. إن هذا التنسيق العالي يؤكد أننا أمام جبهة مهمة جدا، وبالمناسبة، هم الآن على تخوم العاصمة باماكو.
يورونيوز: هل فقدت السلطات المالية السيطرة على شمال شرق البلاد؟
تييري فيركولون: لقد فقدت السلطات المالية أكثر بكثير من مجرد السيطرة على شمال شرق البلاد لأن هذه الجماعات كانت في ضواحي باماكو في الواقع منذ العام الماضي. إنهم يتبعون استراتيجية الخنق لأنهم يسيطرون على مختلف الطرق المؤدية إلى العاصمة المالية . وتشير التقديرات إلى أنهم يسيطرون الآن على حوالي 70 في المائة من البلاد، بينما يسيطر المجلس العسكري المالي على جزء صغير فقط.
يورونيوز: ماذا يقول هذا التحالف بين الطوارق والجهاديين عن الوضع السياسي في مالي ؟
تييري فيركولون: لقد تقاربت هاتان القوتان لأن لديهما عدو مشترك، وهو المجلس العسكري المالي. في الأسبوع الماضي، أدلوا بعدد من التصريحات التي أوضحوا فيها أنهم يريدون الإطاحة بنظام الطغمة العسكرية في مالي. كما قالوا أيضًا أن روسيا ليست عدوهم، ولذلك اقترحوا أن تغادر القوات الروسية البلاد - وليس فقط شمال مالي. بمعنى أنهم تركوا للجيش الروسي سبلًا للتراجع.
يورونيوز: أفاد عدد من المصادر الروسية أن "الفيلق الأفريقي" لا يزال يسيطر على كيدال. كيف تطور الوضع خلال الأسبوع الماضي؟
تييري فيركولون: نعم، إذا كنت تصدق وسائل الإعلام الروسية، فهم يقولون أنهم صدوا هجوم الجهاديين والطوارق وأنهم لا يزالون يسيطرون على المراكز السكانية، بعد أن دفعوهم إلى الصحراء، وهذا غير صحيح على الإطلاق. تقوم الدعاية الروسية بتحويل هذه الهزيمة إلى انتصار، ويبدو أنها تتهم عددًا من الدول بدعم المتمردين، بما في ذلك أوكرانيا .
يورونيوز: هل هناك عوامل أخرى تفسر هزيمة القوات الحكومية والمرتزقة الروس في كيدال؟
تييري فيركولون: المشكلة الرئيسية التي تواجهها موسكو هي فهم ما إذا كانت لا تزال لديها القدرة على تحريك القوات المسلحة والقوة النارية لدعم الجيش المالي. من المرجح أن يكون عاصمي غويتا، زعيم المجلس العسكري المالي، قد طلب من روسيا المزيد من المساعدة العسكرية. وسنرى في الأيام القادمة ما إذا كانت قادرةعلى تقديم هذه المساعدات العسكرية أم لا.
يورونيوز: كيف يمكن تفسير هذا الانسحاب؟ وهل يرتبط بإعادة توجيه جميع الموارد نحو أوكرانيا؟
تييري فيركولون: أعتقد ذلك، نعم. وتتمثل المشكلة الرئيسية لموسكو في الحاجة إلى تحرير مواردها لنقلها إلى مالي. نلاحظ أنه منذ تدهور الوضع العسكري في مالي، أي منذ نحو عامين، لم تقم روسيا بزيادة وجودها العسكري هناك. ويبدو أنهم يعملون على حدود قدراتهم، إذ إن خوض حرب على جبهات متعددة يظل أمرًا بالغ الصعوبة.
يورونيوز: قال متحدث باسم الرئاسة الروسية، الخميس، إن روسيا "ستواصل، بما في ذلك في مالي، محاربة التطرف والإرهاب والمظاهر السلبية الأخرى، وستواصل مساعدة الحكومة الحالية".
تييري فيركولون: هذه مجرد تصريحات، وهو يقول إن موسكو ستواصل دعم النظام، وهذا أمر منطقي. لكن السؤال هو: هل ستترافق هذه الأقوال مع أفعال، أي شحنات جديدة من الأسلحة، وقبل كل شيء، انتشار جديد للقوات شبه العسكرية الروسية؟ هذا ما ستكون له أهمية في الأيام المقبلة. وإلا فإن تصريحات المتحدثين الرسميين لا تعني الكثير
يورونيوز: كم عدد مرتزقة الفيلق الأفريقي الموجودين في مالي اليوم؟
تييري فيركولون: التقديرات تتراوح بين 2000 و2500.
يورونيوز: وكم عدد الذين يمكن أن ترسلهم روسيا؟
تييري فيركولون: ليس لدي أي فكرة على الإطلاق. إنه وضع معقد للغاية: إنها في الواقع حرب لا يمكنهم الفوز بها أساسًا. لذلك ربما سيلجأون إلى الوسائل الجوية لقصف المناطق المتمردة كما فعلوا بالفعل. إنها في الأساس حرب لا يمكن السيطرة عليها.
يورونيوز: لماذا؟
تييري فيركولون: لأننا نتحدث عن حرب عصابات في بلد لا تتحصن فيه روسيا حقًا، ولا تعرفه جيدًا ولا تملك فيه الكثير من القدرات الاستخباراتية. هذا ما رأيناه في أفغانستان. لا يمكن كسب هذه الحرب بالوسائل العسكرية وحدها.
يورونيوز: ما هي آفاق الوجود الروسي في مالي، في ضوء التطورات الأخيرة؟ ما هي توقعاتك؟
تييري فيركولون: من الواضح أن هناك عدة سيناريوهات. وفقًا لأحدها، سينهار المجلس العسكري في نهاية المطاف. وكثيرون يفكرون في "الخيار السوري"، حين انقلب الوضع ضد نظام الأسد في غضون أيام واضطرت روسيا إلى التفاوض على سحب قواتها في أقصر وقت ممكن. لذلك يمكننا أن نفترض أنه إذا تكرر هذا السيناريو، فستضطر روسيا إلى الموافقة بسرعة كبيرة على سحب قواتها من مالي، قبل أن يستولي المتمردون على السلطة في باماكو
يورونيوز: ما هو احتمال استيلائهم على باماكو؟
تييري فيركولون: في الوقت الحالي، هذا احتمال كبير جداً، لأن الجماعات الجهادية تمارس منذ العام الماضي ضغطاً مزدوجاً: عسكرياً واقتصادياً. الضغط الاقتصادي يتم من خلال السيطرة على طرق الإمداد في باماكو، وهم يُحكمون الطوق حول العاصمة. يفعلون ذلك في مالي، ولكن أيضاً في بوركينا فاسو. لا أستبعد أن يسقط المجلس العسكري هذا العام.
يورونيوز: منذ أن استقر المرتزقة الروس في مالي والبلدان المجاورة، لم يتحسن الوضع الأمني بحسب نشطاء، بل على العكس تم تسجيل العديد من الهجمات على المدنيين.
تييري فيركولون: المجازر التي ارتُكبت ضد المجتمعات المحلية والمدنيين تم توثيقها من قبل عدد من منظمات حقوق الإنسان، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. ويبدو أن هذه العمليات استهدفت في المقام الأول مجتمعات يُعتقد أنها قريبة من الجماعات الجهادية، مثل الفولاني والطوارق.
يورونيوز: هل يمكن أن نتوقع نفس الشيء في البلدان التي يوجد فيها وجود عسكري روسي: في بوركينا فاسو أو النيجر؟
تييري فيركولون: لا يمكننا الجزم فيفي هذه اللحظة. فالأمر يعتمد على كيفية تطور الحرب. لكن من الواضح أن بوركينا فاسو أيضًا في وضع خطير جدًا، وإذا استولى المتمردون الجهاديون على باماكو، فإن التالي على القائمة سيكون واغادوغو.
المصدر:
يورو نيوز