في تطور ميداني يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل وقف إطلاق النار الهش في جنوب لبنان، يكشف تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات الجغرافية والميدانية أن الجيش الإسرائيلي يمضي في ترسيخ ما بات يعرف بـ" الخط الأصفر" داخل الأراضي اللبنانية.
وتعكس هذه التحركات سعيا إسرائيليا لفرض واقع أمني وجغرافي جديد يتجاوز الترتيبات الأممية السابقة، عبر إنشاء حزام عازل يمتد بعمق يتراوح بين 1.2 و12 كيلومترا شمال الخط الأزرق المعترف به دوليا، بما يعني عمليا فصل عشرات القرى والبلدات الحدودية عن محيطها، وتحويلها إلى مناطق مقيدة أو محظورة تحول دون عودة سكانها إليها.
ووفق التحليل، لا يبدو "الخط الأصفر" مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل جزء من هندسة ميدانية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا الحدودية في جنوب لبنان، عبر تدمير ممنهج للكتل العمرانية، وفتح ممرات عسكرية، وتوسيع مناطق خالية من السكان، بما يشبه عملية "بتر جغرافي" تفصل الجنوب الحدودي عن امتداده السكاني والطبيعي.
ويظهر هذا الخط كحزام جغرافي واسع يعبر جزءا كبيرا من الجنوب الحدودي، ويشمل مسارا يمر بنحو 85 بلدة ومنطقة موزعة على عدة أقضية، بينها 19 بلدة في قضاء صور، و23 بلدة في بنت جبيل، و25 في مرجعيون، و11 في حاصبيا، و6 في النبطية، وبلدة في راشيا.
ويمتد هذا النطاق ليلامس بلدات أبرزها إسكندرونة، شمع، طيرحرفا، مجدل زون، عزية، زبقين، بيت ليف، عيتا الشعب، الخيام، شبعا، كفر شوبا، وغيرها من القرى التي باتت ترزح تحت خطر الاستهداف ومنع العودة. وتقدر مساحة هذه المنطقة العازلة المستحدثة بنحو 568 كيلومترا مربعا.
ففي "دير سريان"، أظهرت المقارنة بين صور 21 فبراير/شباط و18 أبريل/نيسان تسوية منازل بالأرض، وتدمير المبنى الحكومي المحلي ومسجد البلدة، إلى جانب تجريف طرق رئيسية وحقول زراعية.
وتقع دير سريان على بعد نحو ستة كيلومترات من الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وقد شهدت خلال الأسابيع الماضية عمليات توغل إسرائيلية، بعد سلسلة من الاشتباكات مع مقاتلي حزب الله.
وفي "رشاف"، كشفت صور 16 أبريل/نيسان عن فجوة تدميرية هائلة شملت تدمير رقع سكنية بالكامل، واستهداف البنية التحتية والمساحات الزراعية، ما غير من معالم البلدة جذريا.
وامتدت سياسة الأرض المحروقة لتطال المعالم التاريخية والمدنية. ففي "القوزح" و"بيت ليف"، أظهرت صور 16 أبريل/نيسان 2026 دمارا شديدا طال كنيسة القديس يوسف المشيدة عام 1927، إضافة إلى تضرر موقع تابع لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان ( اليونيفيل).
وكانت اليونيفيل قد أعلنت في مارس/ آذار الماضي إصابة ثلاثة جنود حفظ سلام داخل قاعدتهم وسط إطلاق نار عنيف في بلدة القوزح في جنوب غرب لبنان، مشيرة إلى إخماد حريق اندلع في القاعدة.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ذكرت "الوكالة الوطنية للإعلام"، الخميس 23 أبريل 2026، أن " القوات الإسرائيلية نفذت تفجيرا كبيرا في بلدة بيت ليف في قضاء بنت جبيل، وصلت أصداؤه حتى مدينة صور وبلداتها".
وفي "عيتا الشعب"، أظهرت المقارنات بين صور 21 فبراير/شباط و16 أبريل/نيسان 2026 دمارا عنيفا شمل المسح الكامل لعدد كبير من المنازل، واستهداف مساجد عامة، ومدرسة عيتا الشعب الثانوية، ومبنى البلدية، فضلا عن المقبرة الرئيسية ومحطات الوقود والطرق الرابطة نحو الناقورة.
كما تكشف الصور تأثر الطرق الرئيسية في البلدة، ومن بينها طريق عيتا الشعب وطريق الناقورة–رميش، بما يعكس اتساع نطاق الدمار ليشمل شبكة الحركة الداخلية ومحيط البلدة.
ولم تكن الأضرار في القطاع الغربي أقل حدة، حيث وثقت صور "مجدل زون" عالية الدقة تدميرا عنيفا تركز في الأحياء الشرقية ومحيط الطرق المؤدية إلى طيرحرفا.
وبحسب المقارنة البصرية وتحليل الصور بين صور مرجعية تعود إلى 24 فبراير/شباط الماضي وصور 16 أبريل/نيسان الجاري، تبدو أجزاء واسعة من البلدة وقد تعرضت لدمار عنيف، تراوح بين المسح الكامل والتدمير الشديد لعدد كبير من المنازل والمباني السكنية.
وفي "الناقورة"، التي تحمل رمزية أممية بالغة الأهمية، سويت أجزاء كبيرة من البلدة بالأرض، مع تدمير أكثر من 100 مبنى كليا، فيما لحقت أضرار جسيمة بمبان أخرى في أنحاء متفرقة من البلدة، وامتدت الأضرار إلى مرفأ الصيادين، ما دفع لبنان لتقديم شكوى رسمية للمنظمة البحرية الدولية.
كما تظهر الصور آثار أضرار في مقر اليونيفيل، بما يعكس وصول الاستهداف إلى منطقة بالغة الحساسية.
صور فضائية توثق دمار أكثر من 100 مبنى في بلدة الناقورة في لبنان (إيرباص + بلانت لابس)أما في "بنت جبيل"، فكان المشهد التدميري كارثيا؛ ففي المدينة رصد تضرر وتسوية بالأرض لمبان ومنشآت بين 20 فبراير/شباط و14 أبريل/نيسان 2026، وشمل القصف مدرسة عبد اللطيف سعد، ومجمع أهل البيت، إضافة إلى مسجد الإمام الحسين، والمكتب الحكومي للبلدة، وأضرار باستاد بنت جبيل، ومقبرة ظهرت بها آثار قصف، وطريق بنت جبيل الدائري.
صور فضائية توثق استهداف مؤسسات معينة في بنت جبيل (بلانيت لابس)وفي بلدة الخيام، التي شهدت أكثر من 25 غارة جوية وعمليات برية مكثفة منذ أواخر فبراير/شباط 2026، اختفت أحياء سكنية كاملة وتحولت مساحات مأهولة إلى فراغات عمرانية، مع تدمير كامل لمركز احتجاز الخيام التاريخي، ومجمع الإمام الخميني، وملعب البلدة ومدرسة الخيام العامة.
صور فضائية توثق استهداف مؤسسات معينة في قضاء الخيام (بلانيت لابس)وفي بلدتي دبل وحنين المتجاورتين في جنوب لبنان، أظهرت صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 16 أبريل/نيسان دمارا مباشرا استهدف عددا من المنازل.
كما أظهرت الصور مستوى أكثر اتساعا من الدمار في حنين، إذ تبدو أجزاء واسعة من البلدة وقد تعرضت لأضرار شديدة، وصلت في بعض المواقع إلى تسوية مبان كاملة بالأرض، كما طالت الأضرار أيضا البنية التحتية، حيث تأثرت طرق البلدة نتيجة الركام وانهيار البنايات المحيطة بها.
صور فضائية توضح الدمار في بلدة دبل (إيرباص)ويأتي فرض هذا الحزام الأمني وتدمير القرى الحدودية استكمالا لاستراتيجية عزل الجنوب اللبناني التي بدأت بضرب البنية التحتية اللوجستية، حيث كشفت صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 25 أبريل/نيسان 2026 تدمير أربعة جسور حيوية فوق نهر الليطاني (جسر الدلافة، جسر القاسمية، جسر القنطرة، وجسر زرارية–طيرفلسيه).
ويؤكد هذا الترابط بين تدمير الجسور ومحو القرى الحدودية سعيا لقطع أوصال المنطقة وعزلها بالكامل عن عمقها الوطني.
خريطة بالجسور المستهدفة في جنوب لبنان (الجزيرة)ويعد "الخط الأصفر" مصطلحا عسكريا داخليا في الجيش الإسرائيلي، ويمتد بشكله الحالي من قضاء حاصبيا ليمر بمنعطف نهر الليطاني وينتهي غربا في إسكندرونة.
وفي تأكيد رسمي، توعد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، في 18 أبريل/نيسان 2026، باستهداف أي تهديد محتمل "بما في ذلك ما بعد الخط الأصفر وشمال الليطاني"، بالتزامن مع تصريحات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكد فيها استمرار العمل العسكري.
في المقابل، يواجه هذا المسار رفضا لبنانيا، حيث أكد النائب حسن فضل الله أن المقاومة ستعمل على إسقاط هذا الخط، فيما يرى خبراء عسكريون أنه محاولة لفرض "منطقة إطلاق نار حرة".
وتكشف هذه المعطيات البصرية أن إسرائيل تسعى عبر "الخط الأصفر" إلى تحويل عشرات القرى اللبنانية إلى مناطق عازلة ومنع الأهالي من العودة إلى منازلهم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة