آخر الأخبار

جريمة على ضفاف النيل.. هل أصبح السودان "وكر" الكبتاغون العالمي الجديد؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

على الضفة الشرقية لنهر النيل، في منطقة الجيلي شمال الخرطوم، حيث تتآكل الخرساتة المسلحة لـ3 مبان ضخمة تحت وطأة الشمس القاسية، وتختلط رائحة الوقود بالغبار، تتقدم وحدة استطلاع عسكرية ببطء شديد وحذر متنام نحو البقعة المسكونة بالألغام. فقبل شهور قليلة، منعت قوات الدعم السريع السكان من الاقتراب من هذه المباني الثلاثة بأي شكل من الأشكال.

يدخل الجنود بحذر، هناك باب حديدي نصف مفتوح يقود إلى قاعة واسعة، حيث لا تزال آثار العمل قائمة، كأن العمال غادروها على عجل. على الطاولات، تقف مكابس أقراص ضخمة، وإلى جوارها خلاطات صناعية عملاقة، تتناثر حولها أكياس تحمل ملصقات مكملات دوائية "بيطرية"، لكن الفحص الأولي يكشف الحقيقة سريعا، فهذا المسحوق الأبيض يدخل في تصنيع أحد أخطر المخدرات وأكثرها انتشارا في المنطقة، وهو الكبتاغون.

"في موقع واحد فقط، اكتشف الجيش السوداني معدات تقدر قيمتها بنحو 3 ملايين دولار، قادرة على إنتاج 100 ألف حبة كبتاغون في الساعة، ومواد خام تكفي لتصنيع 700 مليون حبة"

في زاوية أخرى، نلاحظ آلة لا تزال موصولة بالكهرباء، متوقفة عن العمل لكن يبدو أنها كانت تعمل قبل فترة قصيرة، وعلى الأرض بقايا أقراص غير مكتملة، كأنها سقطت أثناء الهروب، لكن الملاحظة الأهم أن ما رُصد في هذا الموقع لم يكن عملية تخزين أو تهريب معتادة، بل خط إنتاج كامل، وما كشفه جنود الجيش السوداني بعد استعادتهم لتلك المنطقة في فبراير/ شباط 2025، هو مختبر صناعي يعمل بكفاءة، قادر على ضخ ملايين الحبوب في السوق، أقيم على بعد كيلومترات قليلة من مصفاة الجيلي النفطية، في موقع يجمع بين العزلة وسهولة الوصول إلى طرق الإمداد.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 من هم الستة الذين أشاد بهم ديفيد بن غوريون؟
* list 2 of 2 معركة بلا جنود.. هل هزمت الروبوتات الجيش الروسي في أوكرانيا؟ end of list

أشارت التقديرات الأولي إلى مستوى متقدم لدورة إنتاج وتصنيع الكبتاغون، فقد وجد الجنود معدات تقدر قيمتها بنحو 3 ملايين دولار، مع قدرة إنتاجية تصل إلى 100 ألف حبة كبتاغون في الساعة، ومواد خام تكفي لتصنيع 700 مليون حبة، لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق كان أن هذا المصنع ليس استثناء ولكنه مجرد نقطة في شبكة معقدة من المواقع المماثلة. وهو ما يؤكد التحذيرات القلقة التي أطلقها باحثون ومسؤولون أمنيون من تحول السودان، الذي كان يُعدّ لفترة طويلة ممر عبور هامشيا، إلى أحد أهم مراكز التصنيع الجديدة لمادة الكبتاغون، على مستوى العالم كله.

مصدر الصورة ينتمي الكبتاغون، من حيث تأثيره الطبي، إلى عائلة منشطات الجهاز العصبي المركزي (رويترز)

ما الكبتاغون؟

بدأت قصة الفينثيلين، المركب الكيميائي الذي عُرف تجاريا باسم "الكبتاغون"، في ألمانيا عام 1961، حين طُرح بوصفه بديلا دوائيا لبعض منشطات الجهاز العصبي المركزية. في ذلك الوقت، بدا العقار واعدا من الناحية الطبية، فقد استُخدم لعلاج اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، وبعض حالات الاكتئاب.

إعلان

لكن سعادة العلماء لم تدم طويلا، فعلى مدى نحو ربع قرن، بدأت تتراكم الأدلة على ارتباطه بآثار جانبية شديدة الخطورة، من بينها الهلوسة، والسلوك العدواني، والاعتماد الإدماني، وبحلول الثمانينيات، خرج الفينثيلين من المجال الطبي النظامي، ليدخل حياة أخرى أكثر قتامة في الأسواق غير المشروعة، حيث سُجلت في ألمانيا عام 1984 إحدى أوائل ضبطياته بوصفه مخدرا متداولا خارج الإطار القانوني.

"ينتمي الكبتاغون من حيث تأثيره الطبي إلى عائلة منشطات الجهاز العصبي المركزي"

ينتمي الكبتاغون، من حيث تأثيره الطبي، إلى عائلة منشطات الجهاز العصبي المركزي، وهذه الفئة من المواد لا تعمل فقط على إبقاء الشخص يقظا ومنتبها، بل تعيد أيضا تشكيل التجربة النفسية الآنية بصورة عميقة. فبعد التعاطي، ترتفع مستويات بعض النواقل الكيميائية في الدماغ، وعلى رأسها الدوبامين، وهو جزيء يرتبط بمسارات المكافأة والتحفيز والشعور بالمتعة.

نتيجة ذلك، قد يشعر المتعاطي باندفاعة سريعة من النشاط، وتزايد في الثقة بالنفس، وإحساس بالقدرة على الإنجاز ومواجهة الضغوط، بل وأحيانا بشعور مضخم بالقوة والسيطرة. هذه الاستجابة العصبية هي ما يمنح المادة جاذبيتها الأولية، لكنها في الوقت نفسه تضع الأساس البيولوجي لخطورتها، فمتعاطوه يصفون حالة من النشوة تمتد لساعات، على خلاف مواد أخرى أقصر أثرا مثل الكوكايين.

ومن منظور علم الأعصاب، فإن هذه المدة الأطول تعني أن الدماغ يظل غارقا لفترة ممتدة في حالة تنبيه كيميائي غير طبيعية، وهو ما يضاعف الإغراء بإعادة التجربة، ومع تكرار الاستخدام، يتحول هذا التأثير من تجربة مرغوبة إلى علاقة قسرية، إذ يتكيف الدماغ والجسم تدريجيا مع وجود المادة، فتفقد الجرعات القديمة قدرتها على إنتاج الأثر نفسه، ويصبح المتعاطي بحاجة إلى كميات أكبر لبلوغ الإحساس ذاته.

هذه الظاهرة، المعروفة بـ"التحمل الدوائي"، تمثل إحدى السمات الكلاسيكية للإدمان، وعندما يحاول الشخص التوقف فجأة، لا يواجه فقط غياب النشوة، بل يدخل في طور انسحاب مرهق قد يشمل التعب الشديد، والاكتئاب، والقلق، والانطفاء النفسي، والرغبة القهرية في استعادة الجرعة.

وفي هذه المرحلة، لا يعود التعاطي سعيا إلى المتعة بقدر ما يصبح هروبا من الانهيار الداخلي الذي يسببه الغياب المفاجئ للمادة. الثمن الأثقل يظهر مع الاستخدام المزمن. فالتعرض المستمر لهذا النوع من المنشطات قد يدفع الدماغ والقلب والجهاز العصبي إلى حافة الإنهاك، بل والانهيار التام.

تاريخ قصير في السودان

ما سبق يعطينا فكرة علمية صلبة عن طبيعة هذا المخدر "الشرس" و"سهل الإدمان"، ومن ثم يمكن أن نفهم ما يمكن أن يحدث إذا دخل بيتا ما، وما يصيب بلدا ما إذا استشرى داخله، لكن ذلك الجانب العلمي ليس إلا جزءا صغيرا جدا من قصة الكبتاغون في السودان.

لا يُعد وجود الكبتاغون في السودان أمرا جديدا، فقد انتشر في البلاد لعقد من الزمان على الأقل، لكن بشكل أساسي كان السودان نقطة عبور للبضائع المخدرة التي تُنقل بين المنتجين خاصة في سوريا (في عهد الأسد) والمستهلكين (كانت دول الخليج أهم الأسواق التي استهدفتها شبكات تهريب الكبتاغون)، كما يشير مرصد الشفافية والسياسات السوداني، ومن ثم فلم يكن تصنيعه واسع الانتشار في السودان قبل حرب 2023.

إعلان

مثلا في عام 2010، ضبطت شرطة مكافحة المخدرات السودانية نحو مليون حبة كبتاغون، وفي عام 2014، صادرت السلطات في بورتسودان نحو 1.4 مليون قرص، أي ما يعادل 2.5 طن تقريبا، مخبأة داخل أكياس من الذرة الصفراء محملة في حاويات شحن متجهة إلى لبنان، وذلك وفقا لبيانات شرطة مكافحة المخدرات السودانية.

"في أبريل 2015، داهمت الشرطة السودانية أول مصنع موثق للكبتاغون في جبل أولياء جنوب الخرطوم، بطاقة إنتاجية 5000 قرص في الساعة"

لكن الأمر تغير في أبريل/نيسان 2015، حينما داهمت الشرطة أول مصنع موثق للكبتاغون في البلاد، في جبل أولياء، على بعد 45 كيلومترا جنوب الخرطوم، بطاقة إنتاجية تتجاوز 5000 قرص في الساعة، وكان يديره أجانب، من بينهم مواطنون من دول عربية وأوروبية. وفي عام 2018، فككت السلطات منشأة أخرى في العاصمة وألقت القبض على ثلاثة أشخاص وصفتهم شبكة أبحاث "إيناكت إفريقيا" بأنهم "زعيم شبكة بلغاري" و"كيميائي" و"مسؤول لوجستي سوري".

بين عامي 2015 و2025، تم توثيق 19 حادثة ضبط للكبتاغون في السودان، أربع منها كانت مداهمات لمختبرات، لكن هذه الحوادث وُضعت في سياق أكبر تجعل السودان معبرا وليس مركزا للتصنيع كما أسلفنا. أما الإنتاج فكان بكميات قليلة، وليس على نطاق صناعي، لكن نقطة التحول التي غيرت تلك الفكرة بدأت بعيدا عن الخرطوم، تحديدا في دمشق.

مصدر الصورة تحركت الحكومة السورية الجديدة بقوة ضد أوكار الكبتاغون في البلاد (الفرنسية)

الانهيار السوري وفراغ السوق

في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وصل أحمد الشرع، قائد هيئة تحرير الشام، إلى العاصمة السورية دمشق، عقب إعلان فصائل المعارضة المسلحة بسط سيطرتها على المدينة فجر اليوم نفسه. ظهر الشرع في مقطع مصور أثناء دخوله المسجد الأموي في دمشق، محاطا بعدد من الجنود، في مشهد لفت انتباه الإعلام العالمي، إلى التغيير القادم في سوريا.

فور دخول المعارضة إلى دمشق، انهار نظام الأسد، منهيا ما وُصفت بأنها "أحد أكبر دول المخدرات في العالم". في عهد الأسد، ووفقا لتقييم مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2023 وتحليلات مستقلة لاحقة، كانت سوريا نقطة انطلاق الغالبية العظمى من الكبتاغون الذي وصل إلى أسواق الخليج. أفاد مكتب الأمم المتحدة أنه بين يناير/كانون الثاني 2019 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، أشارت 80% من عمليات ضبط الكبتاغون المبلغ عنها في المنطقة العربية إلى سوريا كبلد المنشأ.

تحركت الحكومة السورية الجديدة بقوة ضد هذه التجارة. ووفقا لدراسة بقيادة خبراء من معهد نيو لاينز للاستراتيجية والسياسات حول تجارة الكبتاغون، قامت القوات السورية بين ديسمبر/كانون الأول 2024 وسبتمبر/أيلول 2025 بتفكيك سبع مختبرات، وداهمت 23 مستودعا، وصادرت أكثر من 200 مليون حبة كبتاغون، وهو معدل إنفاذ قانون فاق كل ما قام به نظام الأسد. ,بحلول يونيو/حزيران 2025، كانت السلطات السورية الجديدة قد أعلنت تفكيك البنية التحتية للكبتاغون في البلاد إلى حد كبير.

"سقوط الأسد لم يعنِ نهاية اقتصاد الكبتاغون، بقدر ما عنى تفكك مركزه التقليدي وإعادة توزيع شبكاته"

لكن المخدر لم يختف، بل بدا كأنه غير جلده فقط، فكما أوضح المحللان كارولين روز وماثيو زويج في مقال نشر في مجلة فورين بوليسي، فإن سقوط الأسد لم يعنِ نهاية اقتصاد الكبتاغون، بقدر ما عنى تفكك مركزه التقليدي وإعادة توزيع شبكاته، فحين سقطت السلطة التي وفرت لهذا النشاط غطاء سياسيا وأمنيا ولوجستيا داخل سوريا، تحررت البنية الإجرامية التي تمت هيكلتها على مدى سنوات من ارتباطها بموقع إنتاج ثابت، ومن ثم سمح لمشغليها، الذين هرب الكثير منهم، بالانتقال إلى أماكن أخرى.

بمعنى أوضح، لم يعد منتجو الكبتاغون ومهربوه مضطرين إلى البقاء داخل الجغرافيا السورية أو العمل من خلال مراكز تصنيع كبيرة ومعروفة نسبيا، بل اضطروا إلى نقل الخبرات والمعدات وعلاقات العمل إلى ساحات أخرى أقل انكشافا وأكثر هشاشة من الناحية الأمنية. وأشار تقرير بحثي موجز صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى أن المهربين بدأوا بالفعل في إنشاء طرق جديدة عبر غرب ووسط أوروبا وشمال إفريقيا. وفيما يبدو، ورث السودان جزءا كبيرا من هذه الشبكات التي كانت تبحث عن بيئة مواتية تزدهر فيها تحت وطأة الحروب والانفلات الأمني.

إعلان

حرب السودان وازدهار التصنيع

اندلعت الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي. وفي غضون أشهر، تفككت سلطة الدولة، وانهارت منظومات الجمارك والأمن في المناطق المتنازع عليها، وخرجت مساحات شاسعة من الأراضي – بما في ذلك معظم الخرطوم ودارفور – عن السيطرة المركزية الفعالة.

في ظل الانهيار، كان التوسع في التصنيع المحلي للكبتاغون سريعا وموثقا، ففي يونيو/حزيران 2023، استولت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في السودان على موقع إنتاج في منطقة النيل الأزرق بطاقة إنتاجية تبلغ حوالي 7200 حبة في الساعة، وفي أغسطس/آب 2024 اكتشفت شرطة الأمن الداخلي منشأة في منطقة القاري شمال الخرطوم وصادرت ما يقرب من 10 ملايين حبة، وتصاعد الأمر بشكل فج في فبراير/شباط 2025، حيث فكك الجيش السوداني مختبر الجيلي قرب مصفاة الخرطوم النفطية، وهي العملية التي أشير لها في بداية التقرير.

دقت هذه التطورات ناقوس خطر مزعج. فالمنشآت التي كانت تصنع أقل من 10 آلاف حبة في الساعة باتت في عام 2025 قادرة على إنتاج ما يقارب 100 ألف حبة في الساعة، أي بزيادة قدرها 10 إلى 14 ضعفا في أقل من عامين. ووثقت منظمات عدة أن عام 2025 شهد أكبر عمليات ضبط للمخدرات في تاريخ السودان.

"وثقت منظمات عدة أن عام 2025 شهد أكبر عمليات ضبط للمخدرات في تاريخ السودان"

المشكلة الأكبر كانت في التوصيفات التي أقرتها محاضر الضبط، حيث وجد المحققون أن المعدات في الجيلي تشبه إلى حد كبير تلك التي شوهدت في مداهمات المختبرات السورية، وكانت بعض مواد تغليف الكبتاغون التي عُثر عليها في عملية فبراير/شباط، قد أعيد توجيهها "رسميا" إلى شركة بيطرية سورية في دمشق، على الرغم من أن شرعية هذه الشركة محل جدل، مع إشارات إلى أن عناصر إجرامية كانت موالية للأسد نقلت عملياتها إلى إفريقيا لاستغلال انهيار السودان.

يعد الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسودان السبب وراء التعامل مع هذا التحول، فالسودان يمتلك ساحلا طويلا يصعب مراقبته، ومن ثم توفر البلاد للمهربين ممر نقل مباشرا وفعالا عبر البحر الأحمر إلى المستهلكين. حيث لا تزال منطقة الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية بكثافة سكانها الشبابية وحدودها الشاسعة، السوق الرئيسي الذي يستهدفه مهربو الكبتاغون. وقد ضبطت السلطات السعودية نحو 700 مليون حبة كبتاغون بين عامي 2014 و2022 في إطار جهودها لحماية حدودها ومحاصرة شبكات التهريب.

وتؤكد عمليات الضبط الأخيرة استمرار نشاط هذا الممر، ففي يناير/كانون الثاني 2025، ضبطت سلطات الجمارك السعودية في ميناء جدة نحو 1.5 مليون حبة كبتاغون مخبأة في غسالة ملابس، وفي أغسطس/آب 2025 أعلنت شرطة دبي، بالتعاون مع المديرية العامة لمكافحة المخدرات في السعودية، إحباط محاولة تهريب نحو 90 ألف حبة كبتاغون كانت مخبأة داخل أزرار الملابس، وفي يناير/كانون الثاني 2026، ضبطت وحدات مكافحة التهريب في ولاية البحر الأحمر 493 كيلوغراما من الميثامفيتامين الكريستالي و100 كيلوغرام من الهيروين، في واحدة من أكبر الضبطيات المسجلة قرب ميناء بورتسودان.

وقد سجلت السعودية مرارا ضبطيات كبتاغون كبيرة في ميناء ضباء على البحر الأحمر، وهو ميناء يرتبط بخطوط عبور بحرية من الساحل السوداني. من الأمثلة على ذلك ضبط أكثر من 4 ملايين حبة في مايو/أيار 2016 في شاحنة وصلت إلى ضباء على متن عبارة، وضبطيات أخرى متتالية في الميناء نفسه خلال عامي 2023 و2024.

مصدر الصورة هناك اسم شهير للكبتاغون بدأ يشتهر قبل عدة سنوات وهو "كوكايين الفقراء" (الفرنسية)

إذا دخل لا يخرج

ما سبق يبين السبب الجيوسياسي الذي يجعل من السودان مركزا محتملا لتصنيع ومن ثم انتشار الكبتاغون إلى العالم العربي، والعالم كله، لكن هناك ما هو أعمق من ذلك، فالأسباب الاقتصادية عادة لها دور مهم لتثبيت وجود الكبتاغون في مكان ما، وانتشاره في الكوكب كله، ويرجع ذلك غالبا إلى ثمنه الرخيص مقارنة بالعقارات المخدرة المناظرة.

"يعرف الكبتاغون عادة بكوكايين الفقراء، فهو يعطي تأثيرا مخدرا قويا مع فارق كبير في السعر مقارنة بالهيروين مثلا"

هناك اسم شهير للكبتاغون بدأ يشتهر قبل عدة سنوات وهو "كوكايين الفقراء"، فهو يعطي تأثيرا مخدرا قويا مع فارق كبير في السعر مقارنة بالهيروين مثلا. والواقع أن هذا عامل مهم في هذه السوق القذرة، وعلى سبيل المثال زاد استخدام الكبتاغون من قبل متعاطي المخدرات في الشوارع في ألمانيا في أوقات مختلفة في الثمانينيات عندما كان الكوكايين والمخدرات المنشطة الأخرى قليلة الوجود هناك أو باهظة الثمن.

إعلان

وكانت دراسة صادرة بدورية "كرايم آند جاستيس" قد رصدت استجابة مباشرة لتغيرات أسعار الأمفيتامينات من أقرباء الكبتاغون في مدينة سيدني الأسترالية، حيث كشفت النتائج أن مشتريات تلك المخدرات تنخفض وترتفع بناء على السعر كعامل رئيسي، فمثلا أدت زيادة الأسعار بنسبة 10% إلى انخفاض بنسبة 18%-19% في المبيعات. وفي التجارب نفسها استجاب متعاطو الهيروين للتغيرات في سعر الهيروين بزيادة مشترياتهم بشكل كبير من الأمفيتامينات التي تعد أرخص حتى مع زيادة أسعارها.

"من السهل نسبيا الحصول على المواد الكيميائية اللازمة لإنتاج الكبتاغون وكذلك معدات صناعته ما يجعله أسهل انتشارا"

أضف إلى ذلك مشكلة ثانية، وهي أنه من السهل نسبيا الحصول على المواد الكيميائية اللازمة لإنتاج الكبتاغون، وكذلك المعدات اللازمة لعملية التحضير، والمشكلة الكبرى أن الأمر لا يقتصر فقط على المعامل المتخصصة التي تبنيها العصابات الكبرى، بل من السهل صناعة هذه المركبات في معامل منزلية وفي أي مكان وبمواد يسهل الحصول عليها، ولا يتطلب تصنيع المخدر الكثير من المعرفة لأنه يتم تركيبه من مواد معروفة ورخيصة وبنسب وكميات معلومة أيضا، ولذلك رُصد بالفعل تصنيع هذه المخدرات منزليا في كثير من دول العالم.

يؤثر ذلك دورة حياة المخدر خاصة خريطة الانتشار، فالعصابات الكبرى تنشر المخدرات في سلاسل توريد ثابتة تنبع عادة من نقطة محددة في كل مدينة، ويسهل ذلك مهام الجهات الشرطية، أما إذا صُنع المخدر في المنزل فيمكن أن تكون بؤر انطلاقه متعددة ومنتشرة في كل مكان وعشوائية.

وعلى النقيض من المخدرات النباتية المصدر مثل منتجات القنب، فإن تصنيع الكبتاغون عملية ليس لها روابط مباشرة بأرض زراعية، ومن ثم يمكن نقل عملية الإنتاج إلى أماكن متعددة، حسب حالة السوق وحاجته، في الواقع فإن إحدى أسوأ مشكلات الإدمان هي إمكانية تقريب المسافة بين المصنع والمستهلك، أضف إلى ذلك أنه يتم إنتاج تلك الحبوب في مختبرات صغيرة، فيُضعف ذلك احتمال اكتشافها وتدميرها مقارنة بحقول الخشخاش الكبيرة أو الماريجوانا مثلا. ونظرا إلى أنه يمكن وضع 5000 حبة من الكبتاغون داخل عبوة صغيرة مثل علب الأحذية على سبيل المثال، فمن السهل جدا إخفاء هذا المخدر لنقله إلى الخارج.

مصدر الصورة هناك علاقة واضحة بين المخدرات والصراع (الخرطوم – الفرنسية)

المخدرات والحرب

ما سبق يؤكد أنه إذا دخل الكبتاغون دولة ما، فإنه من الصعب أن يخرج منها بسهولة إلا مع حملات أمنية موسعة تستمر لسنوات طويلة، لأنك في هذه الحالة لا تطارد بائعين كبار فقط، بل أيضا آلاف المصنعين والبائعين الصغار، لدرجة أنه يمكن لبائع أن يقوم بالعمل على سوق يمثل قرية صغيرة فقط، هؤلاء يحققون أرباحا هائلة من تصنيع وبيع وتصدير مخدر رخيص.

يتسع هذا السوق بوجود نزاع عسكري في الدولة، فهناك رابط واضح بين تفكك الدولة وتمدد اقتصاد المخدرات، بسبب تعدد مراكز القوة، وضعف التنسيق بين الأجهزة، وانشغال الشرطة والجيش بمهام قتالية، وصعوبة مراقبة الحدود الطويلة والوعرة، كلها عوامل ترفع احتمالات التهريب دخولا وخروجا.

"هناك رابط بين تفكك الدولة وتمدد اقتصاد المخدرات، بسبب تعدد مراكز القوة وانشغال الشرطة والجيش بمهام قتالية، وصعوبة مراقبة الحدود الطويلة والوعرة"

والأمر لا يتوقف فقط على غياب الأمن والسلطة، فمبيعات الكبتاغون تخدم سوقين متميزين ومربحين في تجارة كهذه، الأول الشباب في الفئات العمرية الصغيرة، والثاني المقاتلون في مناطق النزاع، ولهذا قصة طويلة تصل إلى أواخر الثلاثينيات، إذ تم توزيع الأمفيتامينات خلال الحرب العالمية الثانية في معسكرات الحلفاء والمحور، بل إنه بسبب بيع فائض الحرب الهائل، استمرت هذه الموجة الأولية من استخدام الميثامفيتامين حتى أواخر الأربعينيات، وتخطى الأمر اليابان وشرقي آسيا بشكل عام لينطلق على نطاق واسع في أوروبا وأمريكا الشمالية.

