لم يسمع غالبية العراقيين باسم علي الزيدي قبل يوم الاثنين الماضي عندما جرى الإعلان عن ترشيحه، بشكل فاجأ الجميع، لمنصب رئيس الوزراء المكلف في العراق.
اسم لم يكن متداولا في قوائم المرشحين، ولا ضمن صراعات قوى الإطار التنسيقي (التحالف الشيعي الحاكم في البلاد)، لكنه صعد فجأة كـ”مرشح تسوية” أنهى ثلاثة أشهر من الخلافات داخل الإطار تحت ضغط داخلي، وخارجي، من واشنطن تحديدا.
بلا أية خبرة سياسية أو منصب تنفيذي سابق، أمام الزيدي، البالغ من العمر 40 عاما، 30 يوما لتشكيل كابينة وزارية تضم السنة والشيعة والأكراد، وتوازن في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، وهي مهمة لا تخلو من الصعوبات.
بالنسبة لكثير من المراقبين، يمثل الزيدي حالة استثنائية في النظام القائم على المحاصصة الحزبية والطائفية منذ عام 2003 والذي دأب على تقديم مرشحين من داخل المنظومة.
هو رجل أعمال ناجح، لكنه يفتقر لأي تجربة سياسية تُذكر، ولم يشغل من قبل منصبا حكوميا أو دورا قياديا في الدولة، ومع ذلك لديه علاقات مع جميع القوى السياسية دون استثناء. وقد ظهر ذلك واضحا في مجلس عزاء والده الذي أقيم في مارس الماضي، إذ حضره كبار المسؤولين في الدولة، بينهم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس القضاء الأعلى بالإضافة لقادة قوى سياسية شيعية وسنية وكردية، بارزين.
فكرة أن الرجل قليل الخبرة سياسيا قد يُنظر إليها كعامل ضعف، لكنها أيضا يمكن أن تكون ميزة في رأي آخرين.
يرى رئيس المركز العراقي للتنمية الإعلامية، عدنان السراج، أن الزيدي “غير منتمٍ سياسيا”، وهو ما يجعله “مقبولا من مختلف الأطراف دون التزامات،” في بيئة سياسية اعتادت على المحاصصة والولاءات الحزبية.
لكن هذه الحيادية قد تكون أيضا سيفا ذا حدين، إذ تضعه في موقع ضعف يعتمد فيه بشكل كبير على القوى التي أوصلته إلى هذا المنصب.
“من الصعب تصور نجاح هذه الحكومة أو تحقيق أي إنجاز، لأن الرجل لا يمتلك أي خبرة سياسية وليس لديه أية قاعدة نيابية، وبالتالي فكل شيء سيعتمد على الإطار التنسيقي،” يقول عقيل عباس، الزميل الأول غير المقيم في مبادرة العراق ضمن برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي.
إحدى النقاط المفصلية ستكون تشكيل الحكومة نفسها. هل سيتمكن الزيدي من اختيار فريق مستقل يعكس رؤيته، أم سيخضع لضغوط القوى السياسية التي دعمته؟
يقول رئيس المجموعة المستقلة للبحوث، منقذ داغر، إن تشكيل الحكومة سيكون “الاختبار الأول” الذي سيواجه الزيدي، وما إذا كان “سيتبع النهج التقليدي ويترك للأحزاب التحكم بالاختيارات، أم سيفرض استقلاليته”.
في حال نجح في تمرير حكومته داخل البرلمان، وهو أمر غير مضمون لكنه ممكن بدعم الإطار الذي يمتلك أكثر من نصف مقاعد البرلمان، فإن الزيدي سيواجه مهمة صعبة أخرى تتمثل بإدارة العلاقة مع واشنطن.
تمارس الولايات المتحدة منذ عدة أشهر ضغوطا كبيرة على حكومة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني وقادة الإطار التنسيقي من أجل التعامل بحزم مع سلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران.
اشتدت هذه الضغوط مع اندلاع الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28 فبراير الماضي ووقوف فصائل عراقية إلى جانب طهران في الصراع باستهداف منشآت دبلوماسية أميركية في العراق.
كثير من هذه الفصائل تمتلك أجنحة سياسية داخل الإطار التنسيقي ولديها تمثيل برلماني مؤثر بعد انتخابات نوفمبر 2025.
اتخذت واشنطن إجراءات أكثر حزما عبر وقف تدفق إرسال شحنات الدولار من عائدات النفط العراقي إلى بغداد، وتعليق التعاون الأمني عالي المستوى بين الجانبين، في محاولة للضغط على الحكومة العراقية من أجل التعامل بجدية أكبر مع الفصائل المسلحة.
من هنا يمكن القول إن اختيار الزيدي نفسه لم يكن عشوائيا.
فبحسب عقيل عباس، يعكس تكليف الرجل محاولة من جانب الإطار التنسيقي لكسب الوقت وتخفيف الضغط الأميركي عبر “تقديم شخصية لا ترتبط بالفصائل المسلحة، وقد تكون مقبولة لدى واشنطن”.
بالنسبة للولايات المتحدة، هنأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الزيدي بمناسبة ترشيحه لرئاسة الوزراء في العراق، معربا عن أمله في نجاحه “بتشكيل حكومة خالية من الإرهاب تحقق مستقبلا أكثر إشراقا”.
وأكد ترامب على منصة تروث سوشيال تطلعه لعلاقة قوية ومثمرة بين البلدين، قائلا إن هذه الخطوة تمثل بداية فصل جديد من “الازدهار والاستقرار والنجاح غير المسبوق” بين العراق والولايات المتحدة. وقبل ذلك رحبت واشنطن عبر سفارتها في بغداد بتكليف الزيدي.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الرجل حصل على شيك على بياض من قبل واشنطن.
“هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تدعم الزيدي أو تضغط لصالحه، كما لا يعني أنه، في حال نجح في تشكيل الحكومة، لن يواجه ضغوطا كبيرة من واشنطن، خصوصا في ما يتعلق بملفي الفساد والجماعات المسلحة،” يقول حمزة حداد الزميل والباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد، ومقره واشنطن.
على الصعيد الداخلي، سيجد الزيدي نفسه أمام اختبار لا يقل صعوبة، فالبلاد تعاني من فساد مستشر منذ عقود في ظل أزمة اقتصادية خانقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتراجع تصدير النفط، المورد الأساسي للعراق.
بالإضافة لهذا يتداول الرأي العام العراقي تقارير تتحدث عن ارتباط الزيدي بمؤسسات لديها شبهات فساد وتهريب عملة.
شغل الرجل منصب مدير مصرف الجنوب الإسلامي الذي يخضع لعقوبات فرضها البنك المركزي العراقي. ويدير كذلك شركة لديها عقود حكومية مربحة لتوريد مواد البطاقة التموينية، بالإضافة لامتلاكه محطة تلفزيونية محلية معروفة.
يشير السراج إلى أن الاتهامات الموجهة للزيدي “تبقى في إطار الشائعات”، لكنها مع ذلك تخلق بيئة من الشك قد تؤثر على صورته العامة.
إضافة إلى ذلك، فإن غياب الخبرة السياسية قد يجعل الزيدي عرضة للأخطاء، خاصة في التعامل مع الأزمات.
يقول السراج إن التحدي الحقيقي ليس في امتلاك الخبرة، بل في “إدارة الأزمات”، وهو أمر فشل فيه كثير من رؤساء الوزراء السابقين رغم خبرتهم.
ومع ذلك، لا يمكن الحكم على تجربة الزيدي قبل أن تبدأ فعليا.
“كل شيء سيتوقف على قدرته على اجتياز سلسلة من الاختبارات التي ستحدد مستقبله السياسي، بين الضغوط الأميركية والتوازنات الداخلية والتحديات الاقتصادية،” يقول داغر.
ماذا سيعني وصول الزيدي إلى رئاسة الوزراء؟ سؤال طرحته فيكتوريا تايلور الدبلوماسية الأميركية السابقة ومديرة “مبادرة العراق في المجلس الأطلسي في سلسلة تغريدات أعقبت ترشيح الزيدي.
ترجح تايلور أن يستمر الزيدي بذات النهج الذي سار عليه كل رؤوساء الوزراء السابقين من خلال الاضطرار “لموازنة مصالح قياداته السياسية والاقتصادية، وربما يُنظر إليه كمدير عام وليس رئيس وزراء”.
وتعتقد تايلور أن الزيدي سيواجه تحديات مشابهة لما واجهه رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، “مثل الميليشيات الخارجة عن سيطرة الدولة، والاقتصاد الهش المعتمد على النفط، وتضخم رواتب القطاع العام”.
لكن الفارق مع الزيدي هو أنه “لا يمتلك خبرة السوداني الطويلة في الحكم، وسيكون تحت رقابة وضغوط كبيرة من الولايات المتحدة،” تضيف تايلور.
المصدر:
الحرة