في السياق العسكري، يُطلق على الكبتاغون لقب "الشجاعة الكيميائية" بسبب استخدامه في العمليات العسكرية وأعمال الشغب، للأسباب سالف ذكرها، والمرتبطة باليقظة والقدرة على التحمل، إذ يعطي ذلك المقاتل شعورا بأنه لا يُقهر. وفي حين أن المخدرات تُستخدم في العديد من الصراعات، من ميانمار إلى أفغانستان ومن بيرو إلى سريلانكا بحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن الكبتاغون بالنسبة لفريق من الباحثين يُعد طفرة في هذا النطاق، لأنه أصبح يُستخدم في أعمال العنف بشكل عام ونقصد هنا أعمال الشغب وليس فقط الحرب.

وبشكل عام يتفق الباحثون على أن هناك علاقة واضحة بين المخدرات والصراع. نعم، لا تتسبب المخدرات بشكل مباشر في حدوث حروب وصراعات غالبا، ولكنها تؤدي دورا مهما في إطالة مدة الحرب وحدتها، ليس فقط بسبب الإضافة الكيميائية التي تضعها في أدمغة المقاتلين، بل كذلك لأن جانبا من الأطراف المتقاتلة عادة ما يتحصل على موارده من تصنيع وبيع الكبتاغون، هذا ما حدث في سوريا، ويخشى بعض الخبراء من أنه قد حصل فعلا في السودان.

مصدر الصورة (الجزيرة)

وعلى سبيل المثال، تشير سيطرة الدعم السريع على مواقع إنتاج معروفة للمخدر، ومع سجلها الحافل بالتربح من اقتصادات غير مشروعة وغير رسمية متعددة، هناك دلائل متزايدة على تورط محتمل للدعم السريع في إنتاج الكبتاغون في السودان أو تسهيله للأمر. وقد وقعت أكبر عمليتي ضبط لمختبرات في شمال الخرطوم في أحياء كانت معاقل محصنة لقوات الدعم السريع.

أضف إلى ذلك نقطة أخرى مهمة، وهي أنه خلال أوقات النزاع العسكري تزدهر تجارة المخدرات بسبب عوامل تتعلق بسكان تلك المناطق من المدنيين أنفسهم، فمع التوتر الدائم والصدمات المرتبطة بالحرب وانخفاض الدخل وارتفاع نسب البطالة وسرعة حدوث التغيرات الاجتماعية تزداد احتمالات أن يلجأ الأفراد إلى المخدرات كآلية للتكيف مع قسوة الحدث، وقد أظهرت مجموعة كبيرة من الأبحاث وجود علاقة واضحة بين تعاطي المخدرات والإصابة بالصدمات وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة.

"أظهرت الأبحاث وجود علاقة واضحة بين تعاطي المخدرات والإصابة بالصدمات وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة"

ومع توفر المخدرات بسبب اختلال البنية التحتية للدولة الواقعة في قلب الصراع، فإن الأمر يشبه وضع النار إلى جوار البنزين. في السودان، هناك مؤشرات بالفعل على اتساع دائرة التعاطي، لكن السودان يفتقر إلى مسوح وطنية حديثة وموثوقة تسمح بتقدير حجم انتشار الكبتاغون بين عموم السكان بدقة.

ما نعرفه أن معظم متعاطي المخدرات في السودان حاليا "يبدون من الشباب"، مع معدلات مرتفعة تم الإبلاغ عنها بين المقاتلين، بما يتفق مع وجهة النظر البحثية في هذا النطاق، يأتي ذلك في سياق إغلاق مراكز علاج الإدمان المتخصصة وضعف خدمات الصحة النفسية، ما جعل الاستجابة للمشكلة أكثر هشاشة، في وقت تؤكد فيه منظمة الصحة العالمية أن النظام الصحي السوداني يمر بأزمة أعمق بعد ثلاث سنوات من الحرب، مع تقلص الوصول إلى الخدمات الصحية في مناطق واسعة.

وفي شرق السودان تحديدا، تظهر إشارات مقلقة إلى توسع تعاطي المخدرات الاصطناعية بين الفئات الأصغر سنا، وإن كان الحديث هنا يدور في الغالب عن الميثامفيتامين أكثر من الكبتاغون وحده، ولكنه من نفس العائلة، ومن ثم يمكن أن يعطينا صورة عن انتشار تعاطي الكبتاغون كذلك، وقد نقل عن نشطاء المجتمع المدني هناك أن تعاطي الميثامفيتامين تم رصده حتى بين أطفال في سن 12 عاما.

مشكلة العالم الكبيرة

يجتمع ما سبق من سياقات علمية واجتماعية وسياسية وعسكرية لوضع الكبتاغون في بؤرة الاهتمام ليس فقط في السودان، بل في العالم كله وفي المنطقة العربية بالأخص، ليصبح أشبه ما يكون بقنبلة يمكن أن تنفجر في أي وقت.

والمشكلة الكبرى أن هذا النوع من الأنشطة غير المشروعة لا يمكن القضاء عليه بسهولة كما أسلفنا، فحتى لو توقفت تلك النزاعات الآن فورا، ووقف الجميع في مواجهة الكبتاغون، فإنه يصعب إيقاف هذه الأنشطة، فقد نشأت بالفعل تجارة تقدر قيمتها بأكثر من 57 مليار دولار، أصبح لها رجال أقوياء يديرونها مع آلاف من العاملين ومناطق سيطرة وسلطة وعلاقات متشابكة معمقة تحكمها مصالح مشتركة، وهي شبكات تصبح أقوى مع الزمن ولا يسهل تفكيكها، وتستغرق تصفية تلك الشبكات الكثير من الوقت والجهد.

(الجزيرة)

يأتي ذلك في سياق مشكلة عالمية أكبر، فالمخدرات المصنعة صارت واحدة من أكبر مشكلات المخدرات عالميا، وربما الأسرع توسعا والأصعب في المكافحة، في حركة تقودها بالأساس المنبهات الأمفيتامينية وعلى رأسها الكبتاغون، ووصلت ضبطيات هذه الفئة إلى مستوى قياسي في عام 2023 وشكلت نحو نصف جميع ضبطيات المخدرات الاصطناعية عالميا.

"هناك 30 مليون شخص استخدموا الأمفيتامينات في عام 2023 وحده"

وخطورة هذه المخدرات لا ترجع فقط إلى حجمها، بل إلى طبيعتها نفسها، فخلافا للمخدرات النباتية مثل الأفيون أو الكوكايين، يمكن تصنيع المخدرات الاصطناعية في أي مكان تقريبا كما أسلفنا إذا توفرت المواد الكيميائية الأساسية ودرجة من الخبرة الفنية، ما يجعل الإنتاج أقرب إلى صناعة متنقلة يصعب اقتلاعها.

على مستوى العبء العالمي الأوسع، يقول مكتب الأمم المتحدة الإقليمي المعني بالمخدرات والجريمة إن 30 مليون شخص استخدموا الأمفيتامينات في عام 2023 فقط، والواقع أن الأمر لا يتعلق فقط بالكبتاغون، فكل شيء تغير في عالم المخدرات، التهريب يتم الآن عبر شبكات لامركزية إذا انقطع لها ذراع فهناك آلاف الأذرع، كما أن أساليب التهريب تطورت وصولا إلى استخدام المسيرات لنقل حمولات صغيرة متعددة.

لهذه الأسباب مجتمعة، لا يبدو أن العالم سيتخلص من هذه النوعية من المخدرات قريبا، إنه سوق تتوفر له حاليا كل سبل النجاح وتتطلب مواجهته تعاونا عابرا للحدود بين دول عدة، وتبادلا للبيانات بين السلطات المختصة في الوقت الفعلي، للإمساك بكل أذرع الأخطبوط. بدأ هذا يحدث بالفعل، ونأمل أن يضع في مرحلة ما نهاية لسوق المخدرات الاصطناعية المزدهر في العالم كله.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا